Skip to main content
|

“الشلوي”: دعوة اليونان للتفاوض حول الحدود البحرية تستوجب رؤية ليبية موحدة تحمي الحقوق السيادية والاقتصادية

تتصاعد التطورات في ملف الحدود البحرية بالبحر المتوسط بعد اعتماد البرلمان الليبي للاتفاقية البحرية مع تركيا، حيث جددت اليونان دعواتها لإطلاق مفاوضات مباشرة مع ليبيا بشأن ترسيم المناطق البحرية، الأمر الذي يطرح التساؤل حول كيفية تعاطي الدولة الليبية مع هذه الدعوات بما يضمن حماية مقدراتها وثرواتها البحرية للأجيال القادمة.

وللحديث أكثر عن ذلك، توجهنا بالسؤال إلى الخبير النفطي والاقتصادي د. عبد المنصف الشلوي، والذي أمدنا بهذا التصريح:

أرى أن تجديد اليونان دعوتها إلى إطلاق مفاوضات مباشرة مع ليبيا بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط يمثل تطوراً مهماً يستوجب التعامل معه بقدر عالٍ من المسؤولية الوطنية والواقعية السياسية والفنية، بعيداً عن ردود الفعل الآنية أو التعامل مع الملف باعتباره مجرد خلاف دبلوماسي بين دولتين متجاورتين.

فالمسألة، من منظور اقتصادي ونفطي، تتجاوز تحديد خطوط جغرافية على الخرائط؛ إذ ترتبط بحقوق السيادة على المناطق البحرية، وما قد تختزنه من موارد هيدروكربونية، فضلاً عن حقوق الاستكشاف والتطوير والاستثمار، وما يمكن أن تمثله هذه المناطق من قيمة اقتصادية واستراتيجية للأجيال القادمة.

ومن المهم التأكيد أن ليبيا ليست أمام خيار بين التفاوض أو التمسك بحقوقها، فالتفاوض في حد ذاته أداة مشروعة لحماية هذه الحقوق وتثبيتها، شريطة أن يستند إلى قاعدة واضحة من الندية، والمرجعيات القانونية، والدراسات الفنية والهيدروغرافية، وأن ينطلق من المصالح الوطنية الليبية، لا من افتراضات أو خطوط أحادية سبق أن تبناها أي طرف.

وفي هذا السياق، فإن التعامل مع الموقف اليوناني يستوجب التوقف عند جملة من المسائل الفنية والقانونية، من بينها أثر الجزر في عملية الترسيم، ومبدأ التناسب والإنصاف، وطبيعة السواحل المتقابلة، وكذلك تداعيات اتفاقية الترسيم البحري اليونانية الإيطالية، وما يرتبط بها من إحداثيات ونقطة الالتقاء رقم (16)، التي تمثل إحدى المسائل التي ينبغي أن تحظى باهتمام خاص في أي دراسة ليبية متكاملة.

كما أعتقد أنه من الضروري ألا تتعامل ليبيا مع هذا الملف بمعزل عن بقية ملفات حدودها البحرية في المتوسط، سواء مع اليونان أو إيطاليا أو مالطا أو مصر أو تونس، وأن تنظر إليها ضمن تصور وطني شامل يضمن الاتساق القانوني والفني بين مختلف الحدود البحرية، ويمنع نشوء تعارضات قد تؤثر في الموقف الليبي مستقبلاً.

أما التوصية الأساسية، فهي ضرورة تشكيل فريق وطني متخصص وموحد لإدارة ملف الترسيم البحري، يضم خبراء القانون الدولي للبحار، والهيدروغرافيا، والجيولوجيا البحرية، والاقتصاد والطاقة، ومؤسسة النفط والجهات السيادية ذات العلاقة، مع ضمان المشاركة والتوافق الوطني بين مختلف المؤسسات الليبية. وأن تكون لهذا الفريق ولاية واضحة لإعداد قاعدة بيانات وطنية للإحداثيات والحقوق البحرية، ومراجعة الخرائط والاتفاقيات والمذكرات ذات الصلة، وتحديد المصالح الاقتصادية والموارد المحتملة في المناطق محل التداخل.

وأرى كذلك أن من الضروري الفصل بين حق ليبيا في التفاوض المباشر مع اليونان وبين أي تفاهمات أو اتفاقيات أخرى أبرمتها ليبيا مع دول الجوار؛ فلكل مسار طبيعته القانونية والسياسية، لكن جميعها يجب أن تلتقي عند هدف واحد، وهو حماية الحقوق البحرية الليبية وعدم الانتقاص منها.

ولا ينبغي أن نغفل أن استمرار منح تراخيص الاستكشاف أو المضي في أنشطة استثمارية داخل مناطق بحرية لم يُحسم ترسيمها قد يخلق وقائع عملية واقتصادية يصعب التعامل معها لاحقاً، ولذلك فإن حماية الحقوق الليبية تتطلب تحركاً دبلوماسياً وفنياً متوازناً، بالتوازي مع المفاوضات، ودون التفريط في الخيارات القانونية المتاحة.

خلاصة القول: إن المطلوب من ليبيا اليوم ليس مجرد الاستجابة لدعوة تفاوضية، وإنما الدخول إلى هذا المسار بعقلية الدولة التي تعرف حدود مصالحها، وتمتلك أدوات الدفاع عنها، وتدرك أن الثروة البحرية ليست مورداً اقتصادياً فحسب، بل جزء أصيل من سيادتها وحقوق أجيالها القادمة.

  • عدم الذهاب إلى المفاوضات من نقطة الصفر: لدى ليبيا مواقف وإيداعات ومذكرات سابقة لدى الأمم المتحدة، وينبغي أن تكون أساساً للمراجعة والبناء، لا أن تبدأ الدولة من فراغ.
  • عدم التسليم بخط 4001/2011 اليوناني: وهو الخط الذي اعتمدته اليونان في تشريعاتها المتعلقة بتحديد حدودها البحرية في غياب اتفاق ثنائي. ينبغي ألا يتحول إلى نقطة انطلاق مفترضة وملزمة لليبيا.
  • عدم اختزال الملف في مذكرة ليبيا وتركيا لعام 2019: يجب الدفاع عن الحقوق الليبية في التفاوض مع اليونان على أساس مستقل ومتكامل، مع الحفاظ على الاتفاقيات والمصالح الليبية الأخرى.
  • إدخال البعد النفطي في صلب المفاوضات: لا يكفي أن يشارك القانونيون والدبلوماسيون؛ بل لا بد من خبراء النفط والغاز والجيولوجيا البحرية وتقييم الموارد المحتملة، حتى لا تتحول التسوية الحدودية إلى خسارة اقتصادية غير محسوبة.

وهذه النقاط تكتسب أهمية إضافية في ظل اعتراض اليونان الرسمي على قرار مجلس النواب بشأن المذكرة الليبية التركية، وتمسكها بتفسيرها الخاص لقانون البحار وحقوق الجزر.

توصية إضافية أرى أنها مهمة جداً:

أقترح أن يكون هناك مسار وطني فني موازٍ للمسار الدبلوماسي، وأن تُدرس إمكانية الاستعانة بخبرات دولية متخصصة في ترسيم الحدود البحرية، مع الاحتفاظ بالقرار والتفاوض والمرجعية الوطنية الليبية.

كما ينبغي ألا يُترك الملف لتجاذبات الحكومات أو الانقسامات المؤسسية؛ فالحدود البحرية والحقوق المرتبطة بها ملك للدولة الليبية، وليست ملكاً لحكومة أو مرحلة سياسية بعينها.

مشاركة الخبر