Skip to main content

الوسم: المؤسسة الوطنية للنفط

“شكشك وسليمان” يبحثان أزمة ميزانية قطاع النفط وآليات تسوية الالتزامات المالية للمؤسسة

ناقش رئيس ديوان المحاسبة “خالد شكشك” خلال اجتماعه اليوم الأحد مع رئيسَ المؤسسة الوطنية للنفط “مسعود سليمان”، جملة من الملفات الحيوية والمالية المرتبطة بقطاع الطاقة، وعلى رأسها أزمة ميزانية قطاع النفط وآليات تسوية الالتزامات المالية للمؤسسة.

وتم خلال الاجتماع استعراض تداعيات تأخر تسييل مخصصات ميزانية قطاع النفط وأثرها المباشر على استقرار عمليات الإنتاج والتشغيل، حيث شدد “شكشك وسليمان” على ضرورة الإسراع في تسييل الأموال بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لضمان استمرارية خطط زيادة معدلات الإنتاج والمحافظة على استقرار المنشآت، كما تناول الاجتماع مراجعة التراكم الملحوظ في حجم الالتزامات المالية القائمة على مؤسسة النفط والشركات التابعة لها، والاتفاق على وضع آلية لمراجعتها وتسويتها، بما يضمن الوفاء بالتعهدات التعاقدية والتشغيلية ويسهم في رفع كفاءة الأداء المالي للقطاع.

وبحث رئيس الديوان مع رئيس المؤسسة كذلك سير العمل في المشروعات الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها مشروعات حقليْ “الظهرة والغاني”، مطلعين على نسب الإنجاز والتحديات اللوجستية والفنية المعرقلة لتنفيذها، وذلك بالتوازي مع استعراض المؤشرات الإيجابية المتمثلة في نمو حجم الإيرادات النفطية المحققة خلال شهري أبريل ومايو الجاري.

“الشلوي”: هل حان وقت مراجعة نمط التعاقد النفطي في ليبيا؟.. قراءة في مستقبل عقود الاستكشاف والإنتاج

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

منذ اكتشاف النفط في ليبيا أواخر خمسينيات القرن الماضي، ظل القطاع النفطي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومصدر القوة المالية والسيادية للدولة الليبية. وعلى الرغم من التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي مرت بها البلاد، بقيت المؤسسة الوطنية للنفط إحدى المؤسسات القليلة التي حافظت – بدرجات متفاوتة – على قدر من المهنية والاستمرارية الفنية والتشغيلية.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة ليس فقط: كيف نرفع الإنتاج؟ بل أيضاً:
هل ما يزال الإطار التعاقدي الحالي، المعروف بعقود EPSA بصيغتها الأخيرة، قادراً على مواكبة التحولات العالمية والإقليمية؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر فيه بصورة شاملة ومتوازنة تحفظ سيادة الدولة وتجذب الاستثمار في آن واحد؟

أولاً: ما هي أنماط التعاقد النفطية المعروفة عالمياً؟

صناعة النفط عالمياً تعتمد على عدة نماذج تعاقدية بين الدول المالكة للموارد والشركات النفطية العالمية، أهمها:

نظام الامتيازات التقليدية (Concession Agreements)
وهو النموذج الأقدم، حيث تمنح الدولة شركة أجنبية حق الاستكشاف والإنتاج مقابل ضرائب وإتاوات ورسوم.
هذا النموذج كان شائعاً قبل موجة التأميمات في الستينيات والسبعينيات، وكان يُنظر إليه في كثير من الدول المنتجة على أنه يمنح الشركات الأجنبية نفوذاً واسعاً على الموارد الوطنية.

عقود المشاركة في الإنتاج (Production Sharing Agreements – PSA)
وهو النموذج الأكثر انتشاراً اليوم، خاصة في الدول النامية والمنتجة حديثاً.
فيه تتحمل الشركة الأجنبية مخاطر الاستكشاف والتمويل، وعند الاكتشاف يتم استرداد التكاليف من جزء من الإنتاج، ثم يتم تقاسم الأرباح بين الدولة والشركة وفق نسب متفق عليها.

عقود الخدمة (Service Contracts)
تقوم الشركة بتنفيذ أعمال الاستكشاف أو التطوير مقابل أجر مالي ثابت أو مرتبط بالأداء، بينما تبقى ملكية النفط كاملة للدولة.
ويستخدم هذا النموذج في دول مثل العراق والكويت بدرجات مختلفة.

النماذج الهجينة والمرنة
خلال العقدين الأخيرين ظهرت صيغ أكثر مرونة تجمع بين المشاركة والخدمة والحوافز الضريبية، خصوصاً مع ارتفاع مخاطر الاستكشاف وتعقيد المشاريع البحرية وغير التقليدية.

ثانياً: ماذا عن ليبيا؟ وكيف تطورت عقودها النفطية?

مرت ليبيا بعدة مراحل تعاقدية تاريخية:

مرحلة الامتيازات – ما قبل التأميم
خلال الستينيات كانت عقود الامتياز هي السائدة، في ظل حاجة ليبيا آنذاك إلى رأس المال والتكنولوجيا والخبرة.

مرحلة ما بعد التأميم وتعزيز السيادة
بعد السبعينيات اتجهت ليبيا – مثل غالبية الدول المنتجة – إلى تعزيز السيطرة الوطنية على الموارد، وتم تطوير نماذج أكثر صرامة تجاه الشركات الأجنبية.

ظهور عقود EPSA
وهي اختصار لـ: Exploration and Production Sharing Agreement، وقد مرت بعدة إصدارات وتعديلات:
EPSA I
EPSA II
EPSA III
EPSA IV
ويُعد الإصدار الرابع (EPSA IV) الأكثر شهرة واستخداماً في جولات العطاءات الحديثة، خاصة بعد عام 2005.

لماذا اعتُبر EPSA IV ناجحاً في حينه؟
يجب الاعتراف بموضوعية أن EPSA IV جاء في فترة كانت فيها:
أسعار النفط مرتفعة نسبياً.
ليبيا تمتلك مخزوناً واعداً منخفض التكلفة.
المخاطر السياسية محدودة مقارنة باليوم.
الشركات العالمية تتنافس بقوة للدخول إلى السوق الليبية.
الطلب العالمي على النفط في حالة نمو متسارع.

لذلك استطاعت ليبيا آنذاك فرض شروط مالية صارمة نسبياً، وتحقيق حصة مرتفعة للدولة من العوائد. بل إن البعض اعتبر أن ليبيا حصلت ضمن تلك الجولة على واحدة من أفضل الحصص الحكومية عالمياً.
لكن… هل ما نجح بالأمس يصلح لليوم؟
هنا يكمن جوهر القضية؛ فالقطاع النفطي العالمي تغير جذرياً، وليبيا نفسها تغيرت أيضاً.

ثالثاً: لماذا أصبح من الضروري مراجعة نمط EPSA الآن؟

تغير البيئة الاستثمارية العالمية
الشركات النفطية العالمية اليوم أصبحت أكثر انتقائية في استثماراتها بسبب:
التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
الضغوط البيئية وتمويلات المناخ.
ارتفاع تكلفة رأس المال.
المنافسة العالمية على جذب الاستثمار.
تراجع شهية المخاطرة.
بمعنى آخر: رأس المال النفطي العالمي لم يعد يتحرك كما كان قبل 20 عاماً.

ارتفاع المخاطر في ليبيا

أي مستثمر اليوم ينظر إلى:
الاستقرار السياسي.
وضوح التشريعات.
استقرار المالية العامة.
أمن المنشآت.
استقلالية المؤسسة الوطنية للنفط.
استقرار القرار السيادي.
وبالتالي فإن الشروط التعاقدية القديمة التي صُممت في بيئة أكثر استقراراً قد لا تكون كافية لتحفيز الاستثمار اليوم.

المنافسة الإقليمية أصبحت شرسة

دول عديدة حول ليبيا تتحرك بسرعة كبيرة:
الجزائر تطور تشريعاتها النفطية باستمرار.
مصر تقدم حوافز متجددة خاصة للغاز.
دول شرق المتوسط تجذب استثمارات ضخمة.
أفريقيا تشهد سباقاً استكشافياً متسارعاً.
وفي عالم محدود رأس المال الاستثماري، فإن الشركات تقارن بين الفرص باستمرار.

عامل الزمن لم يعد في صالح الدول النفطية التقليدية

هذه نقطة شديدة الأهمية؛ فالعالم يتحدث اليوم عن:
إزالة الكربون.
السيارات الكهربائية.
الطاقة المتجددة.
الهيدروجين الأخضر.
تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
صحيح أن النفط والغاز سيبقيان لعقود قادمة، لكن نافذة الاستفادة القصوى من الاحتياطيات الهيدروكربونية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. ولهذا فإن التأخير في الاستكشاف والتطوير قد يتحول إلى خسارة تاريخية للأجيال القادمة.

رابعاً: هل المطلوب التنازل عن حقوق الدولة؟

قطعاً لا؛ فأي طرح وطني مسؤول لا يمكن أن يدعو إلى التفريط في السيادة أو الثروة الوطنية. لكن الفرق كبير بين: حماية حقوق الدولة، وتجميد القطاع بالكامل بسبب نماذج تعاقدية لم تعد تنافسية.

الحكمة الاقتصادية ليست في التشدد المطلق، بل في تحقيق أعلى قيمة وطنية طويلة الأجل. فأحياناً: حصة أقل من مشروع ناجح، أفضل من حصة كبيرة من مشروع لا يأتي أصلاً.

خامساً: ما الذي يمكن أن تقترحه ليبيا اليوم؟

الأقرب للمنطق الفني والاقتصادي هو: تطوير نموذج تعاقدي ليبي جديد مرن، وليس بالضرورة إلغاء EPSA بالكامل. أي: الحفاظ على السيادة الوطنية مع إدخال مرونة اقتصادية واستثمارية جديدة.

كيف يمكن أن يكون هذا النموذج؟

نظام مالي مرن حسب المخاطر
ليس من المنطقي مساواة حوض سرت منخفض المخاطر، مع المناطق الحدودية أو البحرية العميقة مرتفعة المخاطر؛ لذلك يجب أن تكون الحوافز مرتبطة بدرجة المخاطرة والتكلفة.

عقود ديناميكية مرتبطة بأسعار النفط
عندما ترتفع الأسعار ترتفع حصة الدولة تلقائياً، وعندما تنخفض تُمنح مرونة للشركات، وهذا يحقق توازناً طويل الأمد.

حوافز للاستكشاف الحقيقي
بعض الشركات تحتفظ بالمربعات دون نشاط فعلي؛ ينبغي ربط الاحتفاظ بالمناطق ببرامج عمل إلزامية وجداول زمنية واضحة.

تشجيع تطوير الغاز
العالم يتجه للغاز باعتباره وقوداً انتقالياً، وليبيا تمتلك إمكانات غازية كبيرة لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي.

دمج المحتوى المحلي الحقيقي
ليس بالشعارات، بل عبر: تدريب الكوادر، نقل التكنولوجيا، تطوير الخدمات النفطية المحلية، ودعم القطاع الخاص الوطني.

سادساً: هل القوانين الليبية الحالية تسمح بذلك؟

هنا تظهر إحدى أهم الإشكاليّات. القانون النفطي الليبي الأساسي يعود إلى سنة 1955 مع تعديلات لاحقة، ورغم أنه كان متقدماً في زمانه، إلا أن:
البيئة الاقتصادية تغيرت.
الصناعة تغيرت.
التمويل تغير.
معايير الحوكمة تغيرت.
ومتطلبات الشفافية والاستدامة أصبحت مختلفة تماماً.

هل المطلوب تعديل القوانين؟
في تقديري: نعم، ولكن بحذر شديد. المطلوب ليس هدم المنظومة القانونية، بل تحديثها بصورة مدروسة تشمل: قانون النفط، اللوائح التنفيذية, قوانين الاستثمار، قوانين الشراكة، قوانين الضرائب، آليات فض النزاعات، والحوكمة والشفافية.

لكن هل الوضع السياسي يسمح بذلك؟
هذا السؤال مشروع جداً؛ فالبعض يرى أن الوضع الحالي لا يحتمل فتح ملفات استراتيجية كبرى. لكن بالمقابل، هناك رأي اقتصادي وتقني مهم يقول: إن الانتظار الطويل قد يكون أكثر خطورة من الإصلاح التدريجي المدروس، فالقطاع النفطي لا يتحمل الجمود.

سابعاً: ما الذي تحتاجه ليبيا فعلياً اليوم؟

ليبيا لا تحتاج فقط إلى عقود جديدة، بل تحتاج إلى:

رؤية وطنية موحدة للطاقة
تشمل: النفط، الغاز، البتروكيماويات، الطاقة المتجددة، التكرير، والتصدير.

استقرار المؤسسة الوطنية للنفط
بعيداً عن التجاذبات السياسية.

حوكمة واضحة وشفافية
لأن رأس المال يخاف من الغموض أكثر من خوفه من المخاطر نفسها.

تسريع المشاريع المتوقفة
خصوصاً: تطوير الحقول، خطوط النقل، الصيانة، الخزانات، الموانئ، ومشاريع الغاز.

إطلاق جولات استكشاف مدروسة
لكن ضمن إطار تنافسي عصري وجاذب.

الخلاصة

نعم… يبدو أن الوقت قد حان فعلاً لمراجعة نموذج EPSA بصيغته الحالية، ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح في زمن مختلف تماماً عن زمن اليوم.

الهدف لا يجب أن يكون إرضاء الشركات الأجنبية، ولا التشدد الشعبوي غير الاقتصادي، بل بناء نموذج وطني ذكي يحقق التوازن بين: سيادة الدولة، جذب الاستثمار، تسريع الاستكشاف، تعظيم العائد، وضمان حقوق الأجيال القادمة.

ليبيا ما تزال تمتلك واحداً من أهم الأحواض النفطية في العالم، وتكلفة إنتاج هي من الأقل عالمياً، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً استثنائياً قريباً من أوروبا والأسواق العالمية. لكن الثروات وحدها لا تكفي؛ فالعالم يتحرك بسرعة، والطاقة تعاد صياغتها عالمياً، والاستثمار النفطي لم يعد ينتظر المترددين.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة إنتاج… بل معركة وقت، وتشريع، وحوكمة، ورؤية وطنية قادرة على تحويل الثروة الطبيعية إلى قوة اقتصادية مستدامة تحفظ لليبيا مكانتها وسيادتها لعقود قادمة.

“الشلوي”: رأس لانوف القلب الصناعي الذي كان يمكن أن يغيّر الاقتصاد الليبي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في تاريخ الاقتصاد الليبي الحديث، لا يمكن الحديث عن التنمية الصناعية أو الأمن الطاقوي أو حتى مستقبل التنويع الاقتصادي دون التوقف مطولاً أمام مشروع رأس لانوف؛ ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد مصفاة نفط أو مجمع بتروكيميائي، بل رؤية دولة كاملة كانت تسعى للانتقال من اقتصاد ريعي قائم على تصدير الخام إلى اقتصاد صناعي متكامل يصنع القيمة المضافة ويؤسس لقاعدة إنتاج وطنية حقيقية.

لقد اختُزل الحديث عن رأس لانوف لسنوات طويلة في كونه “مصفاة نفط”، بينما الحقيقة أن المشروع منذ بداياته كان أكبر بكثير من مفهوم التكرير التقليدي. فالمخطط الاستراتيجي الذي قامت عليه الفكرة لم يكن يهدف فقط إلى إنتاج البنزين والديزل والوقود، بل إلى خلق منظومة صناعية متشابكة تربط بين التكرير والبتروكيميائيات والصناعات التحويلية والطاقة والتصدير والخدمات اللوجستية. ولهذا السبب ظل رأس لانوف يمثل أحد أهم المشاريع الاقتصادية التي عرفتها ليبيا منذ اكتشاف النفط.

من فلسفة تصدير الخام إلى فلسفة التصنيع

خلال السبعينيات والثمانينيات، تشكل داخل ليبيا تيار تكنوقراطي مؤمن بأن تصدير النفط الخام وحده لا يصنع اقتصاداً قوياً، وأن الثروة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الموارد الطبيعية إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مجمعات صناعية متكاملة تعتمد على النفط والغاز كلقيم صناعي وليس فقط كمصدر دخل مالي.

كانت الرؤية آنذاك تقوم على تأسيس قاعدة صناعية ممولة من الدولة، مدعومة بالخام المحلي، وبكوادر وطنية تُبنى تدريجياً عبر التراكم المعرفي والتشغيلي. ولذلك لم يكن مشروع رأس لانوف مجرد مشروع نفطي، بل مشروع دولة يسعى إلى خلق اقتصاد إنتاجي متكامل.

ولهذا تم تصميم مجمع رأس لانوف ليكون مرتبطاً بالصناعات البتروكيميائية منذ اليوم الأول؛ فجزء مهم من النافثا المنتجة من عمليات التكرير كان موجهاً إلى مجمع الإيثيلين والبتروكيميائيات بدلاً من تحويله بالكامل إلى وقود. وهذه نقطة جوهرية تميز رأس لانوف عن كثير من المصافي التقليدية في المنطقة.

الفرق بين رأس لانوف والزاوية… فلسفتان مختلفتان

عند مقارنة مصفاتي رأس لانوف والزاوية تظهر بوضوح فلسفتان مختلفتان في إدارة قطاع التكرير الليبي.

مصفاة رأس لانوف، بطاقة تصميمية تقارب 220 ألف برميل يومياً، صُممت لتكون جزءاً من منظومة صناعية متكاملة مرتبطة بالبتروكيميائيات، وتعتمد بشكل رئيسي على التقطير الجوي والفراغي دون امتلاك وحدات تحويل عميق كبيرة. بمعنى أن دورها الأساسي لم يكن تعظيم إنتاج الوقود بقدر ما كان توفير اللقيم للصناعات الكيميائية.

أما مصفاة الزاوية، فرغم أن طاقتها التصميمية أقل، إلا أنها أقرب إلى مصفاة موجهة لتلبية احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، مع تركيز أكبر على تحسين جودة المنتجات عبر وحدات الهيدروسكيمينغ وإصلاح النافثا وتحسين البنزين ومعالجة الكبريت.

هذا الاختلاف التقني يعكس اختلافاً استراتيجياً عميقاً:

  • رأس لانوف صُممت كقاعدة صناعية للتصدير والصناعات التحويلية.
  • الزاوية صُممت لضمان أمن الإمدادات للسوق المحلي.

ومن هنا تأتي أهمية فهم أن تقييم رأس لانوف لا يجب أن يتم فقط بمنطق أرباح التكرير المباشرة، بل بمنطق “الأثر الاقتصادي الكلي” على الصناعة والتشغيل والتصدير والميزان التجاري.

لماذا تعثر المشروع؟

رغم الرؤية الطموحة، واجه المشروع تحديات مركبة عبر العقود.

الحصار السياسي والعقوبات الدولية خلال الثمانينيات والتسعينيات أوقفا كثيراً من خطط التوسع والتحديث، كما أن نقص التمويل بعد رفع الحصار، بالتزامن مع التوسع الكبير في الاستهلاك المحلي، دفع الدولة إلى البحث عن شراكات أجنبية لتمويل تطوير القطاع.

لكن هنا ظهرت فجوة جوهرية في التشريعات الاقتصادية الليبية؛ فالقوانين التي نجحت نسبياً في تنظيم مشاركة الشركات الأجنبية في الاستكشاف والإنتاج لم تكن مناسبة لإدارة شراكات معقدة في قطاع التكرير والبتروكيميائيات.

ولهذا دخلت المؤسسة الوطنية للنفط في سلسلة من المفاوضات مع شركات أجنبية كبرى، بعضها كان يستهدف الاستثمار الصناعي الحقيقي، وبعضها كان ينظر إلى ليبيا كسوق أو كمصدر مواد أولية منخفضة التكلفة أكثر من كونها شريكاً استراتيجياً في التصنيع.

ومع مرور الوقت بدأت تتضارب المصالح بين:

  • احتياجات السوق المحلي الليبي،
  • أهداف التنمية الصناعية،
  • والمصالح التجارية للشركاء الأجانب.

وهذه النقطة كانت من أهم أسباب التعثر لاحقاً.

أزمة الشراكة الأجنبية… عندما تغيب الرؤية الوطنية

من الناحية الاقتصادية البحتة، فإن أي مستثمر أجنبي يبحث أولاً عن أعلى عائد ممكن على رأس المال، بينما تبحث الدولة عن الأمن الاقتصادي والقيمة المضافة والتشغيل والتنمية الإقليمية. وعندما لا تُصاغ العقود بطريقة دقيقة ومتوازنة، تبدأ الفجوة بين المصلحة الوطنية والمصلحة التجارية في الاتساع.

في حالة رأس لانوف، بدا أحياناً أن التركيز تحول من بناء منظومة بتروكيميائية متكاملة إلى مجرد تطوير المصفاة ككيان تجاري مستقل، وهو ما أضعف الفكرة الأصلية للمشروع.

كما أن بعض الخلافات الإدارية والتشغيلية المتعلقة بالتسعير والتصدير وأولويات الإنتاج أدت لاحقاً إلى توترات كبيرة بين المؤسسة الوطنية للنفط والشركاء الأجانب، انتهت في النهاية إلى نزاعات قانونية عطلت المشروع لسنوات طويلة.

ومن المؤسف أن ليبيا خلال تلك الفترة خسرت زمناً استراتيجياً كانت فيه دول الخليج تبني أكبر مجمعات البتروكيميائيات في العالم، وتتحول من دول مصدّرة للخام إلى قوى صناعية عالمية في الكيميائيات والطاقة والصناعات التحويلية.

رأس لانوف اليوم… هل انتهى المشروع؟

الإجابة بوضوح: لا.

رأس لانوف ما زال يمتلك مقومات استثنائية قد تجعله أحد أهم المراكز الصناعية في البحر المتوسط إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الصحيحة.

فالموقع الجغرافي للمجمع يمنحه ميزة لوجستية نادرة بين أوروبا وأفريقيا، كما أن توفر النفط والغاز منخفض التكلفة يمثل أفضلية تنافسية ضخمة في الصناعات البتروكيميائية والطاقة والأسمدة والصناعات التحويلية.

لكن الأهم من ذلك أن العالم اليوم يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث تبحث أوروبا تحديداً عن مصادر قريبة وآمنة للطاقة والمنتجات الكيميائية بعد التحولات الجيوسياسية الأخيرة. وهذه فرصة تاريخية لليبيا إذا أُحسن استغلالها.

ماذا يحتاج رأس لانوف مستقبلاً؟

إذا أرادت ليبيا إعادة إحياء المشروع بصورة حقيقية، فإن الأمر يتطلب الانتقال من عقلية “تشغيل مصفاة” إلى عقلية “بناء مدينة صناعية طاقوية”.

وهذا يشمل عدة محاور أساسية:

  • أولاً: تحديث المصفاة تقنياً عبر إدخال وحدات تحويل عميق مثل: (التكسير الهيدروجيني، وحدات FCC، وتحسين كفاءة الطاقة وتقليل الانبعاثات)، وذلك لرفع هامش الربحية وتحسين جودة المنتجات وفق المواصفات الأوروبية.
  • ثانياً: إعادة بناء سلسلة البتروكيميائيات من خلال: (التوسع في الإيثيلين والبولي إيثيلين، صناعات الميثانول والأمونيا، الصناعات البلاستيكية التحويلية، وربط المجمع بمناطق صناعية داعمة).
  • ثالثاً: إنشاء منطقة اقتصادية صناعية خاصة بحوافز ضريبية وتشريعية مرنة تستقطب الصناعات المرتبطة بالطاقة والكيماويات والخدمات اللوجستية.
  • رابعاً: الاستثمار في العنصر البشري لأن أي مشروع صناعي لا يُبنى بالمعدات فقط، بل بالكفاءات الفنية والهندسية والإدارية القادرة على إدارة منظومات صناعية معقدة.

البعد الاقتصادي الحقيقي للمشروع

القيمة الحقيقية لرأس لانوف لا تكمن فقط في إنتاج الوقود، بل في مضاعفة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الليبي؛ فعندما يتحول برميل النفط من خام يُصدَّر إلى:

  • منتجات بتروكيميائية،
  • وأسمدة،
  • ومواد بلاستيكية،
  • وصناعات تحويلية، فإن العائد الاقتصادي يتضاعف عدة مرات، كما تتولد آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

كما أن تطوير رأس لانوف يمكن أن:

  • يقلل فاتورة الاستيراد،
  • يعزز استقرار العملة،
  • يرفع الصادرات غير الخام،
  • ويخلق قطاعاً صناعياً قادراً على دعم الاقتصاد حتى في فترات انخفاض أسعار النفط.

الخلاصة

رأس لانوف ليس مجرد مشروع متعثر، بل قصة صراع بين رؤيتين:

  • رؤية تعتبر النفط مورداً للتصدير فقط،
  • ورؤية تعتبره قاعدة لبناء اقتصاد صناعي متكامل.

وعلى الرغم من كل التعثرات السياسية والإدارية والقانونية، فإن المشروع ما زال يمتلك القدرة على أن يصبح نقطة التحول الكبرى في الاقتصاد الليبي إذا أُعيدت صياغته بعقلية تكنوقراطية حديثة، تقوم على الكفاءة والحوكمة والتكامل الصناعي والمصلحة الوطنية طويلة المدى.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في إدارة ثرواتها النفطية ليست بالضرورة الأكثر امتلاكاً للنفط، بل الأكثر قدرة على تحويله إلى صناعة ومعرفة وقيمة مضافة.

وليبيا ما زالت تملك هذه الفرصة… وربما يكون رأس لانوف هو المكان الذي تبدأ منه من جديد.

المؤسسة الوطنية للنفط تستعرض خططها لرفع الإنتاج وجذب الاستثمارات في قمة أفريقيا للطاقة بلندن​

شاركت المؤسسة الوطنية للنفط ممثلة في رئيس مجلس إدارتها “مسعود سليمان” برفقة وفد رفيع المستوى من مديري الشركات النفطية، في فعاليات “قمة أفريقيا للطاقة” المنعقدة بالعاصمة البريطانية لندن

وعلى هامش القمة، انطلقت فعاليات “منتدى الطاقة الليبي” بالتعاون مع مجلس الأعمال الليبي البريطاني، وسط حضور دولي واسع، ضم نخبة من مسؤولي شركات الطاقة العالمية والمستثمرين والخبراء الدوليين المهتمين بالسوق الليبية.

وخلال جلسة حوارية رفيعة المستوى، استعرض “مسعود سليمان” أبرز إنجازات المؤسسة في الفترة الماضية، مؤكداً أن العمل جارٍ وفق رؤية واضحة لرفع معدلات الإنتاج وتطوير البنية التحتية.

وكشف “سليمان” عن عزم المؤسسة الوطنية للنفط إطلاق جولات عطاء جديدة للاستكشاف والإنتاج، تعتمد معايير الشفافية والجودة لتعزيز ثقة الشركاء الدوليين.

كما تطرق رئيس المؤسسة في حديثه إلى الاكتشافات النفطية والغازية الأخيرة، مشدداً على التزام قطاع النفط في ليبيا بدعم مشاريع تقليل حرق الغاز وخفض الانبعاثات الكربونية، تماشياً مع التوجهات العالمية نحو الاستدامة وتحسين كفاءة الطاقة.

وأشار “سليمان” إلى أن المؤسسة تضع الشراكات الدولية في مقدمة أولوياتها لدعم خطط التوسع، مجدداً الدعوة للشركات العالمية والمستثمرين لزيادة نشاطهم في ليبيا، مع التأكيد على أهمية إشراك القطاع الخاص الليبي في مشاريع الطاقة والصناعات البتروكيماوية لدعم الاقتصاد الوطني.

​”أحمد المسلاتي”: خلف أرقام النفط الليبي قطاع يقاتل للبقاء منذ 2011

كتب: الباحث في الشأن النفطي والاقتصادي “أحمد المسلاتي”

​الحديث عن أرقام قطاع النفط لا يجب أن يتحول كل مرة إلى محاكمات شعبوية سريعة؛ لأن هذا القطاع لم يعمل طوال السنوات الماضية في ظروف طبيعية أصلاً، بل تحت الإغلاقات والاشتباكات والانقسامات وتهالك البنية التحتية وضغوط الحفاظ على استمرار الإنتاج والإمدادات.

​الكثير يقرأ أرقام الإنفاق ولا يقرأ حجم التحديات الفنية والتشغيلية التي واجهت الحقول والخزانات وخطوط النقل والموانئ، ولا يدرك أن جزءاً كبيراً من الأموال كان يُصرف للحفاظ على استمرارية القطاع ومنع توقفه الكامل، لا فقط لزيادة الإنتاج.

​ورغم كل شيء، ما زال النفط الليبي يحقق تدفقات وإيرادات حافظت على بقاء الدولة نفسها، في وقت كانت فيه مؤسسات كثيرة مهددة بالشلل الكامل.

​المشكلة الحقيقية اليوم ليست في وجود الأموال فقط، بل في بناء منظومة إدارة ورقابة وتخطيط قادرة على تحويل هذه الإيرادات إلى استقرار وخدمات وتنمية يشعر بها المواطن فعلياً.

​أما اختزال المشهد في عبارات من نوع “أين ذهبت الأموال؟” دون فهم طبيعة القطاع وتعقيداته، فلن ينتج إلا مزيداً من الضجيج لا الحلول.

​قد يختلف الليبيون حول الأرقام، لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها أن قطاع النفط كان طوال السنوات الماضية يحمل على كتفيه عبء إبقاء الدولة واقفة، حتى في أصعب لحظات الانقسام والفوضى.

​”الشلوي”: المحطة البحرية لحقل البوري ركيزة استراتيجية لإعادة تموضع ليبيا في معادلة الطاقة والتحول البيئي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

​في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، لم تعد مشاريع النفط والغاز تُقاس فقط بحجم الإنتاج أو الإيرادات المباشرة، بل أصبحت تُقيَّم بمدى قدرتها على تحقيق الاستدامة، وتقليل الانبعاثات، وتعظيم القيمة الاقتصادية للموارد، وتعزيز أمن الطاقة الإقليمي والدولي.

ومن هذا المنطلق، يمثل مشروع المحطة البحرية المتقدمة المخصصة لحقل البوري خطوة استراتيجية فارقة في مسار تطوير قطاع الطاقة الليبي، ليس فقط باعتباره مشروعاً إنتاجياً، بل باعتباره مشروعاً سيادياً يعكس تحولاً حقيقياً في فلسفة إدارة الموارد الهيدروكربونية.

​إن هذا المشروع يأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتزايد المنافسة الدولية على موارد الغاز الطبيعي، وتتسارع الجهود الأوروبية لتنويع مصادر الإمدادات وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية.

وفي هذا السياق، تمتلك ليبيا ميزات تنافسية فريدة، أهمها القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية، والبنية التحتية القائمة لنقل الغاز، إضافة إلى الإمكانيات الكبيرة غير المستغلة بالكامل في الحقول البحرية.

​ويمثل إدخال محطة بحرية متقدمة لحقل البوري نقلة نوعية في إدارة العمليات البحرية، من خلال رفع كفاءة الإنتاج، وتقليل الفاقد، وتحسين إدارة الغاز المصاحب، وتعزيز موثوقية الإمدادات. كما أن المشروع ينسجم مع الاتجاهات العالمية الحديثة التي تربط بين أمن الطاقة والتحول البيئي، وتدفع نحو نماذج تشغيل أكثر كفاءة وأقل انبعاثاً للكربون.

​القيمة الاقتصادية للمشروع: من تعظيم الإنتاج إلى تعظيم القيمة
​الأهمية الحقيقية للمشروع لا تكمن فقط في زيادة معدلات الإنتاج، بل في تعظيم القيمة الاقتصادية لكل قدم مكعب من الغاز وكل برميل نفط يتم إنتاجه.

فالمشروعات البحرية الحديثة تعتمد على تقنيات تسمح بتحسين كفاءة الاستخلاص، وتقليل التوقفات التشغيلية، وخفض تكاليف المعالجة والنقل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الإيرادات والسيولة التشغيلية.

​وتشير التقديرات الفنية في مثل هذه المشاريع إلى إمكانية تحقيق زيادات تدريجية في إنتاج الغاز خلال المراحل الأولى من التشغيل، مع تحسين كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي.

كما أن استغلال الغاز المنتج محلياً لتغذية محطات الكهرباء يقلل من الاعتماد على الوقود السائل مرتفع التكلفة مثل الديزل وزيت الوقود الثقيل، ما يساهم في خفض فاتورة الدعم وتحسين كفاءة منظومة الطاقة الوطنية.

​إضافة إلى ذلك، فإن تطوير الحقول البحرية يرسل رسالة إيجابية للأسواق العالمية ولشركات الطاقة والمؤسسات التمويلية الدولية بأن قطاع النفط الليبي قادر على تنفيذ مشاريع استراتيجية وفق معايير تشغيل حديثة، وهو ما يعزز الثقة الاستثمارية ويعيد تموضع ليبيا تدريجياً على خريطة الاستثمار الطاقي في منطقة المتوسط.

​البعد البيئي: التحول من الحرق إلى الاستفادة الاقتصادية

​أحد أهم الأبعاد الاستراتيجية لهذا المشروع يتمثل في علاقته المباشرة بملف خفض انبعاثات الغاز والحد من الحرق الروتيني للغاز المصاحب، وهو الملف الذي أصبح اليوم معياراً رئيسياً في تقييم أداء شركات الطاقة والدول المنتجة.

​لقد أصبح واضحاً أن استمرار حرق الغاز لم يعد مجرد خسارة اقتصادية، بل أصبح تحدياً بيئياً ومالياً واستثمارياً، خاصة في ظل التوجهات العالمية المتعلقة بالحوكمة البيئية والاجتماعية، ومتطلبات المؤسسات التمويلية الدولية، والتشريعات المرتبطة بالبصمة الكربونية.

​ومن واقع التجربة العملية والعمل الميداني في هذا الملف منذ عام 2023، برزت الحاجة إلى تأسيس نهج مؤسسي متكامل للتعامل مع انبعاثات الغاز، يقوم على التخطيط الفني والاقتصادي، وليس فقط على المعالجات التشغيلية المؤقتة.

وقد أثبتت التجارب أن بناء قواعد بيانات دقيقة ومحدثة للانبعاثات ومصادرها، وتحديد المشاريع ذات الأولوية، وربطها بآليات تمويل مرنة، يشكل الأساس الحقيقي لأي تحول مستدام في هذا القطاع.

​وفي هذا الإطار، لعبت “مبادرة 2030” دوراً محورياً في نقل ملف خفض الانبعاثات من مرحلة الطرح النظري إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم. وقد استندت المبادرة إلى رؤية تقوم على إعداد قاعدة بيانات شاملة تغطي الشركات المرتبطة بعمليات الإنتاج، وتحديد فرص خفض الانبعاثات لكل شركة على حدة، ووضع تصورات لمشاريع قابلة للتنفيذ وفق جداول زمنية واضحة ومؤشرات أداء محددة.

​كما تم العمل على تأسيس شبكة من نقاط الاتصال الفنية داخل الشركات، تضم كوادر تمتلك مواصفات علمية ومهنية عالية، وصلاحيات تشغيلية تسمح بتحديث البيانات، ومتابعة المشاريع، وضمان استمرارية التنفيذ وفق المعايير المطلوبة. وقد شكل هذا النهج المؤسسي أحد أهم عناصر نجاح المبادرة؛ لأنه نقل المسؤولية البيئية من الإطار المركزي إلى إطار تشاركي متكامل داخل القطاع.

​التمويل والاستثمار: التحول من الاعتماد التقليدي إلى نماذج أكثر مرونة

​من أبرز نقاط القوة في المقاربة الحديثة لمعالجة انبعاثات الغاز أنها لا تعتمد فقط على التمويل الحكومي أو الميزانيات التشغيلية التقليدية، بل تتجه نحو نماذج تمويل أكثر مرونة تعتمد على الشراكات والاستثمار وآليات التمويل المرتبطة بالعائدات المستقبلية للمشاريع.

​لقد أثبتت التجارب الدولية أن مشاريع خفض الانبعاثات وتحويل الغاز المحروق إلى قيمة اقتصادية قادرة على جذب مؤسسات تمويل دولية وبنوك تنموية وصناديق استثمار، خاصة عندما تكون مدعومة ببيانات دقيقة وخطط تنفيذ واضحة ومؤشرات قياس معتمدة.

​وفي هذا السياق، ساهمت مذكرات التفاهم التي أُبرمت مع عدد من المؤسسات والبنوك والمنظمات الدولية في فتح آفاق جديدة أمام مشاريع خفض الانبعاثات في ليبيا، ليس فقط من حيث التمويل، بل أيضاً من حيث نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، والاستفادة من الخبرات العالمية في مجالات القياس والإدارة والتحقق الفني.

​كما أن تحديد الميزانيات التقديرية لكل مشروع على مستوى الشركات ساعد في تحويل ملف الانبعاثات إلى ملف اقتصادي قابل للدراسة والتمويل والتنفيذ، بدلاً من بقائه ضمن إطار المبادرات العامة أو الالتزامات النظرية.

​الأثر الإقليمي والدولي: ليبيا كشريك موثوق في التحول الطاقي

​إن تطوير مشاريع الغاز البحرية بالتوازي مع برامج خفض الانبعاثات يمنح ليبيا فرصة حقيقية للتحول من مجرد مصدر تقليدي للطاقة إلى شريك استراتيجي في معادلة الطاقة النظيفة نسبياً في المتوسط.

​فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن كميات إضافية من الغاز، بل يبحث عن غاز منخفض الانبعاثات وأكثر توافقاً مع معايير الاستدامة. وهذا ما يجعل مشاريع مثل محطة البوري البحرية ذات أهمية مضاعفة؛ لأنها تجمع بين زيادة الإنتاج وتحسين الأداء البيئي في الوقت نفسه.

​كما أن نجاح ليبيا في هذا المسار سيعزز موقعها في المبادرات الدولية المعنية بخفض الحرق الروتيني والانبعاثات، وسيدعم قدرتها على الدخول في شراكات أوسع مع مؤسسات الطاقة العالمية، والمنظمات البيئية، والبنوك التنموية، خاصة في ظل تنامي الاهتمام الدولي بتمويل مشاريع التحول الطاقي وخفض الكربون.

​البعد المؤسسي والمعرفي: بناء ثقافة جديدة داخل القطاع

​لا يمكن لأي تحول حقيقي في قطاع الطاقة أن يتحقق دون بناء ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على المعرفة والبيانات والتخطيط طويل المدى. ومن هنا جاءت أهمية إعداد التقارير الدورية، والورقات العلمية، والمجلات المتخصصة باللغتين العربية والإنجليزية، التي ساهمت في توثيق تجربة خفض الانبعاثات داخل قطاع النفط الليبي، وإبراز أثرها الإقليمي والدولي.

​لقد ساعد هذا الجهد المعرفي في نقل التجربة الليبية إلى فضاءات أوسع، وأكد أن معالجة انبعاثات الغاز ليست مجرد التزام بيئي، بل فرصة اقتصادية واستثمارية وتنموية متكاملة.

​كما أن إشراك الكفاءات الوطنية في ورش العمل والمؤتمرات والندوات الدولية ساهم في بناء خبرات محلية قادرة على قيادة هذا التحول مستقبلاً، وربط القطاع النفطي الليبي بأحدث الممارسات العالمية في مجالات الاستدامة والطاقة منخفضة الكربون.

​خاتمة: مشروع يتجاوز حدود الإنتاج التقليدي

​إن مشروع المحطة البحرية لحقل البوري لا ينبغي النظر إليه كمشروع إنتاجي منفصل، بل كجزء من رؤية أوسع لإعادة بناء قطاع الطاقة الليبي على أسس أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على المنافسة.

​فالمشروع يجمع بين عدة أبعاد استراتيجية في آن واحد: تعزيز الإنتاج، وتحسين استغلال الغاز، وخفض الانبعاثات، ورفع كفاءة الطاقة، وجذب الاستثمار، وتعزيز التكامل مع الأسواق الأوروبية، ودعم التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.

​ومع استمرار الإصلاحات المؤسسية، وتطوير آليات التمويل، وتعزيز الشفافية، وتمكين الكفاءات الوطنية، يمكن لليبيا أن تتحول من دولة منتجة للطاقة فقط، إلى لاعب إقليمي مؤثر في مستقبل الطاقة المستدامة في منطقة المتوسط.

​وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاريع لا تُقاس فقط بما تضيفه من إنتاج أو إيرادات، بل بما تتركه من أثر طويل المدى على الاقتصاد والبيئة والمؤسسات والأجيال القادمة.

“الشلوي”: عودة رأس لانوف إلى السيادة الوطنية.. قراءة فنية واقتصادية في تحولات قطاع الطاقة الليبي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

يمثل إنهاء الشراكة الأجنبية داخل مجمع رأس لانوف، وعودة المصفاة والمجمع البتروكيميائي إلى الإدارة الكاملة للمؤسسة الوطنية للنفط، حدثاً مفصلياً في تاريخ الصناعة النفطية الليبية؛ ليس فقط من زاوية الملكية والإدارة، بل من حيث ما يعكسه هذا التطور من تحولات عميقة في فلسفة إدارة الثروة الهيدروكربونية الليبية ومستقبل الصناعات التحويلية المرتبطة بها.

هذا الحدث لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تسوية قانونية أو إعادة هيكلة إدارية، بل هو انتقال استراتيجي يعيد رسم العلاقة بين الدولة الليبية وأحد أهم أصولها الصناعية، ويؤسس لمرحلة جديدة تتقدم فيها مفاهيم القيمة المضافة والسيادة الاقتصادية وتعظيم العوائد المحلية، على حساب نماذج التشغيل التقليدية التي ارتبطت لعقود بالاعتماد على الشريك الأجنبي.

منذ إنشاء مجمع رأس لانوف، كان المشروع يمثل أحد أعمدة الطموح الصناعي الليبي في قطاع الطاقة؛ إذ لم يكن الهدف مقتصرًا على تكرير النفط الخام، بل إنشاء قاعدة صناعية متكاملة تجمع بين التكرير والصناعات البتروكيميائية والخدمات اللوجستية والتصدير. وقد اكتسب المجمع أهمية استثنائية بحكم موقعه الجغرافي في قلب الهلال النفطي، وقربه من حقول الإنتاج الرئيسية وموانئ التصدير، إضافة إلى البنية التحتية التي صممت لتجعله مركزاً إقليمياً للصناعات النفطية الثقيلة.

لكن التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها ليبيا منذ عام 2011 انعكست بشكل مباشر على أداء المجمع؛ حيث تعرضت منشآته لأضرار فنية متراكمة وتوقفت أجزاء واسعة من وحداته التشغيلية. كما دخلت الشراكة الأجنبية في دوامة من النزاعات القانونية والتحكيمية التي عطلت فرص إعادة التأهيل والتطوير لسنوات طويلة. وفي تلك المرحلة، لم تكن الخسارة مقتصرة على توقف نشاط صناعي فحسب، بل امتدت إلى فقدان ليبيا لجزء مهم من قدرتها على تحويل الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة، الأمر الذي زاد من الاعتماد على الاستيراد واستنزف جزءاً مهماً من النقد الأجنبي.

إن استعادة السيطرة الوطنية الكاملة على مجمع رأس لانوف تحمل اليوم أبعاداً اقتصادية أعمق بكثير من مجرد استرداد أصل صناعي؛ فالمجمع يمثل نقطة ارتكاز لإعادة بناء قطاع التكرير الليبي الذي ظل لسنوات يعمل بأقل من طاقته الفعلية، كما أنه يشكل بوابة أساسية لإحياء الصناعات البتروكيميائية التي تُعد على المستوى العالمي من أكثر الأنشطة النفطية ربحية واستدامة مقارنة بتصدير النفط الخام في صورته الأولية.

على الصعيد الاقتصادي، فإن تشغيل المصفاة بكفاءة يعني تقليص فاتورة استيراد الوقود والمشتقات النفطية، وهي واحدة من أكثر الملفات استنزافاً للمالية العامة الليبية خلال السنوات الماضية. كما أن استعادة النشاط البتروكيميائي تفتح الباب أمام صناعات تحويلية مرتبطة بالأسمدة واللدائن والكيماويات الصناعية، بما يخلق سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة قادرة على توليد إيرادات مستقرة وفرص عمل عالية المهارة.

أما من الناحية الفنية، فإن الإدارة الوطنية الكاملة للمجمع تمنح المؤسسة الوطنية للنفط مرونة أكبر في اتخاذ قرارات إعادة التأهيل والتطوير وفق أولويات السوق الليبية، وليس وفق اعتبارات الشركاء الخارجيين. كما تسمح بإعادة دمج المجمع ضمن استراتيجية وطنية موحدة لقطاع التكرير، ترتبط بخطط زيادة الإنتاج الخام وتحسين منظومة الإمداد المحلي وتطوير الصناعات المصاحبة.

في الواقع، فإن العالم النفطي اليوم لم يعد يقيس قوة الدول المنتجة بحجم الإنتاج الخام فقط، بل بقدرتها على التحكم في كامل سلسلة القيمة، من الاستخراج وحتى الصناعات النهائية. والدول التي نجحت في بناء اقتصادات طاقة متماسكة هي تلك التي انتقلت من نموذج “الدولة المصدرة للخام” إلى نموذج “الدولة الصناعية الطاقوية”، وهو المسار الذي تمتلك ليبيا كل المقومات للانخراط فيه إذا ما تم استثمار هذا التحول بصورة صحيحة.

كما أن هذا التطور يحمل بعداً سيادياً مهماً؛ إذ إن استعادة الأصول الاستراتيجية إلى الإدارة الوطنية المباشرة تعزز قدرة الدولة على حماية قراراتها الاقتصادية بعيداً عن التعقيدات القانونية المرتبطة بالشراكات المتعثرة والنزاعات الدولية طويلة الأمد. وفي قطاع حساس كقطاع النفط، فإن وضوح الملكية والإدارة يُعد عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات المستقبلية، لأن المستثمرين يبحثون دائماً عن بيئة مؤسسية مستقرة وواضحة المعالم.

من زاوية أوسع، فإن إعادة إحياء رأس لانوف تمثل رسالة مهمة للأسواق الدولية بأن ليبيا لا تزال تمتلك قاعدة صناعية نفطية قابلة للنهوض، وأن قطاعها النفطي لم يفقد قدرته على التعافي رغم سنوات التوقف والاضطرابات. فالمجمع، إذا ما أعيد تأهيله وفق معايير حديثة، يمكن أن يتحول مجدداً إلى مركز محوري للطاقة والصناعات البتروكيميائية في الجنوب المتوسطي والشمال الأفريقي.

لكن نجاح هذه المرحلة لن يتحقق بمجرد استكمال الإجراءات القانونية أو استعادة الإدارة الوطنية، بل يتطلب برنامجاً فنياً واقتصادياً متكاملاً يشمل تحديث وحدات التكرير، ومعالجة الاختناقات الفنية، وتطوير منظومات التخزين والمناولة، وإدخال تقنيات تشغيل حديثة تراعي الكفاءة الطاقوية والمعايير البيئية العالمية. كما يتطلب رؤية اقتصادية تتجاوز التشغيل التقليدي نحو بناء منظومة صناعات تحويلية مرتبطة بالمجمع قادرة على خلق قيمة مضافه حقيقية داخل الاقتصاد الليبي.

إن ما حدث في رأس لانوف ليس مجرد نهاية لشراكة أجنبية، بل بداية لاختبار حقيقي لقدرة الدولة الليبية على إدارة أحد أهم أصولها النفطية بعقلية اقتصادية وصناعية حديثة. وإذا ما أُحسن استثمار هذه اللحظة، فقد تتحول عودة المجمع إلى نقطة انطلاق لإعادة هيكلة قطاع الطاقة الليبي بأكمله، بما يعزز الإيرادات ويخفض الاعتماد على الاستيراد، ويعيد للصناعة النفطية الليبية دورها التاريخي كقاطرة رئيسية للتنمية الوطنية.

سجال نفطي اقتصادي بخصوص أرقام أبريل النفطية بين تساؤل مشروع وتوضيح مؤسسي

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في البدء لا يسعني إلا أن أثمن الطرح الذي تفضل به الصديق العزيز الدكتور عبد الحميد الفضيل، وهو طرح يعكس الحرص الصادق والمسؤول على المال العام ويجسد أهمية التحليل الرقمي في متابعة أداء القطاع النفطي باعتباره العمود الفقري للاقتصاد الليبي.

كما أود التأكيد أن مثل هذه التساؤلات ليست فقط مشروعة بل ضرورية، لأنها تحفز النقاش المهني وتدفع نحو مزيد من الشفافية وهو ما نحتاجه جميعنا في هذه المرحلة.

غير أن المقاربة العلمية لأي مقارنة رقمية خاصة في قطاع معقد كقطاع النفط، تستوجب النظر إلى مجمل عناصر المعادلة وليس فقط متغير السعر، وذلك حتى لا نقع في استنتاجات قد تبدو منطقية بالظاهر لكنها غير مكتملة فنياً.

أولاً: إشكالية المقارنة المباشرة (Price vs Revenue)

الافتراض الذي بني عليه التحليل وهو أن زيادة السعر بنسبة 57% يجب أن تقابلها زيادة مماثلة في الإيرادات يفترض ضمنياً ثبات باقي العوامل، وهو ما لا ينطبق في الحالة الليبية للأسباب التالية:

أ/ اختلاف الكميات المصدرة:
حيث تظهر بيانات المؤسسة الوطنية للنفط أن الصادرات انخفضت من نحو 29.7 مليون برميل (مارس 2025) إلى 27.1 مليون برميل (مارس 2026) نتيجة حادث حريق خط الشرارة.
(أي أن عامل الكمية لم يكن ثابتاً وهو عنصر حاسم في معادلة الإيرادات).

ب/ اختلاف توقيت القياس (Benchmark mismatch):
المقارنة تمت بين (مايو 2025) و(أبريل 2026) بينما البيان المؤسسي اعتمد مارس كمؤشر مقارن، وهو ما قد يحدث انحرافاً في الاستنتاج بسبب تذبذب الأسعار والكميات شهرياً.

ثانياً: التحول في آلية إدارة الإيرادات

هنا يكمن العامل الأهم الذي لم يؤخذ بعين الاعتبار بشكل كافٍ:
حيث إنه بداية من فبراير 2026 تم اعتماد آلية مالية مختلفة تقوم على:

أ/ إيداع كامل الإيرادات لدى المصرف الليبي الخارجي.
ب/ ثم خصم قيمة الاعتمادات المستندية الخاصة بالمحروقات قبل تحويل الصافي إلى مصرف ليبيا المركزي.

هذا يعني ببساطة أن الإيراد المعلن كـ “واصل للمركزي” لم يعد يعكس إجمالي الدخل النفطي، بل صافي الإيراد بعد خصم التزامات استيراد الوقود.
هنا بالتحديد يظهر الفرق الجوهري الذي قد يفسر ما وصفه الدكتور الفضيل بـ “الفجوة”.

ثالثاً: أثر ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً

من الحقائق الاقتصادية المعروفة أن ارتفاع أسعار النفط الخام يقابله في الغالب ارتفاع موازٍ في أسعار المنتجات النفطية (المحروقات).
وهذا ما تؤكده الأرقام:

أ/ (أبريل 2025): حوالي 586 مليون دولار.
ب/ (أبريل 2026): حوالي 917 مليون دولار.

(بزيادة تقدر بـ 331 مليون دولار).
أي أن جزءاً مهماً مما يعتقد أنه “فارق مفقود” هو في الواقع زيادة في تكلفة استيراد الوقود تم خصمها ضمن الآلية الجديدة.

رابعاً: هل هناك فعلاً “فجوة مفقودة”؟

إذا أعدنا تركيب الصورة بشكل متكامل:
زيادة في الإيرادات الإجمالية (حوالي 709 مليون دولار حسب البيان) مقابل:
• انخفاض في الكميات.
• زيادة في تكلفة المحروقات.
• تغيير في آلية التحويل المالي.

فإن ما يبدو كفجوة (1.4 مليار دولار) هو في جزء كبير منه فارق ناتج عن اختلاف منهجية الحساب وليس بالضرورة فاقداً مالياً فعلياً.

خامساً: حول مسألة “المقايضة” وآليات الدفع

من المهم التذكير كما ورد في بيان المؤسسة بأن:
أ/ نظام المقايضة تم إيقافه منذ مارس 2025.
ب/ المعمول به حالياً هو نظام اعتمادات مستندية واضح ومراقب.
ج/ العمليات تتم عبر قنوات مصرفية رسمية وتحت إشراف جهات رقابية.

وهذا تطور يحسب للمؤسسة في اتجاه تعزيز الشفافية والحوكمة.

كلمة أخيرة

إن ما طرحه الصديق الدكتور عبد الحميد الفضيل يظل مساهمة قيمة في النقاش العام وهو يعكس حساً وطنياً عالياً.
لكن في المقابل، فإن بيان المؤسسة الوطنية للنفط جاء ليوضح جوانب فنية مهمة قد لا تكون ظاهرة في القراءة الأولية للأرقام.

وبين الطرحين، أرى من واقع خبرتي التي قاربت الأربعة عقود داخل هذا القطاع، أن الحقيقة تكمن في التكامل بين التحليل الرقمي والفهم المؤسسي للآليات المالية والتشغيلية.

بالختام

أكتب هذه السطور لا مدافعاً عن جهة ولا رداً على صديق، بل هي محاولة مني لتقريب الصورة وإزالة اللبس وتعزيز فهم مشترك يخدم المصلحة العامة.

واثق تماماً أن الصديق الدكتور عبد الحميد بما عرفت عنه من موضوعية سيتقبل هذه القراءة بروحه المهنية، كما أؤمن أن استمرار مثل هذا الحوار الراقي هو ما نحتاجه بالفعل لبناء قطاع نفطي أكثر وضوحاً وكفاءة.

“الشلوي”: قراءة تحليلية في ملخص الإنتاج والإيرادات النفطية.. بين الشفافية المؤسسية ومتطلبات الاستدامة

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

مع انتهاء شهر أبريل 2026م، أصدرت المؤسسة الوطنية للنفط ملخصها الشهري للإنتاج والإيرادات، في خطوة تؤكد استمرار نهج الإفصاح والشفافية الذي بات سمة إيجابية تعزز الثقة العامة وتدعم مصداقية قطاع النفط الليبي على الصعيدين المحلي والدولي. هذا النمط من النشر الدوري للبيانات لا يكتفي بعرض الأرقام، بل يفتح المجال أمام التحليل الموضوعي وتقييم الأداء وهو ما يشكل ركيزة أساسية لأي إدارة رشيدة للموارد الطبيعية.

أولاً: قراءة في مؤشرات إنتاج النفط الخام

بلغ إجمالي إنتاج النفط الخام خلال أبريل نحو 41.6 مليون برميل، توزعت بشكل رئيسي على:

أ/ حصة الدولة الليبية: 35.14 مليون برميل.
ب/ حصة الشركاء: 5.95 مليون برميل.
ج/ المتاح للتصدير: 4.87 مليون برميل.

كما أظهرت البيانات أن:

أ/ المصدر كنفط خام: 30.84 مليون برميل.
ب/ المحول للتكرير: 3.99 مليون برميل.
ج/ الموجه لمحطات الكهرباء: 311.5 ألف برميل.

هذه الأرقام تعكس استقراراً نسبياً في مستويات الإنتاج، مع استمرار توجيه جزء معتبر للسوق المحلي وهو أمر يعكس توازناً بين الالتزامات التصديرية واحتياجات الاقتصاد الوطني.

مقارنة بشهر مارس (تابع مقالي السابق): عند مقارنة هذه الأرقام مع بيانات مارس التي كنت قد تناولتها بالسابق، يلاحظ أن:

أ/ متوسط سعر النفط في مارس بلغ 103.886 دولار للبرميل وهو مؤشر مهم لتقدير الإيرادات.
ب/ إذا افترضنا استقرار أو تحسناً طفيفاً في الإنتاج خلال أبريل، فإن العائدات تكون مرتبطة بشكل أكبر بعوامل السوق (الأسعار العالمية) وليس فقط بالكميات المنتجة.

هنا تبرز نقطة جوهرية: تحقيق الاستقرار الإنتاجي هو شرط لازم، لكنه غير كافٍ دون إدارة ذكية للإيرادات في ظل تقلبات الأسعار العالمية.

ثانياً: إنتاج الغاز الطبيعي

سجل إنتاج الغاز خلال أبريل نحو 62.7 مليار قدم مكعب، موزعة كالتالي:

أ/ الغاز المتاح للاستهلاك: 59.8 مليار قدم مكعب.
ب/ الغاز المستعمل: 40.97 مليار قدم مكعب.
ج/ الغازات الأخرى (حمضية وهيدروكربونية منخفضة الضغط): 13.66 مليار قدم مكعب.

هذه الأرقام تعكس استمرار الاعتماد الكبير على الغاز في دعم قطاع الكهرباء والصناعة وهو ما يفرض تحديات تتعلق بالكفاءة التشغيلية وتقليل الفاقد.

ثالثاً: الإيرادات النفطية

بلغت الإيرادات المحصلة والمحالة: أ/ 2.827 مليار دولار ب/ ما يعادل 2.866 مليار دينار ليبي

مع الإشارة إلى وجود التزامات قائمة مثل خطابات الاعتماد وتأثيرها على صافي التدفقات النقدية وهو ما يعكس تعقيدات الإدارة المالية للقطاع.

مقارنة تحليلية مع مارس: في مقال مارس، أشرنا إلى أهمية الربط بين السعر والإنتاج، وفي أبريل تؤكد البيانات أن:

أ/ استقرار الإنتاج لا يعني بالضرورة نمو الإيرادات إذا لم يقابله تحسن في الأسعار.
ب/ إدارة التدفقات النقدية أصبحت أكثر أهمية من مجرد تحقيق أرقام إنتاجية مرتفعة.

رابعاً: دلالات الشفافية المؤسسية

ما يميز هذا التقرير ليس فقط محتواه الرقمي، بل انتظام صدوره ووضوحه وهو ما يعكس:

أ/ التزام المؤسسة الوطنية للنفط بمبدأ الإفصاح.
ب/ دعم بيئة المساءلة.
ج/ تمكين صناع القرار والباحثين من تقييم الأداء بشكل موضوعي.

وهذا النهج يحسب للمؤسسة ويعزز من مكانتها كمؤسسة وطنية تعمل بروح مهنية.

خامساً: توصيات فنية واقتصادية

من واقع التحليل المقارن بين مارس وأبريل يمكن طرح مجموعة من التوصيات:

1/ تعزيز الاستقرار الإنتاجي عبر تقليل التذبذبات التشغيلية وضمان استمرارية الإنتاج في الحقول والموانئ.
2/ رفع كفاءة التكرير المحلي لتقليل الاعتماد على تصدير الخام وزيادة القيمة المضافة بداخل البلاد.
3/ تحسين إدارة الغاز عبر تقليل الفاقد والاستثمار في البنية التحتية لمعالجة الغاز.
4/ إدارة مالية أكثر ديناميكية تأخذ في الاعتبار تقلبات الأسعار العالمية وتعمل على تنويع مصادر الدخل.
5/ الاستمرار في نهج الشفافية مع تطوير التقارير لتشمل مؤشرات أداء إضافية (تكلفة الإنتاج / الكفاءة / الفاقد).

الخلاصة:

إن قراءة بيانات أبريل في سياق مقارنتها مع مارس تؤكد أن قطاع النفط الليبي يسير في اتجاه إيجابي من حيث الاستقرار والشفافية وهو في تطوير تصاعدي لأدوات الإدارة الاقتصادية التشغيلية لمواكبة التحديات العالمية، وتبقى الحاجة قائمة إلى تكامل السياسات الاقتصادية لضمان تحقيق أقصى استفادة من هذه الموارد بما يخدم المصلحة الوطنية، وهذا دور بقية المؤسسات النقدية والتجارية والمالية مع بعضها البعض، وذلك كما أسلفت خدمة للمصلحة العامة للبلاد.

المؤسسة الوطنية للنفط: إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة خلال شهر أبريل بلغ 2.8 مليار دولار

كشفت المؤسسة الوطنية للنفط في بيان لها اليوم الجمعة بأن إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة خلال شهر أبريل والمحالة للحساب السيادي بالمصرف الليبي الخارجي، بلغ نحو 2.8 مليار دولار، إضافة إلى 2.8 مليار دينار من الإتاوات وضرائب عقود الامتياز مع الشركات الأجنبية.

وأشارت المؤسسة إلى أن القيمة المحالة للحساب السيادي يقتطع منها قيمة اعتمادات توريد المحروقات عبر المصرف الليبي الخارجي وفقا للاتفاقات المبرمة، على أن باقي القيمة إلى مصرف ليبيا المركزي والمقدرة بنحو 1.9 مليار دولار.