كتب: الخبير النفطي “د.محمد الشحاتي”
يشتد الحديث هذه الأيام عن قضية دعم المحروقات في ظل بيئة متفككة إلى حد بعيد. وهناك ثلاثة فرق واضحة في هذه المسألة:
الفريق الأول يقول:
إن مسألة الدعم هي قضية اقتصادية كلية يجب أن تتم معالجتها ضمن نظام إصلاحي متكامل، مخطط له ومتدرج، يستهدف تحقيق التوازن و”أمن تزويد الطاقة” للمجتمع بكلفة مالية مقدور عليها. ويقود هذا الفريق نخبة من الأكاديميين الاقتصاديين. وهنا يستند الأكاديميون إلى المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد، بالإضافة إلى المدرسة السلوكية. فمن ناحية الاقتصاد الكلاسيكي، فإن معالجة الاستهلاك تخضع لنظام دقيق يتعلق بالمرونة السعرية ومرونة الدخل.
ومن المعروف أن الطلب على الوقود يكون منخفض المرونة السعرية، خصوصاً في الأجل القصير، كما أن دخول الأسر في الاقتصاد الليبي منخفضة نسبياً، الأمر الذي يجعل رفع سعر الوقود قادراً على التأثير في الدخل الحقيقي للمستهلك بدرجة أكبر من قدرته على خفض الاستهلاك فوراً. وهذا يعني أن أي رفع حاد لسعر الوقود قد يؤدي إلى انخفاض في “فائض المستهلك” وارتفاع في تكلفة المعيشة، من دون أن يقابله بالضرورة انخفاض متناسب في الاستهلاك.
ولذلك يركز هذا الفريق على أن المطلوب في هذه المرحلة هو تعديل السلوك الاستهلاكي بما يشجع على الإصلاحات السعرية بطريقة متدرجة، من خلال التوسع في النقل العام، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتحقيق توازن في التسعير بين أنواع المحروقات المختلفة، وتنويع مصادر الطاقة، وربما الاستعانة تدريجياً بالمصادر المتجددة حيثما كان ذلك اقتصادياً ممكناً.
الفريق الثاني يقول:
إن مسألة الدعم هي إهدار تاريخي للموارد، ويرى أن جزءاً كبيراً من الكميات المدعومة إما يذهب إلى التهريب، أو يتم هدره نتيجة الإفراط في استهلاكه باعتباره مصدراً منخفض التكلفة. ويرى أن الفارق الكبير بين السعر المحلي والسعر الحقيقي للوقود يخلق حافزاً لاستمرار هذا الهدر والتهريب، وأن استمرار هذه الفجوة إلى ما لا نهاية ليس سياسة اقتصادية مستدامة.
ولا يرى هذا الفريق مبررات كبيرة للتدرج في الإصلاح، لاعتقادهم بشيئين: الأول أن الوفر الذي سيتم تحقيقه من تغيير سعر المنتج النفطي المباع للمستهلك يجب أن يذهب إلى المواطن في صورة دعم نقدي، بما يضمن استفادة حتى من لا يستهلك الوقود مباشرة؛ والثاني أن ارتفاع سعر الوقود سيجبر المستهلك على ترشيد استهلاكه، وبذلك سيتم تخفيض الكميات المستهلكة.
الفريق الثالث يقول:
إن مسألة الدعم تتعلق أساساً بالعجز المالي الحكومي، حيث إن الإنفاق الحكومي تضاعف إلى حدود أصبح معها اقتطاع قيمة المحروقات من الميزانية الحكومية سبباً في زيادة عجز الإنفاق. وفي هذا الصدد، فإن الحكومة مطالبة بإلغاء الدعم أو تخفيضه من خلال رفع سعر الوقود، لإعادة توجيه الوفر الذي سيحصل إلى أوجه إنفاق أخرى في الإعمار والخدمات التعليمية والصحية، وهذا التوجه هو ما حصل سابقاً في عملية إلغاء الدعم على المواد التموينية.
وبينما لكل فريق قاعدة معلومات وإحصائيات منفصلة يستعملها للتدليل على صحة موقفه، فإنه يجب الوصول مجتمعياً إلى أرضية مشتركة لحل هذه المعضلة العملية. وهذه الأرضية يجب أن تُبنى على تطوير القواسم المشتركة بينها ومعالجة الاختلافات الجذرية التي تؤخر العملية الإصلاحية.
القواسم المشتركة بين الفرق الثلاثة:
- أولاً: هناك اعتراف بين الفرق الثلاثة بالأثر السلبي للعبء المالي لدعم المحروقات على الاقتصاد الكلي، ولكن هناك خلاف في توقيت بدء تفعيل حزمة الإصلاحات للتخفيف من هذا العبء.
- ثانياً: هناك توافق على أن “أمن تزويد الطاقة” هو شرط لأي ترتيبات إصلاحية، ضمن حدود توفير تكلفة مقدور عليها لمستهلك الطاقة، ولكن يكمن الخلاف حول مدى هذه الحدود وكيفية تحديدها.
- ثالثاً: هناك ميل للربط بين الاستقرار السياسي والأمان الاجتماعي اللذين ينتجان عن سوق طاقة مستقر ومصادر آمنة للتزويد، ولكن هناك خلاف على قدرة السلطة السياسية على فرض الاستقرار الاجتماعي في حال إحداث أي تغييرات على آليات وتكلفة التزود بالطاقة.
نحو مواءمة نظرية بين الفرق الثلاثة
إذا كان من الممكن الاتفاق على هذه القواسم المشتركة، فإن الخطوة التالية لا ينبغي أن تكون البحث عن انتصار فريق على آخر، وإنما عن صيغة تستوعب ما هو صحيح في كل رؤية، وتستبعد ما فيها من اختزال للمشكلة. فالخلاف الحقيقي ليس حول وجود مشكلة في دعم المحروقات، وإنما حول طبيعة المشكلة وترتيب معالجتها وتوقيت الإصلاح. ومن هنا يمكن بناء صيغة مواءمة بين الفرق الثلاثة.
الفريق الثاني محق في أن الفارق الكبير بين السعر المحلي والسعر الحقيقي للوقود يخلق حوافز قوية للتهريب والإفراط في الاستهلاك، وأن استمرار هذه الفجوة إلى ما لا نهاية ليس سياسة اقتصادية مستدامة. كما أن المواطن الذي لا يستهلك كميات كبيرة من الوقود ليس من المنطقي أن يتحمل، بصورة غير مباشرة، تكلفة دعم يستفيد منه مستهلكون أكثر منه. لكن هذا الاستنتاج لا يعني بالضرورة أن رفع السعر هو نقطة البداية الوحيدة. فالسعر ليس مجرد رقم في فاتورة الوقود، بل هو إشارة اقتصادية تنتقل آثارها إلى النقل، وأسعار السلع، والخدمات، وتكلفة الإنتاج، وربما إلى المستوى العام للأسعار. ولذلك فإن افتراض أن رفع السعر سيؤدي تلقائياً وبالسرعة نفسها إلى ترشيد الاستهلاك يتجاهل سؤالاً أكثر أهمية: هل توجد في الاقتصاد الليبي البدائل التي تمكن المستهلك من الاستجابة لهذا السعر؟ فإذا لم توجد وسائل نقل عام كافية، وإذا كانت المدن الليبية مصممة أساساً حول استخدام السيارة الخاصة، وإذا كان الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري، فإن رفع سعر الوقود قد يخفض بعض الاستهلاك، ولكنه قد يفعل ذلك جزئياً من خلال رفع تكلفة المعيشة والإنتاج، وليس فقط من خلال تحسين الكفاءة الاقتصادية. وهذا ما يعنيه انخفاض مرونة الطلب السعرية، خصوصاً في الأجل القصير: أن المستهلك لا يستطيع بسهولة التخلي عن السلعة أو استبدالها عندما يرتفع سعرها، فيتحمل جزءاً كبيراً من الزيادة قبل أن يستطيع تغيير سلوكه. ولذلك فإن المشكلة ليست في مبدأ رفع السعر، وإنما في توقيت الرفع وتسلسله والبدائل التي تسبقه أو ترافقه. وهنا تظهر قوة موقف الفريق الأول.
أما الفريق الثالث فهو محق أيضاً في النظر إلى المسألة من زاوية المالية العامة. فالدعم الذي يستنزف موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى الصحة والتعليم والبنية التحتية يمثل تكلفة فرصة حقيقية. ولا يمكن للاقتصاد أن يستمر في تخصيص موارد ضخمة لدعم سلعة على حساب وظائف حكومية أخرى. لكن المشكلة في جعل العجز المالي هو نقطة الانطلاق الوحيدة للإصلاح هي أن ذلك قد يحول إصلاح دعم المحروقات إلى عملية مالية قصيرة الأجل: نرفع الأسعار، نوفر أموالاً في الميزانية، ثم نعتبر أن المشكلة انتهت. والواقع أن المشكلة لن تكون قد انتهت، بل على الأرجح بدأت بشكل مختلف. فإذا لم يتغير نمط الاستهلاك، ولم تتم معالجة التهريب، ولم تتوفر بدائل للنقل، ولم يتم إصلاح شبكة توزيع الوقود، ولم تتحسن كفاءة قطاع الكهرباء والطاقة، فإن جزءاً من الوفر المالي قد يعود في صورة أعباء اقتصادية واجتماعية جديدة، وقد تضطر الدولة لاحقاً إلى تقديم دعم آخر بصورة مختلفة. لذلك فإن الوفر المالي يجب أن يكون نتيجة من نتائج الإصلاح، وليس الهدف الوحيد منه. كما أن هناك خطراً حقيقياً في أن يتحول الوفر الناتج عن رفع أسعار الوقود إلى مورد إضافي لتغطية العجز الحكومي، ما لم تُنشأ مسبقاً آليات واضحة وشفافة لتخصيص جزء منه للأهداف التي يقال للمواطن إنه سيدفع من أجلها.
نحو مواءمة عملية للااختلافات: أين تلتقي الفرق الثلاثة؟
يمكن، في تقديري، بناء تسوية عملية بينها تقوم على أربع قواعد:
- القاعدة الأولى: أن الإصلاح مطلوب فعلاً. ليس منطقياً الدفاع عن استمرار الوضع الحالي باعتباره نظاماً دائماً. فوجود دعم كبير ومفتوح وغير مرتبط بمنظومة واضحة للكميات والأسعار والكفاءة يخلق تشوهات اقتصادية ويستنزف الموارد العامة، كما يفتح الباب أمام التهريب والهدر.
- القاعدة الثانية: أن الإصلاح لا يعني بالضرورة الصدمة السعرية. فهناك فرق جوهري بين القول إن الدعم يجب أن يُصلح، وبين القول إن سعر الوقود يجب أن يُرفع فوراً إلى مستوى معين. الأول يمكن الاتفاق عليه، أما الثاني فهو قرار يحتاج إلى دراسة مسبقة لآثاره الاقتصادية والاجتماعية وقدرة المجتمع على استيعابه. فالهدف ليس منع السعر من الارتفاع إلى الأبد، وإنما استخدام السعر في الوقت المناسب كأداة لتغيير السلوك وتحقيق الكفاءة.
- القاعدة الثالثة: أن أي وفر مالي يتحقق من الإصلاح يجب أن تكون له وجهة معلنة. فإذا رفعت الدولة سعر الوقود وقالت للمواطن إن الأموال التيوفرتها ستذهب إلى تحسين الصحة والتعليم والنقل والكهرباء والبنية التحتية، أو إلى التحويل النقدي المباشر، فعليها أن تكون قادرة على إثبات ذلك. وإلا فإن المواطن لن يرى في الإصلاح سوى زيادة في تكاليف حياته، بينما تختفي الأموال في بنود الإنفاق العام الأخرى. ومن هنا فإن مسألة الثقة في الحكومة باعتبارها مديراً للمال العام لا تقل أهمية عن الحسابات الاقتصادية نفسها. ولذلك فإن أي نظام لتحويل جزء من الوفر إلى المواطنين يجب أن يقوم على قاعدة بيانات دقيقة وديناميكية، ومعايير واضحة للاستحقاق، وآليات مراجعة تمنع التلاعب أو استخدام التحويلات لأغراض سياسية.
- القاعدة الرابعة، وهي الأهم: أن الإصلاح يجب أن يكون برنامجاً متكاملاً وليس قراراً منفرداً برفع الأسعار. وهنا تحديداً تقترب الفرق الثلاثة من بعضها، ويصبح موقف الفريق الأول أكثر اتساقاً من الناحية الاقتصادية، لأنه لا ينكر مشكلة الهدر التي يطرحها الفريق الثاني، ولا يتجاهل مشكلة المالية العامة التي يطرحها الفريق الثالث، ولكنه يضع القضيتين داخل إطار إصلاحي أوسع.
الإصلاح يبدأ من الخطة لا من السعر
المطلوب ليس أن تختار الدولة بين استمرار الدعم أو إلغائه، وإنما أن تنتقل من نظام دعم مفتوح وغير منضبط إلى نظام طاقة مخطط له. وهذا يتطلب أولاً معرفة ما الذي نريد الوصول إليه. كم يجب أن يستهلك الاقتصاد الليبي من البنزين والديزل؟ وما هي الكمية اللازمة فعلاً للنقل والإنتاج؟ وما هو الجزء الذي يذهب إلى التهريب؟ وما هو الجزء الذي ينتج عن انخفاض السعر؟ وما هي تكلفة الدعم الحقيقية؟ ومن المستفيد منه؟ وما هي تكلفة البدائل؟
وهنا يجب ألا نتعامل مع “دعم المحروقات” باعتباره كتلة واحدة. فالبنزين ليس كالديزل، والديزل ليس كوقود الطائرات، والغاز المستخدم في الطهي ليس كالوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء. لكل منتج طبيعة مختلفة من حيث المستخدمون، ومرونة الطلب عليه، وتأثيره في تكاليف الإنتاج والنقل، وبالتالي يجب أن يكون الإصلاح قائماً على تفكيك منظومة الدعم إلى مكوناتها وقياس آثار إصلاح كل مكون على حدة، بدلاً من تطبيق زيادة سعرية موحدة على جميع المنتجات.
ثم تأتي بعد ذلك مسألة الأسعار. يمكن، مثلاً، أن تبدأ الدولة بإعادة هيكلة أسعار المحروقات بصورة تدريجية ومتوقعة مسبقاً، بحيث يعرف المواطن والقطاع الخاص المسار الذي ستسلكه الأسعار خلال عدة سنوات، بدلاً من أن يستيقظ السوق على قرار مفاجئ. وفي الوقت نفسه يتم العمل على توسيع النقل العام، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتشديد الرقابة على منافذ التهريب، وإعادة تنظيم توزيع المحروقات، وربط الأسعار بصورة أكثر عقلانية بين أنواع الوقود المختلفة، وتحسين كفاءة قطاع الكهرباء، ودراسة الانتقال التدريجي نحو مصادر طاقة أكثر كفاءة وأقل اعتماداً على الوقود السائل، حيثما كان ذلك اقتصادياً ممكناً. وعندها يصبح ارتفاع السعر جزءاً من عملية تغيير السلوك وليس مجرد أداة لزيادة إيرادات الدولة.
ماذا عن الدعم النقدي؟
هنا أيضاً ينبغي الحذر من تقديم الدعم النقدي باعتباره بديلاً بسيطاً لدعم المحروقات. فالدعم النقدي، نظرياً، قد يكون أكثر عدالة من الدعم السلعي إذا صُمم بصورة صحيحة، لكنه لا يحل وحده مشكلة ارتفاع تكلفة الطاقة على الاقتصاد. كما أن تحديد قيمة الدعم النقدي وآلية استحقاقه ومراجعته دورياً مسائل تحتاج إلى نظام بيانات اجتماعية ومالية قادر على الوصول إلى المستحقين فعلاً. ولذلك يمكن أن يكون الدعم النقدي أحد مكونات النظام الجديد، وليس بالضرورة مجرد إجراء مؤقت. فقد يكون من المنطقي أن تتحول الدولة تدريجياً من دعم السلعة إلى دعم الفئات المستحقة، ولكن نجاح ذلك يتوقف على وجود نظام موثوق لتحديد المستحقين، وعلى قدرة التحويلات على الحفاظ على قوتها الشرائية، وعلى وجود آلية واضحة لمراجعتها مع تغير الأسعار والدخول. فالهدف في النهاية ليس نقل الدعم من محطة الوقود إلى الحساب المصرفي للمواطن فقط، وإنما بناء سوق طاقة أكثر كفاءة مع حماية الفئات التي لا تستطيع تحمل تكلفة الانتقال.
المشكلة السياسية أهم من المشكلة الحسابية
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في المسألة. الإصلاح التدريجي لا يعني الإصلاح المتردد. هناك فرق كبير بين أن تقول الدولة: “سنرفع الأسعار عندما تسمح الظروف”، وبين أن تقول: “لدينا برنامج إصلاح يمتد لعدة سنوات، وهذه أهدافه ومراحله وتكاليفه، وسننفذه وفق جدول واضح”. الأول يعني تأجيل المشكلة، أما الثاني فيعني إدارة المشكلة. ولهذا فإن نجاح أي برنامج لإصلاح دعم المحروقات في ليبيا يحتاج إلى قيادة سياسية حازمة تمتلك القدرة على تنفيذ برنامج معلن ومتدرج، وليس إلى قرار إداري منفرد برفع الأسعار. فالبرنامج يجب أن يحدد منذ البداية ما الذي سيتم إصلاحه، ومتى، وبأي ترتيب، وما الذي سيحصل عليه المواطن مقابل تحمله تكلفة الإصلاح، وكيف سيتم قياس النتائج، ومن المسؤول عن التنفيذ، وكيف سيتم استخدام الوفر المالي الناتج عن الإصلاح. والأهم أن تكون هناك قدرة سياسية على مقاومة العودة إلى النظام القديم كلما ظهرت أولى الصعوبات. فالحزم السياسي لا يعني فقط القدرة على اتخاذ قرار رفع الأسعار، وإنما يعني أيضاً القدرة على الالتزام بخطة الإصلاح، والشفافية في عرض نتائجها، ومنع استخدام الدعم أو التحويلات النقدية كأداة للمساومات السياسية.
لا نحتاج إلى اختيار فريق وهزيمة فريق
في النهاية، لا أعتقد أن الحل يكمن في أن ينتصر الفريق الأول على الثاني أو الثالث. الفريق الثاني يقدم لنا التحذير من الهدر والتهريب والتشوهات السعرية، والفريق الثالث يذكرنا بأن الدولة لا تستطيع أن تنفق مواردها بلا حدود، وأن تكلفة الدعم لها انعكاس مباشر على المالية العامة. أما الفريق الأول فيقدم الإطار الذي يمكن أن يجمع هذين البعدين داخل سياسة اقتصادية متكاملة: الإصلاح يجب أن يحدث، ولكن ضمن خطة؛ والأسعار يجب أن تتغير، ولكن بالتدرج؛ والدعم يجب أن ينخفض، ولكن مع حماية اجتماعية؛ والوفر المالي يجب أن يتحقق، ولكن مع توجيهه إلى استخدامات أكثر إنتاجية؛ والاستهلاك يجب أن ينخفض، ولكن من خلال تغيير الخيارات المتاحة للمستهلك وليس فقط فرض تكلفة أعلى عليه.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل نلغي دعم المحروقات أم لا؟ بل: كيف ننتقل من نظام دعم غير مستدام إلى نظام طاقة مستدام دون أن نحول الإصلاح الاقتصادي نفسه إلى أزمة اجتماعية؟ وهنا يصبح موقف الفريق الأول، في تقديري، هو الأقرب إلى المنطق الاقتصادي، ليس لأنه يرفض الإصلاح، وإنما لأنه يفهم أن الإصلاح الناجح ليس قراراً برفع السعر، بل عملية لإعادة تشكيل سلوك الاقتصاد والمستهلك والدولة في آن واحد.
وليست المسألة في النهاية اختياراً بين “الدعم” و”رفع الأسعار”، وإنما اختيار بين إصلاح مخطط وإصلاح ارتجالي. رفع السعر قد يكون ضرورياً، وربما لا يمكن تجنبه على المدى الطويل، لكنه لا يصبح إصلاحاً اقتصادياً لمجرد أنه خفض قيمة الدعم في الميزانية. الإصلاح الحقيقي هو الذي يجعل الاقتصاد أقل اعتماداً على الدعم، والمستهلك أكثر قدرة على الاستجابة للأسعار، والدولة أكثر كفاءة في إدارة مواردها، والفئات الأقل دخلاً أكثر حماية، وسوق الطاقة أكثر أمناً واستقراراً.
وليبيا لا تحتاج في هذه المرحلة إلى قرار مفاجئ بقدر ما تحتاج إلى خطة واضحة، وجدول زمني معلن، وقيادة سياسية حازمة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ. فالخطر الحقيقي ليس في أن يتأخر إصلاح الدعم قليلاً، وإنما في أن تبدأ الدولة الإصلاح من دون أن تعرف إلى أين تريد الوصول، فتدفع المجتمع إلى تحمل تكلفة الإصلاح قبل أن توفر له أدوات الاستجابة له. وعندها قد يتحول إصلاح دعم المحروقات من إصلاح اقتصادي ضروري إلى أزمة اقتصادية واجتماعية جديدة. أما الإصلاح التدريجي المخطط، فهو لا يعني حماية الوضع القائم، بل يعني أن نمتلك الشجاعة الكافية لتغييره دون أن نهدم معه ما تبقى من قدرة الاقتصاد والمجتمع على الاحتمال.




