“حسني بي”: الرفع الجزئي لسعر المحروقات لا يصلح الدعم بل يعيد إنتاج الأزمة ويزداد الفقير فقرًا

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
الرفع الجزئي لسعر المحروقات لا يصلح الدعم… بل قد يعيد إنتاج الأزمة بكلفة أعلى على الميزانية العامة مع تمويل نقدي وتضخم وارتفاع الفجوة السعرية للعملة.
وفي ضوء ما يتداول عن التوجه إلى رفع جزئي لأسعار المحروقات، أحذر من الوقوع في نصف إصلاح قد يجمع أسوأ ما في النظام الحالي مع كلفة اجتماعية إضافية على المواطن.
المشكلة في ليبيا ليست أن سعر الوقود 150 درهماً ويجب أن يصبح 500 أو 700 درهم أو 2 دينار. المشكلة أن السلعة تباع بسعر لا يزال بعيداً جداً عن تكلفتها وقيمتها الاقتصادية والتي تتخطى الآن 4.500 د.ل/ليتر، وتتخطى 1.500 د.ل لكيلوواط الكهرباء.
فإذا رفعنا السعر وبقي، مثلاً، دون 80% من التكلفة الحقيقية، فإننا لم نلغِ الحافز على التهريب أو السرقة أو الإفراط في الاستهلاك؛ بل صغّرنا الفجوة قليلاً وأبقينا أصل التشوه قائماً مع احتمالية 90% للفشل.
والأخطر أن يصاحب ذلك بديل نقدي جزئي بدلاً من كلي وآنٍ وللجميع.
عندها قد تتحمل الخزانة في الوقت نفسه:
- استمرار، بل نمو، جزء كبير من دعم سعر السلعة.
- مع دفع تحويلات نقدية جديدة ترهق الإنفاق العام.
- بينما يبقى التهريب والهدر والمضاربة قائمين بسبب استمرار الفجوة السعرية الواسعة.
وهذا قد يؤدي عملياً إلى زيادة الإنفاق العام بدلاً من تخفيضه.
موقفي واضح: أنا لا أدعو إلى مجرد رفع سعر المحروقات أو لدعم سعر المادة الذي ثبت فشله على مدى خمسة عقود، بل أدعو إلى استبدال الدعم السلعي كلياً وآنياً بدعم نقدي مباشر للمواطن (ندعم المواطن بدلاً من دعم السلعة)، مع انتقال سعري منظم ومعلن وتصحيح الهدف على مدى خمس سنوات.
والفرق جوهري.
الهدف من الإصلاح ليس أن تحصل الخزانة على بضعة دنانير إضافية عن كل لتر، بل أن نحقق مجموعة أهداف اقتصادية واجتماعية في وقت واحد:
- أولاً: حماية المواطن وإخراج شرائح من دائرة الفقر بدلاً من تحميلها مباشرة تكلفة سعر الطاقة.
- ثانياً: إعطاء المواطن حق تحديد أولوياته بنفسه. فمن لا يحتاج إلى استهلاك كميات كبيرة من الوقود لا ينبغي أن يحصل على دعم أقل من صاحب عدة سيارات أو من يستهلك أضعافه.
- ثالثاً: ترشيد الاستهلاك. عندما تعكس السلعة تكلفتها الاقتصادية يبدأ الفرد والمؤسسة في اتخاذ قرارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود والطاقة.
- رابعاً: تخفيض الكميات المستهلكة والمستوردة. وهذا يعني طلباً أقل على النقد الأجنبي وتوفيراً في الدولار ودعماً مباشراً لميزان المدفوعات.
- خامساً: خفض الإنفاق العام. فالتحويل النقدي يمكن تحديده مسبقاً بسقف معلوم، بينما دعم السلعة المفتوح يرتفع كلما ارتفع الاستهلاك أو التهريب.
- سادساً: ضرب اقتصاد التهريب في جذره.
إذا كان المهرب يحصل اليوم على سلعة مدعومة بجزء ضئيل من قيمتها ثم يبيعها خارج البلاد بالقيمة الاقتصادية، فإن الدولة هي التي تمول هامش ربحه.
أما عندما يدفع المهرب التكلفة الحقيقية للسلعة، فإن نقل الوقود عبر الحدود لا يعود نهباً للدعم العام؛ وإذا استمرت تجارة قانونية بعد ذلك فهي تصبح تجارة عادية يمكن تنظيمها وفرض الضرائب عليها بدلاً من أن تكون استنزافاً للاقتصاد الوطني.
وبحسب تقديراتنا، فإن الهدر والتهريب وسوء ترشيد استهلاك الغاز والطاقة والمحروقات قد يتجاوز 40% من الاستهلاك ذي الصلة. وبالتالي فإن أي إصلاح لا يغير الحافز الاقتصادي وراء هذه النسبة لن يكون إصلاحاً حقيقياً.
ولهذا أقول بوضوح:
- رفع السعر جزئياً مع استمرار معظم الدعم لن يوقف التهريب.
- والتعويض النقدي الجزئي مع استمرار الدعم السلعي قد يرفع كلفة الدولة.
- ورفع السعر دون تعويض كامل وعادل سيزيد الفقر ويضغط على القوة الشرائية.
هذه ليست الخيارات التي نحتاجها. نحتاج إلى استبدال حقيقي، لا ترقيع سعري.
الدولة تدفع للمواطن حقه نقداً أولاً، ثم تنتقل السلعة إلى سعرها الاقتصادي ضمن برنامج واضح، ويُلغى بذلك ريع التهريب والهدر والمضاربة.
أما أن نرفع السعر قليلاً ونبقي السلعة شديدة الدعم، ثم نضيف تعويضاً جزئياً، فإننا قد نحصل على النتيجة الأسوأ: مواطن يدفع أكثر، وخزانة تستمر في الدفع، ومهرب يستمر في الربح.
وهذا ليس إصلاحاً. إنه إعادة تسعير للفشل.
أضف آلية خطة تنفيذ واضحة تُحدَّد من خلالها قيمة التحويل النقدي على ألا تكون ثابتة، بل مرتبطة بالإنتاج وسعر برميل النفط وسعر MMBtu للغاز، حتى نعمل جميعاً لتحقيق أفضل مردود اقتصادي خاص وعام على مستوى الأسرة والمجتمع.



