“اسميو”: بين فزاعات المطالبين بالكمال وواقع الوطن.. تأجيل استبدال الدعم مخاطرة بحق الأمن الاقتصادي
كتب : رجل الأعمال “عبدالحميد اسميو”
كلما اقتربنا من حسم ملف استبدال الدعم وتحرير الاقتصاد الليبي من تشوهاته، يخرج علينا البعض بذات الأطروحات المستهلكة منذ ثمانينيات القرن الماضي مطالبين بالتريث وواضعين شروطاً تعجيزية.
يرى هؤلاء المطالبون بالكمال أنه يجب أولاً إصلاح مؤسسات الدولة كاملة، وتأمين الحدود المطلق، وبناء شبكات نقل عمومية مثالية قبل اتخاذ أي خطوة في ملف الدعم. وهذه الأطروحات، في ظاهرها حرص ونظريات أكاديمية، لكنها في الواقع تفصل النظرية عن الواقع المعاش وتؤجل الإصلاح إلى ما لا نهاية.
إن هذا الفكر يقع في مغالطة وضع العربة أمام الحصان؛ فهو يتجاهل أن منظومة الدعم العيني الحالية هي العائق الأساسي والأول الذي يمنع الدولة من بناء بنية تحتية قوية. الدعم العيني اليوم هو نزيف مستمر يلتهم ميزانية الوطن ليذهب في النهاية إلى جيوب المهربين وشبكات الجريمة المنظمة، بدلاً من أن يذهب لتنمية البلاد.
والخطورة الأكبر التي يغفل عنها المطالبون بتأجيل الحلول حتى اكتمال الشروط هي البعد الجيوسياسي؛ فالإبقاء على الدعم العيني بصورته الحالية يعني ببساطة تقديم وقود وسلع شبه مجانية تستغلها شبكات التهريب الدولية لتخفيض تكلفتها اللوجستية إلى الصفر، ومضاعفة أرباحها على حساب قوت المواطن الليبي.
إن استبدال الدعم العيني وتحويله فوراً إلى دعم نقدي (كاش) في جيب المواطن ليس مجرد إجراء حسابي لتوفير الأموال، بل هو خطوة استراتيجية حتمية لتجفيف منابع تمويل الجريمة المنظمة، ورفع تكلفة اختراق حدودنا، وإعادة الثروة لأصحابها الحقيقيين.
الاقتصاد لا يدار بانتظار حلول كاملة في واقع معقد، بل بقرارات شجاعة ومرحلية تحمي أمن الوطن وقوت يوم المواطن.