“حسني بي”: الأزمة الاقتصادية في ليبيا ليست ظواهر منفصلة بل نتيجة نظام حوافز مشوه ومعالجة أعراض الأزمة دون جذورها يُعيد إنتاجها بأسماء مختلفة

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
الاقتصاد الليبي يعاني من مظاهر كثيرة: تضخم، اختلال سعر الصرف، ضعف الخدمات، تهريب، هدر، بطالة، واعتماد واسع على الدولة.. لكنني أختلف مع الكثير من النخب في نقطة المنهج: لا يكفي أن نصف الظواهر ولا نذهب لمعالجة المصادر؛ يجب أن نحدد المنظومة والسياسات التي تنتجها باستمرار (عجز ميزانية عامة، تمويل بالعجز، سعر إداري للعملة، فجوة سعرية، تزايد الطلب على الدولار، المضاربة والتضخم) حلقة مفرغة تتكرر منذ عام 1982.
في رأيي، أصل المشكلة أن قطاعات تمثل الجزء الأكبر من الاقتصاد الليبي تُدار بمنطق مراكز الإنفاق لا بمنطق الكلفة والعائد والإنتاجية. النفط والغاز والطاقة والكهرباء قطاعات ضخمة، ومع ذلك لا نملك في الممارسة العامة دائماً حساباً واضحاً لتكلفة الوحدة، والعائد على رأس المال، والاستهلاك، وكلفة الأموال، والخسائر الفنية والتجارية، ومؤشرات أداء قابلة للمقارنة. وحين تغيب هذه المعايير، يصبح من الصعب جداً التمييز بين دعم حقيقي للاقتصاد وبين هدر مستمر للثروة.
وهنا أيضاً تظهر مشكلة الإنفاق العام. إذا كانت الطاقة والمحروقات تستحوذ، وفق بعض التقديرات الواسعة، على حصة ضخمة من الإنفاق، والمرتبات على حصة كبيرة أخرى، فإن التركيز على نتائج مثل التهريب أو ارتفاع الأسعار أو المضاربة دون إعادة هيكلة هذين البندين يبقينا داخل الدائرة نفسها.
دعم السعر في الوقود والطاقة يخلق فجوة بين القيمة الاقتصادية والسعر المحلي، وهذه الفجوة نفسها تصبح حافزاً للهدر والتهريب والاتجار بالريع. والوظيفة العامة غير المرتبطة بالإنتاجية تحول الأجر في جزء منه إلى أداة توزيع ريع بدلاً من أن يكون مقابلاً لقيمة مضافة.
لذلك لا أرى أن الحل يبدأ بمزيد من الرقابة وحدها أو بملاحقة السلوك الناتج عن التشوه. يبدأ بتغيير قواعد اللعبة: قياس الكلفة، قياس العائد، ربط التمويل بالأداء، تحويل دعم السلعة إلى دعم المواطن، وربط الأجور بالإنتاجية والوظيفة الحقيقية.
والأمر نفسه ينطبق على العملة. من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح الاعتقاد بأن حجم الاحتياطيات وحده دليل على قوة الدينار. الاحتياطيات مهمة جداً، لكنها ليست مرادفاً لقوة العملة. يمكن أن تمتلك دولة احتياطيات كبيرة وفي الوقت نفسه تتوسع فيها السيولة والإنفاق والعجز، فتظهر النتيجة في التضخم وفجوة سعر الصرف وتراجع القوة الشرائية.
قوة العملة واستدامتها تأتي من الانضباط المالي، والإنتاجية، والثقة، والتوازن بين عرض الدينار والطلب على النقد الأجنبي، لا من مجرد وجود رقم كبير في جانب الأصول الأجنبية للمصرف المركزي.
ولهذا فإن ما نحتاجه ليس معالجة منفصلة لكل ظاهرة، بل إعادة تصميم المنظومة نفسها: النفط والطاقة كمراكز قيمة لا كمراكز إنفاق، والموازنة على أساس النتائج لا التخصيصات فقط، والدعم للمواطن لا للسعر، والأجور مقابل وظيفة وإنتاجية، وسعر صرف قريب من التوازن لا سعر إداري يصنع الريع.
الخلاصة عندي أن التهريب، والفجوة، والهدر، وضعف الإنتاجية ليست أمراضاً منفصلة؛ هي في جانب كبير منها أعراض لنظام حوافز مشوه. وإذا بقينا نعالج العرض ونترك المصدر، سنعيد إنتاج الأزمة مهما تغيرت الأسماء والسياسات الجزئية.



