Skip to main content

الوسم: سعر الصرف

من يقود الاستقرار النقدي في ليبيا؟.. ثلاث رؤى بين توحيد سوق الصرف وقيادة السياسة النقدية والانضباط المالي

أثار تراجع قيمة الدينار الليبي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي نقاشاً اقتصادياً مهماً، بدأ بما نشره محافظ مصرف ليبيا المركزي الأسبق فرحات بن قدارة حول تجربة توحيد سعر الصرف، ثم بما طرحه الدكتور محمد أحمد بشأن القيادة الفكرية والمؤسسية للسياسة النقدية، وأعقب ذلك تعليقان مستقلان من حسني بي على كل من الطرحين، أعادا النقاش إلى جذور الاختلال في المالية العامة ومصدر النقود.

ورغم اختلاف المداخل، فإن الرؤى الثلاث تتكامل في تشخيص الأزمة، لكنها تختلف في ترتيب الأسباب وأولويات العلاج.

أولاً: فرحات بن قدارة — توحيد السوق لا يتحقق بمجرد تخفيض الدينار

استعرض بن قدارة تجربة توحيد سعر الصرف خلال الفترة 1999–2002، عندما كان الدولار يُباع رسمياً بنحو 0.33 دينار، بينما بلغ سعره في السوق الموازية نحو 3.70 دنانير.

بدأ الإصلاح باعتماد سعر صرف خاص معلن قريب من السوق، في حدود 3.20 دنانير للدولار، ثم جرى تعديل الأسعار تدريجياً وتوسيع الحصول على النقد الأجنبي عبر المصارف، حتى تقارب المساران عند نحو 1.30 دينار للدولار مطلع 2002.

الدرس الأساسي من التجربة أن السوق الموازية لم تتراجع بالمنع، وإنما بنقل الطلب منها إلى القنوات المصرفية، من خلال سعر واقعي وتوفير فعلي للنقد الأجنبي.

ويرى بن قدارة أن تخفيض قيمة الدينار بقرار إداري، مع استمرار القيود والفجوة السعرية، لا يحقق التوازن، بل قد يؤدي إلى استمرار المضاربة والريع.

كما أن نجاح توحيد سعر الصرف واستدامته يتطلبان انضباطاً مالياً ونقدياً يمنع نمو الطلب على الدولار بصورة تتجاوز الموارد المتاحة.

ثانيًا: الدكتور محمد أحمد — قوة المصرف المركزي في قيادة الفكر النقدي لا سلطة المحافظ

انتقل الدكتور محمد أحمد بالنقاش إلى سؤال مختلف: هل تكمن قوة المصرف المركزي في الصلاحيات التنفيذية للمحافظ، أم في قدرته على قيادة مؤسسة تنتج سياسة نقدية متكاملة؟

واستحضر في هذا السياق تجارب ميلتون فريدمان وبول فولكر وآلان غرينسبان، للتمييز بين الفكر الاقتصادي، والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، والقيادة المؤسسية للسياسة النقدية.

ومن هذا المنطلق تبرز أسئلة جوهرية حول ليبيا:

  • هل امتلك المصرف المركزي منذ عام 2011 سياسة نقدية معلنة تربط بين عرض النقود والإنفاق العام والتضخم وسعر الصرف؟
  • وهل كانت لجنة السياسة النقدية ومجلس الإدارة مشاركين فعليين في صناعتها، أم غلبت سلطة المحافظ الفردية؟

إن هذه المقاربة تؤكد أن الاستقرار النقدي يحتاج إلى مؤسسات قوية وقرارات قائمة على التحليل الاقتصادي، لا على الأشخاص أو الاعتبارات السياسية.

لكنها تفتح سؤالاً آخر: هل تستطيع أفضل قيادة نقدية تحقيق الاستقرار إذا استمرت المالية العامة في توليد عجز يُموّل بخلق نقود جديدة؟

ثالثًا: حسني بي — أصل الاختلال في المالية العامة قبل سوق الصرف

جاءت تعليقات حسني بي على الطرحين بصورة مستقلة، متفقة مع كثير من مضمونهما، لكنها اختلفت في ترتيب الأسباب الاقتصادية.

في تعليقه على بن قدارة، اتفق مع ضرورة توحيد سعر الصرف وتوفير الدولار عبر القنوات الرسمية، لكنه اعتبر أن المشكلة لا تقتصر على كيفية توزيع الدولار، بل تبدأ بالسؤال: من أين جاءت الدنانير التي تطارده، وبأي سعر يجب بيع الدولار؟

فالاقتصاد الليبي يعتمد على النفط مصدراً شبه وحيد لإيرادات الدولة، بينما يجري معظم الإنفاق العام بالدينار.

وتوضح بيانات مصرف ليبيا المركزي حتى سبتمبر 2026 أن إيرادات النفط والأتاوات بلغت نحو 111.6 مليار دينار من إجمالي إيرادات مسجلة قدرها 114.58 ملياراً، أي قرابة 97%.

وعندما يتجاوز الإنفاق الموارد المستدامة، ويُموّل العجز نقدياً، تتوسع الكتلة النقدية ويزداد الطلب على السلع والواردات والدولار، فتظهر الضغوط على سعر الصرف.

وهنا تتشكل سلسلة الاختلال: عجز مالي ← تمويل نقدي وخلق دينار ← توسع السيولة والطلب ← ضغط على الدولار ← فجوة سعرية وريع ومضاربة وتضخم.

ومن ثم فإن السوق الموازية ليست بالضرورة أصل المرض، بل إحدى مظاهره.

ويرى حسني بي أن توزيع الدولار بالسعر الرسمي على الأفراد أو التجار أو شركات الصرافة لا يلغي الريع إذا ظل السعر الرسمي بعيداً عن سعر التوازن؛ فقد يتغير المستفيد من الريع، لكن الريع نفسه يستمر.

أما سعر التوازن المطلوب، فيجب أن يراعي عرض النقود والطلب على النقد الأجنبي والموارد الدولارية، وأن ينسجم مع موازنة مستدامة، دون اعتبار تخفيض الدينار بديلاً عن ضبط الإنفاق.

وفي تعليقه على الدكتور محمد أحمد، اتفق حسني بي مع أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية، لكنه أكد أن السياسة النقدية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع وحدها معالجة عجز مالي مستمر يُموّل بخلق النقود.

فتجربة بول فولكر في مكافحة التضخم الأمريكي جرت في اقتصاد يمتلك أسواقاً مالية وائتمانية عميقة، بينما يهيمن الإنفاق العام على جانب كبير من النشاط الاقتصادي الليبي، وتظل أدوات انتقال السياسة النقدية محدودة نسبياً.

ولهذا فإن مسؤولية المحافظ ليست فقط إدارة السيولة والاحتياطيات، وإنما إعلان حدود الموارد المتاحة، وتوضيح الآثار الاقتصادية للإنفاق والعجز على التضخم وسعر الصرف والقوة الشرائية.

رابعًا: الاحتياطيات ودعم الطاقة — بين حماية الاستقرار واستدامته

تؤكد هذه المناقشة أن حجم الاحتياطيات الأجنبية، رغم أهميته، لا يحدد وحده قوة الدينار.

فالاحتياطيات توفر الحماية من الصدمات وتمكّن الدولة من تمويل الواردات، لكنها لا تستطيع الدفاع إلى ما لا نهاية عن سعر صرف غير متوازن إذا استمر الإنفاق الممول بالعجز والتوسع النقدي.

وهذا يتفق مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من عدم استدامة المسار المالي الليبي، وأن تعديل سعر الصرف والإجراءات الإدارية لا يغنيان عن التصحيح المالي.

كما يبرز إصلاح دعم الطاقة والمحروقات بوصفه أحد أهم مجالات معالجة هيكل الإنفاق.

فإلى جانب فاتورة المرتبات الضخمة، تمثل الطاقة تكلفة اقتصادية كبيرة، لا تقتصر على الدعم المباشر المسجل في الموازنة، بل تشمل أيضاً الوقود المستورد والنفط والغاز المستهلكين محلياً.

وتشير تقديرات تحليلية أوسع إلى أن التكلفة الاقتصادية الشاملة للطاقة قد تقترب من 40% من الإنفاق العام الفعلي، مع ضرورة التمييز بين هذه التقديرات والبنود المحاسبية الرسمية.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال التدريجي من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقداً، بما يقلص الهدر والتهريب ويحسن كفاءة الإنفاق، مع حماية القوة الشرائية.

كذلك فإن تنويع الاقتصاد لا يكفي ما لم يتحول إلى تنويع حقيقي لإيرادات الدولة، من خلال توسيع النشاط الإنتاجي الرسمي والقاعدة الضريبية، بدلاً من استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط.

خامسًا: أين تلتقي الرؤى الثلاث، وأين تختلف؟

يمكن اختصار جوهر النقاش في ثلاثة أسئلة:

  • فرحات بن قدارة: كيف نوحد سوق الصرف عند سعر واقعي، وننقل الطلب على الدولار من السوق الموازية إلى المصارف؟
  • الدكتور محمد أحمد: من يصنع السياسة النقدية، وكيف نبني قيادة مؤسسية قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة؟
  • حسني بي: من أين جاءت الدنانير التي تطارد الدولار، وكيف نضبط الإنفاق والعجز ومصدر تمويلهما قبل معالجة النتائج؟

الاختلاف الأساسي ليس في أهمية هذه العناصر، بل في ترتيبها.

فبن قدارة يركز على آليات سوق الصرف، ومحمد أحمد على القيادة والمؤسسات النقدية، بينما يعيد حسني بي السبب الأول إلى المالية العامة والتمويل النقدي للعجز.

والواقع أن ليبيا تحتاج إلى المستويات الثلاثة، ولكن ضمن إطار متكامل يبدأ بمنع تجدد الاختلال المالي، ثم اعتماد سعر صرف توازني وقنوات موثوقة للنقد الأجنبي، تديرها مؤسسة نقدية مستقلة وفعالة.

الخلاصة: الاستقرار النقدي يبدأ من التوازن الاقتصادي

لا تحتاج ليبيا إلى محافظ قوي وحده، ولا إلى تخفيض جديد للدينار وحده، ولا إلى فتح شركات الصرافة وحدها.

إنما تحتاج إلى سياسة مالية تضبط الإنفاق والعجز، وسياسة نقدية مؤسسية، وسعر صرف يعكس التوازن الاقتصادي، وإصلاح تدريجي لدعم الطاقة، وتنويع حقيقي لمصادر الإيرادات العامة.

ويمكن تلخيص جوهر الأزمة في المعادلة التالية: عجز مالي + تمويل نقدي + سعر صرف إداري غير متوازن = ضغوط تضخمية + فجوة سعرية + ريع ومضاربة وسوق موازية.

لقد قدم بن قدارة درساً عملياً في توحيد سوق الصرف، وطرح محمد أحمد أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية، بينما أعاد حسني بي النقاش إلى الموازنة العامة ومصدر النقود.

والقراءة الأكثر اكتمالاً ليست المفاضلة بين هذه الرؤى، وإنما ترتيبها في منظومة إصلاح واحدة: انضباط مالي يمنع إنتاج الاختلال، وسعر صرف توازني يمنع صناعة الريع، ومصرف مركزي مؤسسي يحمي الاستقرار.

فالمشكلة في ليبيا ليست نقص القرارات، بل غياب التوازن بين الموارد والإنفاق والنقود.

والاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يحترم قراراً إدارياً يتعارض مع قواعده وتوازناته.

“حسني بي”: إصلاح الاقتصاد الليبي يبدأ من جذور الخلل لا من أعراضه.. الأرقام أولاً بعيداً عن العواطف والشعبويات

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يخضع للرغبات أو القرارات الإدارية. تحكمه قواعد العرض والطلب، والإيرادات والإنفاق، والإنتاج والتمويل. ومهما اختلفنا حول دقة الأرقام، تبقى العبرة بالآليات والقواعد الاقتصادية، لا بالشعارات والشعبويات.

أولاً: لنتوقف عن معالجة الأعراض ونواجه الأسباب.

السرقات، والمضاربة، والفجوة بين سعري الصرف، وارتفاع الطلب على الدولار، والسوق الموازية، وتهريب المحروقات، جميعها أعراض واختلالات يغذيها النموذج الاقتصادي القائم. مكافحتها ضرورية، لكنها لن تعالج جذور الأزمة ما لم تتغير الحوافز التي تنتجها.

ثانياً: أين تُنفق أموال الليبيين؟

وفق تقديراتي، تجاوز الإنفاق العام الليبي خلال عام 2025 نحو 270 مليار دينار، موزعة على النحو التالي:

أوجه الإنفاقمليار دينار
المحروقات والطاقة108
المرتبات والأجور – الباب الأول76
النفقات التسييرية – الباب الثاني14
الدعم والنفقات الأخرى – الباب الرابع18
التنمية وما في حكمها، بما فيها الإنفاق الموازي54
الإجمالي270

هذه تقديرات تستوجب المطابقة مع الحسابات الفعلية، لكنها تكشف بوضوح حجم المشكلة وأولويات الإصلاح.

فالمحروقات وحدها تمثل 40% من الإنفاق، والمرتبات 28%، والتنمية وما في حكمها 20%. أي إن هذه البنود الثلاثة تستحوذ على نحو 88% من إجمالي الإنفاق العام.

فهل يعقل أن ننشغل بالمضاربين ونتجاهل بنية الإنفاق التي تولّد الطلب على الدولار وتموّل الاختلالات؟

ثالثاً: قوة الدينار لا تُقاس بحجم الاحتياطيات وحدها.

لا توجد علاقة مباشرة أو آلية تضمن قوة الدينار لمجرد امتلاك احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي. فالاحتياطيات توفر قدرة على التدخل والدفاع عن العملة، لكنها لا تعوض الاختلال المالي والنقدي المستمر.

تتحدد استدامة قيمة الدينار بالدرجة الأولى من خلال حجم الإيرادات العامة، وحجم الإنفاق العام، وكيفية تمويل العجز، ونمو الكتلة النقدية، والطلب الحقيقي على النقد الأجنبي.

وفي اقتصاد تعتمد إيراداته العامة بنسبة تقارب 93% على النفط والغاز المقومين بالدولار، بينما تُدفع معظم النفقات بالدينار، يصبح سعر تحويل الإيرادات الدولارية إلى الدينار متغيراً حاسماً في التوازن المالي.

ولهذا فإن تصحيح سعر الصرف، عندما يكون مبالغاً في تقييم الدينار، يمثل أداة أساسية لاستعادة التوازن، لكنه ليس بديلاً عن ضبط الإنفاق والإصلاح الهيكلي.

رابعاً: كيف نتحقق من حقيقة الإنفاق؟

لا يكفي النظر إلى الموازنة المعلنة. يجب إعداد حساب مالي ونقدي موحد يطابق الإيرادات النفطية وغير النفطية، وتدفقات النقد الأجنبي، والتغير في الاحتياطيات، ونمو القاعدة النقدية، والالتزامات والتمويل خارج الموازنة، مع منع ازدواج احتساب التدفقات بين الخزانة والمصرف المركزي.

بهذه المطابقة يمكن كشف الإنفاق الفعلي ومصادر تمويله، بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الإدارية المعلنة.

خامساً: من أين يبدأ الإصلاح؟

الأرقام تحدد الأولويات، لا العواطف:

  • المحروقات والطاقة (108 مليارات دينار): إصلاح منظومة الدعم والتوريد والتوزيع، واستبدال الدعم من السلعي إلى دعم المواطن مباشرة “نقدا” أو بتعويض نقدي مباشر وعادل للمواطن، مع وقف الهدر والتهريب.
  • المرتبات (76 مليار دينار): ضبط التوظيف والازدواج الوظيفي، وربط الأجور بالإنتاجية والخدمة الفعلية، دون المساس التعسفي بحقوق العاملين.
  • التنمية والإنفاق الموازي (54 مليار دينار): إخضاع جميع الالتزامات لخزينة موحدة، وربط الصرف بمشروعات قابلة للقياس والعائد الاقتصادي، ومنع الإنفاق خارج الرقابة.
  • سعر الصرف والتمويل: اعتماد سعر صرف أقرب إلى التوازن الاقتصادي، وتوحيد سوق النقد الأجنبي، ووقف التمويل النقدي غير المنضبط للعجز، مع حماية الفئات محدودة الدخل.

الخلاصة

ليبيا لا تعاني أساساً من نقص الموارد، بل من خلل في إدارة الموارد وتوزيعها وتسعيرها وتمويل الإنفاق العام.

لا يمكن الدفاع عن دينار قوي إدارياً في ظل إنفاق غير منضبط، ولا يمكن القضاء على السوق الموازية بقرارات المنع، ولا على التهريب بالعقوبات وحدها ما دامت الفجوات السعرية تخلق أرباحاً استثنائية.

الإصلاح يبدأ من أكبر بنود الإنفاق، ومن تصحيح سعر الصرف والحوافز الاقتصادية، لا من مطاردة النتائج وتجاهل الأسباب.

فالاقتصاد لا يجامل الحكومات، ولا يحترم الشعارات، ولا ينتظر التوافق السياسي. إما أن نحترم قواعده، أو نستمر في دفع تكلفة تجاهلها من قيمة الدينار والقوة الشرائية ومستقبل الأجيال.

محافظ مصرف ليبيا المركزي يعلن خطة لاحتواء سعر الصرف وضبط الإنفاق الحكومي​

أكد محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى”، العمل مع كافة المؤسسات والأطراف المعنية للالتزام باتفاق موحد للإنفاق، وإقرار إصلاحات شاملة على مستوى السياسات المالية، التجارية، والنقدية.

​وأشار المحافظ إلى وجود خطوات إيجابية لضبط الإنفاق العام، والاتجاه نحو اعتماد جدول مرتبات موحد لجميع جهات الدولة الممولة من الميزانية، مؤكداً وجود تجاوب ملموس من مختلف الأطراف بشأن هذه الإصلاحات.

​وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، أوضح “عيسى” أن المصرف يعطي الأولوية لرفع قيمة الدينار الليبي واحتواء التضخم وسعر الصرف لتقليل أسعار السلع والخدمات. كاشفاً عن خطة لضخ 3 مليارات دولار للاستفادة من ارتفاع أسعار النفط لشهر أكتوبر، بهدف تلبية الطلب المعلق على العملة الأجنبية للاعتمادات والأغراض الشخصية، إلى جانب التوسع في الحوالات المباشرة لصغار التجار تنفيذاً لقرار حظر الاستيراد خارج التعاملات المصرفية.

كما أشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي سيعمل على تسوية حجوزات البطاقات بقيمة تتجاوز 400 مليون دولار، مطلع شهر أكتوبر وتسوية المعلق بالكامل خلال الشهر، وتغطية الطلبات المعلقة من الحوالات والاعتمادات، بما يسهم في توفير النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية وتخفيف الضغط على السوق الموازي والحد من الطلب عليها.

“محمد الصافي” يكتب: مؤسسات الظل ومصلحة الضرائب غير الرسمية في البلاد

كتب: الخبير الاقتصادي “محمد الصافي”

هناك مؤسسة ضرائب غير رسمية قائمة في البلاد تتغذى على كل دولار يباع من الجهات الرسمية بمقدار 3 دينار لكل دولار (الفارق بين السعر الرسمي والسوق السوداء).

حيث إن كل دولار يباع من الجهات الرسمية يذهب منه 6.5 دينار للميزانية و3 دينار (الفرق بين 9.5 و6.5) لمؤسسة الضرائب غير الرسمية.

من يدفع الثلاثة دنانير لهذه المؤسسة؟

المواطن عن طريق التضخم.

من يستلم ويستفيد من هذا الإيراد الخاص بمؤسسة الضرائب غير الرسمية؟

تجار الاعتمادات، وموظفو المصارف، ومنتفعو الـ2000 دولار للأفراد، وغيرهم ممن يتحصل على الدولار بسعر [رسمي].

كلما “يغلى” عليك سعر بضاعة، اعرف أنك تمول مؤسسة الضرائب غير الرسمية.

انتقل الاقتصاد الليبي من اقتصاد الظل إلى مؤسسات الظل.

“المركزي” يستعد لضخ كميات من العملة الأجنبية لدعم استقرار سوق الصرف

أفادت مصادر بمصرف ليبيا المركزي بعزم المصرف ضخ كميات من العملة الأجنبية خلال الأيام القادمة؛ وذلك لدعم استقرار سوق الصرف وتعزيز توفر النقد الأجنبي بالسوق المحلية.

​وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تتزامن مع تحسن المؤشرات الاقتصادية وإيرادات النفط، إلى جانب إبرام تفاهمات مع شركاء اقتصاديين لدعم الاقتصاد الوطني.

وأكدت المصادر حرص “المركزي” على الحفاظ على مستويات مناسبة من الاحتياطيات لضمان الاستدامة المالية والنقدية وضبط مستويات العجز حتى نهاية العام.

“ناجي عيسى”: حققنا قفزة تاريخية في التحول الرقمي.. واستقرار الدينار الليبي يرتكز على الانضباط المالي

أكد محافظ مصرف ليبيا المركزي “ناجي عيسى” في تصريحات لمجلة “سينترال بانكينغ” البريطانية، أن المصرف المركزي أدّى دوراً محورياً في إقرار أول موازنة وطنية موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، مشدداً على أن التركيز الحالي ينصبّ على الانضباط في التنفيذ وضمان الشفافية.

​واستعرض المحافظ الطفرة الرقمية التي حققها قطاع المدفوعات والخدمات المالية في ليبيا، مشيراً إلى أن منظومة «راتبك لحظي» شملت نحو 1.75 مليون موظف حكومي بنسبة مشاركة بلغت 79%، مما قلّص زمن وصول المرتبات من أسبوعين إلى بضع ساعات.

كما ارتفعت قيمة المعاملات الإلكترونية من 71.4 مليار دينار في سبتمبر 2024 إلى نحو 643 مليار دينار حتى نهاية يوليو 2026، وسط توقعات بتجاوزها حاجز التريليون دينار بنهاية العام الحالي. وشهدت البنية التحتية توسعاً كبيراً بازدياد نقاط البيع الفعّالة إلى 209 آلاف جهاز، وتضاعف مستخدمي منصات الدفع الفوري (LyPay وOnePay) إلى 7.73 مليون مشترك.

​وحول السياسة النقدية، أوضح المحافظ أن المصرف المركزي أجرى مراجعتين لسعر الدينار المرجعي مع مواصلة ضخ النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، بهدف تقليص الفارق مع السوق الموازي إلى 5%.

واختتم “ناجي عيسى” حديثه بالتأكيد على أن استقرار العملة الوطنية يتطلب انضباطاً مالياً وتوحيداً لقنوات الإنفاق والالتزام الكامل بالاتفاق الموحد من المؤسسات والأطراف كافة.

“حسني بي”: تأجيل الإصلاح ليس سياسة اجتماعية.. وتمويل الاستهلاك والتهريب باسم العدالة الاجتماعية ليس عدالة

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

أثار النقاش حول التجربة المصرية في إصلاح الدعم سؤالاً مشروعاً: هل ينبغي لليبيا أن تتعلم من تجربة دولة اضطرت تحت ضغط أزمتها المالية وشروط التمويل الخارجي إلى تخفيض الدعم وتحرير سعر الصرف واتخاذ إجراءات مالية ونقدية قاسية؟ الإجابة، في تقديري، نعم؛ ولكن ليس بالضرورة لكي نقلد ما فعلته مصر، بل لكي نتجنب الوصول إلى الظروف التي أجبرتها على القيام به.

فالقول إن مصر لم تكن مخيّرة وإنما اضطرت إلى الإصلاح تحت ضغط صندوق النقد الدولي قد يكون صحيحاً في جانب مهم منه، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: لماذا وصلت دولة إلى مرحلة أصبحت فيها مجبرة على اتخاذ قرارات كان يمكن تصميمها وتنفيذها بصورة أفضل لو اتُخذت في وقت أبكر؟ الإكراه لا يثبت خطأ الإصلاح، بل قد يكون نتيجة سنوات طويلة من تأجيله.

ليبيا ليست مصر

المقارنة المباشرة بين البلدين قد تقود إلى استنتاجات خاطئة. مصر دولة يتجاوز سكانها المئة مليون نسمة، تعتمد بدرجة كبيرة على موارد محلية وضرائب واقتراض داخلي وخارجي، وتحمل رصيداً كبيراً من الدين وخدمته، كما تحتاج إلى تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية.

أما ليبيا فهي دولة نفطية قليلة السكان نسبياً، تحصل الدولة فيها على معظم إيراداتها الخارجية من النفط والغاز، وتمتلك احتياطيات وأصولاً أجنبية كبيرة. لذلك فإن ليبيا ليست اليوم مضطرة إلى إصلاح الدعم للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي. نحن نستطيع أن نصلح بإرادتنا وبمواردنا. وهذا تحديداً ما يجعل تأجيل الإصلاح أكثر صعوبة في التبرير.

الدعم الحالي ليس كله دعماً للمواطن

عندما تبيع الدولة سلعة بأقل كثيراً من تكلفتها، فإن الفرق بين التكلفة والسعر لا يذهب بالضرورة إلى المواطن بالتساوي. من يستهلك أكثر يحصل على دعم أكبر. ومن يمتلك عدة سيارات يستفيد أكثر ممن لا يمتلك سيارة. والنشاط الذي يستهلك كميات كبيرة من الطاقة يحصل على نصيب أكبر من الأسرة محدودة الدخل. والوقود الذي يُهرّب خارج الحدود يحمل معه جزءاً من الدعم الذي دفعته الخزانة الليبية.

وبالتالي، فإن دعم السعر ليس هو نفسه دعم المواطن. بل إن الدعم السلعي المفتوح يمكن أن يتحول، كلما اتسعت الفجوة بين السعر المدعوم والقيمة الاقتصادية الحقيقية للسلعة، إلى ريع. والريع يولد حافزاً للحصول عليه، وإعادة بيعه، وتهريبه، والتحايل على منظومة توزيعه. كلما اتسعت الفجوة السعرية، ازدادت قيمة هذا الريع وازدادت معها الحوافز للاستحواذ عليه. وهذه ليست حماية اجتماعية.

الأمر نفسه ينطبق على الدولار

المشكلة لا تقتصر على الوقود والكهرباء والسلع المدعومة. لدينا صورة أخرى من الريع تتمثل في الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية. عندما يستطيع شخص الحصول على الدولار بسعر رسمي أدنى كثيراً من قيمته في السوق، فهو يحصل فعلياً على منفعة مالية مصدرها الدولة.

وكلما اتسعت الفجوة بين السعرين، أصبحت إمكانية الوصول إلى الدولار الرسمي في حد ذاتها مورداً للربح. فتنشأ سوق للامتيازات بدلاً من سوق للإنتاج. ويصبح السؤال الاقتصادي بالنسبة للبعض ليس: ماذا أُنتج؟ بل: كيف أصل إلى السلعة أو الدولار بالسعر المدعوم ثم أحقق قيمة الفارق؟ وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الاقتصاد الريعي: يصبح الوصول إلى الريع أكثر ربحية من خلق القيمة.

البديل ليس إلغاء الدعم وترك المواطن

وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً. الدعوة إلى إصلاح الدعم لا تعني أن تستيقظ الأسرة الليبية في صباح اليوم التالي لتجد الوقود والكهرباء والسلع الأساسية بأسعارها الاقتصادية، بينما بقي دخلها كما هو. ذلك ليس إصلاحاً، وإنما نقل مفاجئ للتكلفة من الدولة إلى المواطن.

الإصلاح الذي أدعو إليه يقوم على مبدأ مختلف: لا تدعم السلعة؛ ادعم المواطن. إذا كانت الدولة تنفق مليارات الدنانير سنوياً لدعم استهلاك الليبيين، فليتحول الجزء المستحق للمواطن إلى دخل نقدي مباشر وشفاف. يُدفع التعويض أولاً، ثم تبدأ الأسعار في التحرك تدريجياً نحو تكلفتها الحقيقية. بهذه الطريقة، تصبح الأسرة التي ترشد استهلاكها مستفيدة من الإصلاح بدلاً من أن تكون ضحيته. أما من يستهلك كميات كبيرة، فيتحمل تكلفة استهلاكه الإضافي. والأهم أن الدولة تتوقف عن دعم السلعة التي يمكن أن تُهرّب، وتبدأ في دعم الإنسان الذي لا يمكن تهريبه.

العدالة ليست أن يحصل الجميع على السلعة الرخيصة

العدالة الاجتماعية لا تعني بالضرورة مساواة الجميع في سعر منخفض مصطنع. فالأسرة ذات الدخل المحدود والرجل الثري والشركة والجهة الحكومية والمهرب لا ينبغي أن يحصلوا جميعاً على الدعم نفسه لمجرد أنهم استطاعوا الوصول إلى السلعة.

العدالة الحقيقية هي أن تصل موارد الدولة إلى المواطن بطريقة واضحة وعادلة، وأن يحصل محدود الدخل على حماية أكبر، وأن يتحمل القادر تكلفة أكبر من استهلاكه، وهنا يصبح التحويل النقدي أكثر قابلية للقياس والمراجعة من دعم السعر. نعرف كم دفعت الدولة. ونعرف لمن دفعته. ويستطيع المواطن أن يعرف نصيبه. ويستطيع المجتمع أن يحاسب الحكومة على قيمته.

لا يكفي إصلاح الدعم وحده

وفي المقابل، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن تحويل الدعم إلى نقد يحل الأزمة الاقتصادية الليبية بمفرده. الإصلاح يجب أن يشمل أيضاً سعر الصرف، والإنفاق العام، وخلق النقود، وكفاءة القطاع العام، وبيئة القطاع الخاص، وإنتاج النفط والغاز والكهرباء، ومكافحة الاحتكار والتهريب والفساد.

فلا معنى لرفع أسعار الطاقة ثم تمويل عجز الخزانة بطباعة المزيد من الدنانير. ولا معنى لتعويض المواطن نقدياً ثم ترك التضخم يلتهم التعويض. ولا معنى لإصلاح سعر الوقود مع الإبقاء على فجوة سعر صرف تخلق ريعاً أكبر في مكان آخر. الإصلاح منظومة مترابطة، وليس قراراً منفرداً.

الدرس المصري الحقيقي

لذلك فإنني أقرأ التجربة المصرية بطريقة مختلفة. نعم، كانت هناك إجراءات مؤلمة. ونعم، تضررت القوة الشرائية وارتفعت تكاليف المعيشة والإنتاج. ولا ينبغي التقليل من الأثر الاجتماعي لذلك. ولكن الدرس الذي ينبغي أن تستخلصه ليبيا ليس أن الإصلاح خطر ويجب تجنبه. بل إن تأجيل الاختلالات حتى تصبح الدولة محتاجة إلى التمويل الخارجي يفقدها جزءاً كبيراً من قدرتها على اختيار متى وكيف وبأي سرعة تصلح اقتصادها.

ليبيا لا تزال تمتلك هذه المساحة من الاختيار. لدينا النفط. ولدينا الغاز. ولدينا احتياطيات وأصول أجنبية. ولدينا عدد سكان يسمح بأن يكون نصيب الفرد من الثروة الوطنية مرتفعاً إذا أُديرت بكفاءة. ولذلك علينا أن نستخدم هذه القوة المالية لإجراء الإصلاح قبل أن تتحول الوفرة إلى أزمة، وليس بعد ذلك.

من دعم الأسعار إلى دعم الإنسان

المطلوب في النهاية تغيير فلسفة الدولة الاقتصادية. بدلاً من دولة تقول للمواطن: سأعطيك دولاراً رخيصاً، ووقوداً رخيصاً، وكهرباء شبه مجانية، وسلعاً مدعومة؛ نحتاج إلى دولة تقول: هذه حصتك العادلة من الثروة العامة، وسأدفعها لك بصورة مباشرة وشفاف، ثم أترك الأسعار تعكس التكلفة الحقيقية وأفتح المجال للإنتاج والمنافسة والاستثمار. عندها فقط نبدأ الانتقال من اقتصاد يقوم على اقتسام الريع إلى اقتصاد يكافئ الإنتاج.

الخوف على المواطن مبرر، بل واجب. ولكن حماية المواطن لا تكون بحماية منظومة تنتج الهدر والتهريب والامتيازات، ثم نسمي ذلك عدالة اجتماعية. تأجيل الإصلاح ليس سياسة اجتماعية. واستمرار الريع الناتج عن فجوة سعر الصرف ودعم أسعار المواد بدلاً من الدعم النقدي المباشر للمواطن هو تمويل للاستهلاك والهدر والتهريب من المال العام.

والأهم: لا يجوز أن نسمي استمرار هذا الوضع عدالة اجتماعية؛ لأن العدالة الحقيقية هي أن يصل الدعم إلى المواطن، لا إلى السلعة، وأن تصل الثروة إلى أصحابها، لا إلى من يملك القدرة الأكبر على اقتناص فارق السعر.

“​حسني بي”: الشمول المالي وتوثيق الوافدين السَبيل لتقليص فجوة سعر الصرف

أكد رجل الأعمال “حسني بي” أن زيادة الطلب على الدولار تُعد السبب الرئيس لنشوء الفجوة السعرية في السو.

وأوضح “حسني بي” أن مصادر هذا الطلب تتوزع بين العمالة الوافدة بنسبة 50%، والاستيراد السريع بنسبة 40%، بالإضافة إلى أغراض السفر والعلاج والدراسة بنسبة 10%.

وأشار إلى أن تعزيز الشمول المالي وتوثيق بيانات العمالة الوافدة كفيلان بتقليل الطلب في السوق الموازي، مما يسهم بشكل مباشر في تقلص الفجوة السعرية.

“حسني بي”: الأزمة الاقتصادية لا تُحل أمنياً.. وتنظيم سوق الصرف حان وقته

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

حول أسباب الفجوة السعرية والتضخم والطلب على العملة الأجنبية والمضاربة: في إطار النقاش العام حول تطورات سعر الصرف واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، نؤكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تشخيصاً اقتصادياً دقيقاً يميز بين أسباب التضخم من جهة، وآليات توسع الطلب على العملة الأجنبية والمضاربة من جهة أخرى.

إن القاعدة الاقتصادية الأساسية تؤكد أن السعر يتحدد في النهاية عند نقطة التقاء العرض والطلب، وأن السعر التعادلي لا يتحقق إلا عندما تتوازن الكميات المعروضة مع الكميات المطلوبة عند سعر مقبول من الطرفين. وعليه، فإن وجود سعر عرض للعملة الأجنبية أقل بكثير من سعر الطلب في السوق يخلق حافزاً مباشراً للمضاربة، ويحول العملة الأجنبية من وسيلة لتغطية احتياجات حقيقية إلى فرصة ربح مضمونة تقريباً.

فما دام هناك عرض للدولار بسعر يعادل 12,600 دينار لكل 2,000 دولار، في مقابل وجود طلب في السوق عند مستويات تقارب 14,600 إلى 15,100 دينار، أو أكثر، لذات المبلغ، فإن الفارق السعري يصبح بذاته مولداً لطلب إضافي على الدولار. هذا الفارق لا يعكس فقط حاجة اقتصادية فعلية، بل يخلق طلباً مضارباً يستهدف شراء الدولار الرخيص وإعادة بيعه أو توظيفه بسعر أعلى.

وبالتالي، فإن زيادة حجم الضخ الشهري من العملة الأجنبية، سواء كان في حدود 3 مليارات دولار أو 4 مليارات أو حتى 5 مليارات دولار شهرياً، لن تكون كافية وحدها لإغلاق الفجوة السعرية إذا ظل السعر المعروض أقل بكثير من السعر الذي يقبل به المشترون في السوق، حيث اقتصادياً المحدّد الأول للأسعار هو سعر الطلب وليس سعر البيع. ففي ظل وجود هامش ربح واضح، سيتوسع الطلب على الدولار لا من داخل السوق المحلي فقط، بل قد يمتد إلى أطراف من دول الجوار والأسواق الخارجية؛ لأن الفرصة السعرية تصبح جاذبة للمضاربة العابرة للحدود، حيث الفارق يتعدى 6 مليارات دولار سنوياً مما يسيل لعاب كل مضارب في العالم.

إن المشكلة لا تكمن في حجم العرض وحده، بل في طبيعة التسعير والسياسات المنظمة للحصول على العملة الأجنبية. فعندما تكون هناك قيود ضيقة على الأغراض الشخصية، مثل تحديد السقف عند 2,000 دولار، مع وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي أو شبه الرسمي والسعر الموازي، فإن ذلك يؤدي عملياً إلى زيادة عدد طالبي العملة، وتوسيع قاعدة المضاربة، وخلق طلب مصطنع يفوق الطلب الحقيقي على الاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة.

وفي هذا السياق، يجب التأكيد على أن المصدر الأساسي للتضخم في أي اقتصاد يظل مرتبطاً بخلق النقود وتمويل الإنفاق العام بالعجز، خصوصاً عندما يتوسع الإنفاق دون غطاء إنتاجي أو إيرادي حقيقي. غير أن دور السياسة النقدية لا يتوقف عند توصيف التضخم، بل يمتد إلى إدارة أثره على سعر الصرف، والاعتراض على التمويل بالعجز متى كان ذلك ممكناً، أو اعتماد سياسة سعر صرف واقعية تعكس العلاقة بين إيرادات النفط بالدولار وحجم الإنفاق العام بالدينار.

إن المعادلة الجوهرية في الاقتصاد الليبي تقوم على أن إيرادات النفط بالدولار، مضروبة في سعر الصرف، تمثل المصدر الرئيسي لتغطية الجزء الأكبر من الإنفاق العام بالدينار. وعندما لا تعكس سياسة سعر الصرف هذه الحقيقة، تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وتتكرر الاختلالات التي عرفها الاقتصاد الليبي في مراحل تاريخية متعددة، من بينها فترات ما بين 1982 و2004، ومن 2015 إلى 2020، ومن 2023 إلى اليوم.

وعليه، فإن استمرار بيع العملة الأجنبية بسعر يقل كثيراً عن سعر الطلب الفعلي في السوق لن يؤدي إلى استقرار مستدام، بل سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وتغذية المضاربة، واستنزاف الاحتياطيات، وتوسيع الفجوة السعرية. كما أن إنكار أثر هامش المضاربة، أو حصر المشكلة فقط في حجم الضخ، يمثل تبسيطاً مخلّاً لطبيعة الأزمة.

إن المطلوب اليوم هو حزمة سياسات متكاملة تشمل ضبط الإنفاق العام، وقف التوسع النقدي غير المغطى، توحيد أو تقريب أسعار الصرف، مراجعة سياسات الأغراض الشخصية، تقليص فرص التحكيم السعري، وتعزيز الشفافية في بيانات العرض والطلب على العملة الأجنبية.

فالاستقرار لا يتحقق بمجرد ضخ المزيد من الدولارات، بل يتحقق عندما تختفي فرصة الربح الناتجة عن الفارق بين سعرين، وعندما يصبح الحصول على العملة الأجنبية مرتبطاً بالحاجة الاقتصادية الحقيقية لا بالمضاربة على فرق السعر.

“عطية الفيتوري”: ضخ الدولار الحي المستمر يضمن استقرار الدينار.. والتقطع قد يغذي السوق الموازي

كتب: الخبير الاقتصادي “عطية الفيتوري”

ضخ المصرف المركزي للدولار الحي الورقي قد يكون عاملاً لتغذية السوق السوداء للعملات الأجنبية، وقد يكون عاملاً لسد الفجوة أو تقريب السعرين بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء.

هذا يعتمد على استراتيجية المصرف المركزي؛ فإذا ضخ كمية من الدولار (600 مليون مثلاً) وتوقف عن ذلك شهرين أو ثلاثة ثم بدأ الضخ مرة أخرى، فهذا سيؤدي إلى تغذية السوق السوداء وقد ينفد جزء كبير من الاحتياطيات دون فائدة.

أما إذا ضخ 600 مليون دولار كل شهر أو 6 أسابيع باستمرار دون توقف، فإن الكثير من الراغبين في اقتناء الدولار سيتأكد لهم أن المصرف قادر على استقرار قيمة الدينار عند المستوى الرسمي، وبعد فترة سيبدأ الطلب على الدولار في الانخفاض وليس الارتفاع، حيث سيؤدي إلى خفض الفجوة بين السعرين الرسمي والسوق السوداء.

ما يجب أن يصاحب ذلك، على المحافظ عقد لقاءات مع غرف التجارة ومجالس رجال الأعمال لطمأنتهم على أنه لا ينوي خفض قيمة الدينار ولفترة طويلة، كما يجب على المحافظ عقد الاجتماعات مع مديري المصارف التجارية لطمأنة زبائنهم من التجار بأن المصرف المركزي سيكون عند كلمته.

لا بد من تحرك المصرف المركزي والاستمرار في ضخ الدولار، وكما قلنا في البداية سيكون الطلب مرتفعاً ولكن إذا ما شعر الجمهور بالاطمئنان فإن الطلب سوف ينخفض ويقترب السعران من بعضهما.