تب: رجل الأعمال “حسني بي”
منذ سنوات وأنا، ومعي كثيرون، نطالب بإصلاح جذري لمنظومة دعم المحروقات والطاقة الكهربائية في ليبيا، ليس بهدف حرمان المواطن من الدعم كما يحاول البعض تضليل الرأي العام، تارةً بالتشكيك في قدرة الدولة على الالتزام، وتارةً أخرى بالتلويح بفزاعة التضخم، بل بهدف إيصال الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين: المواطن الليبي.
والمثير للاستغراب أن بعض الأصوات ما زالت تهاجم أي محاولة للتغيير أو حتى للإصلاح، رغم أنها لم تقدم طوال عقود أي حل حقيقي لمكافحة الفقر، أو وقف التهريب، أو الحد من الهدر واستنزاف المال العام وسرقته تحت غطاء القانون.
وأسأل هؤلاء سؤالاً بسيطاً:
إذا كانت منظومة الدعم الحالية ناجحة، فأين ذهبت أكثر من 500 مليار دولار، تمثل ما يقارب 25% من قيمة إنتاج ليبيا من النفط والغاز، والتي أنفقها الشعب الليبي عبر حكومات متعاقبة منذ عام 1973؟
إذا كان الدعم يصل إلى المواطن، فلماذا ما زال أكثر من ثلث الليبيين يعانون ضغوطاً معيشية متزايدة ويواجهون صعوبات اقتصادية متفاقمة؟ وإذا كان الدعم يحمي الفقراء، فلماذا يستفيد منه أصحاب الاستهلاك المرتفع والمهربون والمضاربون أكثر من الأسر محدودة الدخل؟
الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن الدعم العيني للمحروقات والطاقة الكهربائية لم يعد دعماً اجتماعياً، بل أصبح أكبر بوابة للهدر الاقتصادي والفساد والتهريب والسرقة المنظمة للثروة الوطنية.
إن مليارات الدولارات التي تُنفق سنوياً، والتي لم تقل في أي سنة عن عشرة مليارات دولار، لا تصل إلى المواطن بالشكل الذي يدّعيه المدافعون عن الوضع القائم، بل يذهب جزء كبير منها إلى:
التهريب عبر الحدود.
الاقتصاد الموازي.
تمويل العصابات والشبكات غير المشروعة.
المضاربة في الوقود.
الاستهلاك المفرط وغير الرشيد.
الاستفادة من الفجوة السعرية بين ليبيا والدول المجاورة.
أما المواطن العادي فلا يحصل إلا على جزء محدود من هذه الثروة التي يفترض أنها ملك له في المقام الأول.
ولهذا فإنني أؤكد أنني لست مع إلغاء الدعم ولا مع رفعه، بل مع تغيير آلية توزيعه. ولذلك أطرح بوضوح وصراحة استبدال الدعم العيني بدعم نقدي مباشر يصل إلى حساب المواطن، مستنداً إلى تجربة ليبية قائمة ومجربة بالفعل من خلال علاوات الزوجة والأبناء والبنات، والتي أثبتت قدرتها على الوصول إلى ملايين المواطنين بصورة منتظمة وشفافة، ويتم العمل بها منذ أكثر من ست سنوات.
والمقترح لا يقوم على طباعة الأموال أو خلق تضخم جديد، ولا على تحميل الدولة التزامات إضافية، بل على إعادة هيكلة وتوزيع الأموال نفسها التي تُنفق حالياً بصورة أكثر عدالة وكفاءة.
كما أن قيمة الدعم النقدي ليست ثابتة إلى الأبد، بل متغيرة وترتبط مباشرة بالإيرادات النفطية الحقيقية للدولة، بحيث ترتفع عندما ترتفع الإيرادات وتنخفض عندما تنخفض، بما يضمن الاستدامة المالية وعدم تحميل الأجيال القادمة أعباء غير قابلة للتمويل.
وبحسب التصور المقترح، فإن الأسرة الليبية المتوسطة المكونة من ستة أفراد يمكن أن تتحصل، وفق مستويات الإنتاج والأسعار الحالية، على ما يقارب 3550 ديناراً شهرياً بين العلاوات القائمة والدعم النقدي البديل، بدلاً من استمرار ضياع الأموال في حلقات التهريب والهدر.
إن المعركة اليوم ليست بين مؤيد للدعم ومعارض للدعم.
نعم، قد يرتفع سعر لتر البنزين والنافتا إلى ما يقارب 6 دنانير للتر وفق الأسعار العالمية الحالية، وقد تتجاوز تكلفة الكهرباء ديناراً لكل كيلوواط ساعة، وقد ترتفع أجور النقل بنسبة تقارب 20% لمرة واحدة.
لكن أكبر الأكاذيب التي يتم ترويجها هي الادعاء بأن ذلك سيؤدي إلى انفجار تضخمي واسع؛ فوفق العديد من النماذج الاقتصادية، فإن الأثر التضخمي المباشر على المستوى العام للأسعار سيبقى محدوداً، ويمكن لأي اقتصادي إجراء محاكاة رقمية حقيقية لإثبات ذلك أو مناقشته بالأرقام.
المعركة الحقيقية هي بين من يريد أن يصل دعم الطاقة والمحروقات إلى المواطن مباشرة، ومن يريد أن يبقى الدعم موجهاً للسلعة ليستفيد منه المهربون والمضاربون والسارقون.
بين من يريد حماية الأسرة الليبية، ومن يريد حماية منظومة أثبتت فشلها لعقود، بين من يريد وقف نزيف المليارات، ومن يريد استمرار الوضع القائم لأنه يخدم مصالح المستفيدين منه.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدعم النقدي المباشر أكثر عدالة وشفافية وكفاءة من دعم الأسعار، كما أثبتت التجربة الليبية نفسها أن التحويلات النقدية المباشرة قابلة للتنفيذ وقادرة على الوصول إلى المواطنين.
ولهذا فإنني أؤكد مجدداً:
لن أتراجع عن المطالبة بتغيير آلية الدعم.
لن أتراجع عن المطالبة بوصول ثروة ليبيا إلى المواطن الليبي.
لن أتراجع عن المطالبة بإغلاق أكبر أبواب الهدر والفساد والتهريب في الاقتصاد الليبي.
وأتحدى أي اقتصادي يتبنى موقفاً مخالفاً أن يناقش هذا المقترح بالأرقام والبيانات والدراسات، لا بالشعارات والمخاوف غير المبررة؛ فالدفاع عن سلامة الاقتصاد والدفاع عن الفقير لا يكونان بالتمسك بمنظومة فاشلة، بل بإعطاء المواطن حقه مباشرة وتقديم بدائل قابلة للتنفيذ، وثروة ليبيا يجب أن تذهب إلى الليبيين، لا إلى المهربين والمضاربين وشبكات الاقتصاد الموازي.
والتاريخ لن يتذكر من دافع عن الفساد المقنّع باسم الدعم، بل سيتذكر من امتلك الشجاعة للمطالبة بالإصلاح عندما كان الآخرون يخشون قول الحقيقة.