Skip to main content

الوسم: سعر الصرف

“منذر الشحومي”: تعدد أسعار الصرف في ليبيا وحلقة المضاربة “الأربيتراج”

كتب: منذر الشحومي / الخبير المصرفي والمالي

أولًا: بنية حلقة المضاربة (الأربيتراج)

تعدد أسعار الصرف: التشوّه الأساسي

تعمل ليبيا في ظل:
• سعر صرف رسمي
• سعر صرف في السوق الموازية
• وأحيانًا أسعار فعلية مختلفة عبر الرسوم أو القيود المستندية

عندما يكون السعر الرسمي أقل من السعر الذي يحدده السوق، ينشأ فورًا هامش مضاربة:
شراء الدولار بالسعر الرسمي → بيعه في السوق الموازية → اقتناص الفارق.

وإذا كان الفارق كبيرًا (كما حدث تاريخيًا)، يبدأ الاقتصاد بإعادة تنظيم نفسه حول الوصول إلى العملة الأجنبية بدلًا من الإنتاج.
يتحول فرق السعر إلى:
• مصدر ريع
• أداة تفاوض سياسي
• آلية إعادة توزيع غير رسمية
وهنا تبدأ الحلقة.

التخصيص التقديري للعملة الأجنبية: من يحصل على الدولار الرخيص؟

نظرًا لمحدودية النقد الأجنبي، يصبح الوصول إليه إداريًا.
يتم تخصيص العملة عبر:
• الاعتمادات المستندية
• التحصيلات المستندية
• الموافقات الخاصة
• أولويات قطاعية

بمعنى:
• ليس الجميع قادرًا على الحصول على الدولار الرسمي.
• التخصيص قائم على القرار، لا على السعر.

وهنا يصبح الفارق قابلًا للتحويل إلى أرباح.
وتظهر سلوكان رئيسيان:
1. المبالغة في فواتير الاستيراد
استيراد فعلي بقيمة مليون دولار → التصريح بثلاثة ملايين → بيع الفارق في السوق الموازية.
2. استيراد وهمي
فتح اعتماد → لا بضائع حقيقية → بيع الدولار في السوق الموازية.

يتحوّل شباك النقد الأجنبي إلى مركز أرباح.
وهذا يزيد:
• الطلب المصطنع على الدولار
• الضغط على الاحتياطيات
• الاختلالات النقدية

تقنين السحب النقدي: مضاعِف التشوّه

عندما تُفرض قيود على السحب النقدي:
• لا يستطيع المواطن سحب أمواله بحرية.
• تظهر علاوة على النقد الورقي.
• تصبح الودائع أقل قيمة من النقد.

تنشأ هنا مضاربة جديدة:
وديعة → تحويل إلى دولار → بيع → العودة إلى نقد بعلاوة.
شح السيولة يضاعف أثر فجوة سعر الصرف.
كما يضعف الثقة بالنظام المصرفي، ويدفع النشاط إلى السوق غير الرسمية.

دعم الطاقة: التسرب الهيكلي

تدعم ليبيا الوقود بشكل واسع.

عندما تكون الأسعار المحلية:
• أقل بكثير من الأسعار الدولية
• ومدفوعة بدينار ضعيف

يصبح التهريب منطقيًا اقتصاديًا.
لكن الأهم:
الدعم يتطلب عملة صعبة لاستيراد المنتجات المكررة.

إذًا: دعم الطاقة → زيادة طلب على الدولار → ضغط على الاحتياطيات → تشديد التخصيص → اتساع الفجوة → تعاظم المضاربة.
الحلقة تكتمل.

ثانيًا: الحلقة المغلقة — كيف تصبح ذاتية التغذية؟

1. تظهر فجوة سعر الصرف.
2. تنشأ فرص المضاربة.
3. التخصيص الإداري يتيح اقتناص الفارق.
4. يرتفع الطلب المصطنع على الدولار.
5. تنخفض الاحتياطيات.
6. تضعف الثقة.
7. يرتفع سعر السوق الموازية.
8. تتسع الفجوة.
9. يشتد تقنين السيولة.
10. تضعف البنوك.
11. يتوسع التهريب.
12. يرتفع العبء المالي.
13. يزداد الضغط على النقد الأجنبي.
14. تبدأ الدورة من جديد.

هذه ليست عملية خطية.
إنها تكرارية.
كل تشوّه يعزز الآخر.
الدينار لا يضعف بسبب صدمة واحدة — بل لأن النظام نفسه يُنتج طلبًا مستمرًا على الدولار.

ثالثًا: لماذا لا يكفي “التخفيض” وحده؟

كثيرون يقولون:
فلنُخفض العملة ونوحد السعر.

لكن إذا تم التوحيد دون:
• إصلاح الدعم
• إلغاء التخصيص التقديري
• معالجة أزمة السيولة

فإن الفجوة ستعود.

“حسني بي”: المشكلة ليست في سعر الصرف الرسمي ولا مكاتب الصرافة بل في الدولار المدعوم وتعدد الأسعار والرسوم

كتب : رجل الأعمال “حسني بي”

المشكلة في ليبيا ليست في سعر الصرف الرسمي “6.300” وحده ولا “مكاتب الصرافة “7.400” وحدها، بل هيكل كامل متعدد الأسعار والرسوم والاستثناءات، خلق “أصلًا ماليًا” جديدًا اسمه حق الحصول على الدولار المدعوم… وهذا الحق صار قابلًا للبيع والشراء والمضاربة (مثل الكوبون/الرخصة)، وبالتالي صار يولّد فجوة سعرية وتضخمًا حتى لو كانت نية السياسة “تخفيف على المواطن”.

سأقسم التعليق إلى:
(1) تشخيص اقتصادي/نقدي.
(2) تفكيك آلية المضاربة بالأرقام التي ذكرتها.
(3) لماذا تنتقل الفجوة إلى تضخم.
(4) أين مسؤولية المركزي وأين مسؤولية السياسة العامة.
(5) حزمة سياسات نقدية/تنظيمية بدائل عملية لصالح الشعب.
(6) تعليق مهني على شائعة الإفلاس/الدولرة/قرض البنك الدولي.

ملاحظة توثيقية: سعر الصرف الرسمي المنشور لدى مصرف ليبيا المركزي ليوم الأحد 22-02-2026 يقارب 6.330 دينارلكل دولار. كما أن المركزي أعلن تخفيضات أو تعديلات بسعر الصرف خلال 2025 ويناير 2026 وفق تغطيات موثوقة، آخرها الدولار يعادل 6.330 دينار.

1) التشخيص: لماذا تعدد الأسعار والرسوم يخلق سوقًا سوداء “بقانون”
عندما يكون لديك:

  • سعر رسمي/مصرفي (≈ 6.33)
    مصرف ليبيا المركزي
  • “أغراض شخصية” بسعر أعلى
  • (مثل 7.400 + عمولات)سلع ورسوم وشرائح (%2، %12، %20، %25، %35…)
  • ومنح بالدولار/بسعر مدعوم (400$ لأرباب الأسر… إلخ)

عمليًا صنعنا :

  • سعرًا رسميًا لا يعكس الندرة الحقيقية للعملة الصعبة لكل الاستخدامات.
  • سعرًا موازيًا رسميّ المنشأ عبر الرسوم والعمولات والاستثناءات.
  • سوق وسطاء مهمتها الوحيدة نقل “الحق” من مواطن إلى مضارب.
  • تسعير تجاري على أساس أعلى سعر متاح فعليًا (لأن التاجر يهمه “دولاره الحقيقي” وليس الورقي).

النتيجة الطبيعية:
يتحوّل الدعم من حماية مواطن إلى دعم أربيتراج (Arbitrage) مضاربة :

  • ربح مضمون بلا إنتاج للبعض ولا يشمل الجميع

2) آلية الأغراض الخاصة “2000 دولار” كمولّد للفجوة الاولى ويمكن تلخيصه اقتصاديًا كالتالي:

سلسلة العملية لغلق الفجوة الاولى من خلال 2000 دولار الاغراض الشخصية :

  • المواطن يملك حق شراء 2000 دولار بسعر رسمي : 12,600 دينار (أي 6.3د.ل/ للدولار)
  • المواطن يبيع “الحق” لمضارب مقابل ~ 2,000 د.ل
  • المضارب الاول تصبح تكلفته الكلية: 14,600 د.ل
  • ثم بسبب عمولات والشبكات والتاجر (تقريبًا 5%: 3% فيزا/ماستر + 2% نقطة بيع) يبقى صافي الدولار ≈ 1,900 دولار
  • إذن سعر الدولار الفعلي للمضارب = 14,600 ÷ 1,900 = 7.684 د.ل/دولار

وهذا يعني أن “الحق” صنع تلقائيًا سعر ظل (Shadow Rate) يقارب 7.68، حتى لو الرسمي 6.33.
مصرف ليبيا المركزي

هذه النقطة المحورية الناتجة للفجوة :

  • الفجوة لا تبدأ من “الصرافة”؛
  • بل الفجوة نشأت من تصميم الحق نفسه لأنه قابل للتسييل والبيع خارج غايته الأصلية.

3) لماذا تتحول الفجوة إلى تضخم (حتى لو المواطن “ربح” 2000 د.ل)؟؟
في اقتصاد يعتمد على المستورد سواء كان خامات أو منتجات، مثل ليبيا، سعر الصرف ينتقل للأسعار بسرعة (pass-through) لأن:

  • التاجر يدفع/يؤمّن عملته الصعبة بأسعار متعددة وعبر رسوم ومخاطر.
  • فالتاجر يسعّر على أساس أعلى تكلفة متاحة + هامش أمان.
  • ومع توقعات الناس (كلما زادت الفوضى) يحدث تسعير استباقي.

بالتالي، مكسب المواطن اللحظي من بيع الحق في 2000 دولار:

  • يزيد طلبه الاسمي (يشتري أكثر للمضاربة)
  • لكنه لا يزيد العرض الحقيقي (لا إنتاج ولا استيراد “إضافي” مضمون)، فيرتفع المستوى العام للأسعار
    ومثالكم التوضيحي صحيح من حيث المنطق:
    لو دخل 2000 د.ل شهريًا وتضخم 30% → خسارة قوة شرائية سنوية كبيرة قد تفوق مكسب بيع الحق.
    الخلاصة لسياسة بيع الأغراض الشخصية أو أرباب الأسر:
    السياسة تخلق “نشوة نقدية” قصيرة، ثم تسحبها من الجميع عبر ارتفاع الأسعار.

4) من المسؤول؟ المركزي وحده أم المنظومة؟
اتهام المركزي وحده عادةً تبسيط مخلّ، الواقع أن:

  • السياسة النقدية وحدها لا تنجح دون انضباط مالي: إنفاق عام مرتفع، عجز/تمويل، وغياب موازنة موحدة يزيد الضغط على العملة. (هذا يظهر أيضًا في تغطيات موثوقة عن ضغوط الإنفاق والدين العام).

تعدد الرسوم والضرائب على الواردات (التي تُنتج طبقات أسعار) يفترض أن جزءًا كبيرًا منه قرار مالي/تشريعي وليس “أداة نقدية خالصة” او قرار نقدي .

دور المركزي الحقيقي هنا: تصميم نافذة العملة + الرقابة على المصارف/البطاقات + إدارة السيولة والتوقعات.
فإذا سمح التصميم بتحويل “الحق” إلى سلعة مضاربة، فهو يتحمّل جزءًا مهمًا من المسؤولية الفنية.

5) حزمة حلول “نقدية وتنظيمية” فاعلة لصالح الشعب (بدون شعبوية)
مستويين: سريع (0–3 أشهر) ثم هيكلي (3–18 شهرًا).
الفكرة: نغلق باب “الأربيتراج” المضاربة، ونحوّل الدعم إلى استهداف اجتماعي نقدي بدل دعم سعر الصرف لفئات واسعة.

  • بديل “أكثر عدالة”: دعم الناس مباشرة بدل دعم الدولار.
  • استبدال دعم سعر الصرف بتحويل نقدي بالدينار (Targeted Cash Transfer).

إذا كانت الدولة تريد حماية أرباب الأسر:
أعطِ دعمًا بالدينار موجّهًا (سلة دخل/عدد أفراد/حالة اجتماعية) بدل بيع دولار مدعوم.

ميزة حل الاستبدال النقدي للحق يتمثل في هذا الحل:

  • لا يخلق “أربيتراج” دولاري.
  • أسهل رقابة.
  • يمكن ربطه بميزانية شفافة بدل نافذة عملة غامضة.

نعم: التحويلات النقدية قد تضغط على التضخم إذا كانت بلا تمويل سليم، لكن ضررها عادة أقل من “توزيع أربيتراج ومضاربة دولاري” لأنه لا يفتح باب المضاربة والتهريب بنفس السهولة.

إصلاح هيكلي: توحيد السعر وإدارة الانتقال بدون صدمة
خريطة طريق لتوحيد سعر الصرف (Managed Float)
ليس “8 للجميع غدًا” دفعة واحدة إن كان سيولد صدمة أسعار، بل:
توحيد تدريجي عبر نطاق (Band) يتحرك، مع مزادات/عطاءات شفافة للعملة.

الهدف: تقليل الفجوة حتى تصبح تكلفة المضاربة أقل عائدها.

  • أداة تعقيم نقدي (Sterilization) لتخفيف أثر بيع العملة على السيولة.
  • إصدار أدوات قصيرة الأجل (ودائع/أذونات) تمتص فائض الدينار الناتج عن مبيعات الدولار، حتى لا يتحول لضغط تضخمي مباشر.

تنسيق مالي–نقدي إلزامي
بدون إطار إنفاق واضح، سيظل الضغط على الدينار قائمًا. تغطيات موثوقة أشارت لأثر الانقسام والإنفاق والدين على قرار التخفيض.

هنا مطلوب سقف إنفاق، وقف التمويل بالعجز قدر الإمكان، وإدارة دين داخلي.

بخصوص الرسوم والشرائح على السلع (%…)
استبدال الرسوم المتعددة بنظام جمركي أبسط.
الشرائح الكثيرة تصنع “سوق استثناءات” وفساد تصنيفي (تصنيف السلعة لتقع في شريحة أقل).

خلاصة تنفيذية (بجملة واحدة)
أكبر مولّد للفجوة والتضخم بليبيا ليس السعر الرسمي بحد ذاته، بل “قابلية تداول حق الدولار المدعوم” + تعدد الأسعار والرسوم؛ والحل الفاعل هو قتل “الأربيتراج” بتقييد الاستخدام وتوحيد قنوات التسعير، ثم نقل الدعم من الدولار إلى المواطن مباشرة ضمن إطار مالي منضبط.

“صابر الوحش”: إعادة تفعيل منظومة أرباب الأسر.. هل هو حل حقيقي لأزمة النقد الأجنبي؟

كتب: د. صابر الوحش / أستاذ الاقتصاد بجامعة طرابلس

أعلن المصرف المركزي الأحد، عن إعادة تفعيل منظومة أرباب الأسر كأحد منافذ عرض النقد الأجنبي.. والسؤال المهم: هل هذا الإجراء يعالج جذور المشكلة أم يخفف أعراضها فقط؟

بداية دعنا نحلل ما الذي يمكن أن ينتج عن هذا الاجراء؟

يمكن القول أن هذا الاجراء يوسع القنوات الرسمية للحصول على العملة الأجنبية (توسع في جانب العرض)، ويهدف إلى: تخفيف الضغط على السوق الموازي وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وامتصاص جزء من السيولة المحلية، عليه فأن هذا الاجراء من هذه الزاوية قد ينجح في تهدئة السوق مؤقتاً.

لكن أين تكمن المشكلة؟

الطلب على النقد الأجنبي في ليبيا ليس طلباً عادياً أو موسمياً، بل هو طلب هيكلي ناتج عن: توسع الإنفاق العام وضعف الإنتاج المحلي والاعتماد الكبير على الواردات وتنامي الاقتصاد الموازي وفقدان الثقة والطلب التحوطي، بمعنى آخر: المشكلة في هيكل الاقتصاد والمالية العامة، وليست فقط في نقص المعروض من الدولار. عليه يجب الوقوف على المخاطر المحتملة؟ إذا لم يصاحب هذا الإجراء ضبط للإنفاق العام وإصلاح مالي حقيقي، فقد يؤدي إلى: زيادة الطلب بدلاً من خفضه واستنزاف أسرع للاحتياطيات واستمرار الفجوة السعرية، وهنا يصبح الإجراء أشبه بـ”تأجيل الأزمة” لا حلها.

عليه يمكن تقييم خطوة إعادة تفعيل منظومة أرباب الأسر خطوة جيدة تكتيكياً لتهدئة السوق، لكنها ليست حلاً استراتيجياً.

فمعالجة جانب العرض دون معالجة جذور الطلب المرتبطة بالإنفاق العام وضعف الإنتاج، لن تحقق استقراراً دائماً في سعر الصرف. وكما يعلم الجميع أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من إصلاح المالية العامة، وتنويع الاقتصاد، وضبط العلاقة بين الإنفاق والطلب على النقد الأجنبي.

“عمران الشائبي”: هل التضخم الذي نشهده اليوم هو نتيجة جشع التجار؟!

كتب: الخبير الاقتصادي “عمران الشائبي”

كلما ارتفعت الأسعار، ارتفعت الأصوات لتتهم التجار بالجشع، لكن لنسأل بصراحة, إذا كان تاجرنا جشعا لأن الأسعار ترتفع، فهل تحوّل تجار قطر وسويسرا والبحرين إلى جمعيات خيرية لأن التضخم عندهم قريب من الصفر؟

أولاً، فلنفهم التضخم بشكل صحيح، التضخم ليس معناه أن الأسعار غالية، بل هو نسبة تغيّرها عن مستواها السابق، مثلا قهوة في سويسرا بـ4 دولارات العام الماضي ولازالت بنفس السعر هذا العام، هنا التضخم يصبح صفريا رغم غلاء سعر القهوة، والقهوة في ليبيا العام الماضي بدينار ونصف واليوم بثلاثة دينار، هنا التضخم 100% رغم أنها لازالت أرخص من سويسرا.

ثانياً، الأرقام التي تكشف الحقيقة تكمن في النشرة الاقتصادية حيث كان عرض النقود في 2014 ما يعادل 69 مليار دينار ومع نهاية عام 2025 تجاوز 190 مليار دينار زيادة بنسبة 175% في عقد واحد!!! في بلد لم يشهد نمواً اقتصادياً يبررها! 7 ملايين ليبي يسبحون في 190 مليار دينار كمية هائلة من النقود تطارد كمية محدودة من السلع والدولارات. النتيجة الحتمية ارتفاع الأسعار.

ثالثاً: لماذا يكون الجشع تفسير خاطئ؟ الكل يسعى لمصلحته التاجر يريد أعلى ربح، والموظف يريد أعلى راتب، وبائع القهوة يريد تعظيم دخله، هذه طبيعة أي اقتصاد، ودور السياسة الرشيدة توجيه هذا السعي للمصلحة العامة، لا الوعظ، والقمع اختبار يُسقط النظرية، فلو كان الجشع سبب التضخم، فالتجار الليبيون الأكثر جشعاً في العالم، بينما تجار البلدان ذات التضخم السالب تحولوا لمانحي صدقات، هذا كلام لا يقبله عاقل، حتى المحتكر لا يسعى للتضخم، المحتكر الذكي لا يضع أعلى سعر، بل السعر الذي يحقق أقصى ربح، فرفع السعر فوق هذه النقطة يُنقص ربحه لا يزيده، والحالة الوحيدة التي يستفيد فيها من الرفع حين يزداد الطلب بسبب ضخ مزيد من النقود.

رابعاً، السبب الحقيقي ببساطة هو انفجار الطلب انفجر عن طريق طباعة عشرات المليارات من الدنانير سواء ان كانت ورقية أو إدخالها في المنظومة إلكترونيا وضخها عبر الرواتب والإنفاق الحكومي المتضخم في اقتصاد يعتمد على الاستيراد‎ وإنتاج محلي محدود، والنتيجة أن التاجر لا يرفع السعر لأنه جشع بل لأن الدينار الذي في يده لم يعد يشتري نفس البضاعة التي يحتاج لتعويضها.

خامسا، لماذا الحلول الأمنية ستفشل؟ فرض أسعار غير واقعية وإغلاق المحلات وشح السلع وملاحقات تزيد الأزمة ولا تحلها وشهدنا هذا عند إغلاق سوق والمشير ومخازن زيت الطهي.

الخلاصة؛ أن الملاحقة الأمنية للتجار هو زيادة في التضخم لأنهم أداة وليس السبب، والصحيح هو النقدي غير المنضبط في المطبعة والإنفاق فلا يمكن ضخ 190 مليار دينار في اقتصاد 7 ملايين نسمة وتوقع استقرار الأسعار. الحل يبدأ بـوقف الإفراط في طباعة النقود ورقيا والكترونيا، وضبط الإنفاق الحكومي، والعمل على سياسات اقتصادية رشيدة، لا قمع بوليسي.

توحيد الحكومات وعمل ميزانية موحدة وكبح الإنفاق أو زيادة الدخل هم الحل الوحيد الذي يمكن أن يكبح التضخم، فالتضخم الحقيقي في ليبيا يقدر ما بين 30-60% سنويا. فحينما يتحول الدولار من 6.3759 رسميًا إلى 10.85 موازيًا خلال أسابيع، فالسؤال الصحيح هو ليس من جشع؟ بل من صنع الفجوة؟ طبعا هذا لا يخلي جشع بعض التجار.

“حسني بي”: الفجوة السعرية والتضخم و”حرق الصكوك” وسعر الصرف في ليبيا

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يشهد الاقتصاد الليبي منذ عقود أو منذ عام 1982 تدهورًا متكررًا في قيمة الدينار، وارتفاعًا في الأسعار واتساعًا في الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، بالتزامن مع أزمة سيولة وارتفاع كلفة الحصول على النقد؛ المعروفة شعبيًا بـ“حرق الصكوك”.

ومع تصاعد النقاش العام حول “تعديل سعر الصرف” أو “فرض رسوم/ضرائب على بيع النقد الأجنبي”، أصبح من الضروري تقديم موقف محايد يضع المشكلة في إطارها الصحيح، بعيدًا عن التخوين أو التبرير.

أولًا: ما الذي نتفق عليه كتشخيص عام؟
الفجوة السعرية ليست مجرد رقم؛ هي آلية توزيع غير عادلة للثروة عندما يُباع الدولار بسعر مدعوم لفئات أو عبر قنوات محدودة ثم تُسعَّر السلع والخدمات على جميع الناس بسعر أعلى. النتيجة أن المواطن يدفع فرقًا كبيرًا في الأسعار، بينما يستفيد من الفرق من يمتلك قدرة الوصول أو رأس المال أو أدوات التحايل.
التضخم في ليبيا متعدد الأسباب، لكنه يرتبط بشكل وثيق بثلاث قنوات رئيسية:
الإنفاق العام إذا تجاوز الإيرادات وتم تمويله نقديًا (خلق نقود/توسع مصرفي) فيرفع الطلب ويضغط على الأسعار وعلى العملة الأجنبية.
الاعتماد العالي على الاستيراد يجعل أي تدهور في سعر الصرف ينتقل سريعًا لأسعار السلع والطلب على الدولار من أجل المضاربة والتهريب (تضخم مستورد و مضاربة ).
ضعف المنافسة والاحتكار والندرة يضخم أثر الصرف ويزيد من هامش الجشع التجاري في بيئة غير منضبطة.
أزمة السيولة وحرق الصكوك ليست ظاهرة طبيعية؛ هي “كلفة ثقة وسيولة” يدفعها المواطن بسبب اختلالات مصرفية ونقدية وتنظيمية، وتتحول عمليًا إلى ضريبة غير معلنة على الدخول الثابتة.

ثانيًا: هل تعديل سعر الصرف يختلف عن فرض ضريبة/رسم على بيع الدولار؟
من حيث الأثر المباشر على الأسعار، قد يرى المواطن أن الحالتين “زيادة تكلفة” ستنعكس على السوق. لكن الفارق الجوهري ليس في من يدفع فقط، بل في من يستفيد وكيف تُدار العوائد:
الضريبة/الرسم: تزيد سعر الدولار رسميًا لصالح الدولة والمركزي والشعب (نظريًا)، لكن نجاحها يتوقف على شفافية التحصيل وحسن توظيف العائد لصالح الشعب ومنع خلق امتيازات جديدة أو بديلة أو الإغراق بالإنفاق العام .
تعديل/توحيد سعر الصرف: قد يقلل مساحة الريع ويغلق باب السعرين وينهي المضاربة والتهريب، لكن تطبيقه دون شبكة حماية اجتماعية وضبط إنفاق وثقة مؤسسية قد يؤدي إلى صدمة أسعار وفقدان قبول شعبي ما لا نتمناه.
الخلاصة المحايدة: المواطن قد يدفع في الحالتين، لكن الفارق الحقيقي هو: هل تتحول الكلفة إلى إيراد شفاف يعود على الناس بخدمات/تعويضات، أم تبقى ريعًا يتجمع عند القلة عبر فجوة وتمييز في الوصول.

ثالثًا: أين تقع “الأغراض الشخصية” و“الاعتمادات” في المشكلة؟
أي نظام يتيح شراء عملة بسعر أقل من السوق 6.300 دينار لكل دولار مع وجود قيود وندرة، يخلق حافز “أربيتراج” (ربح مضمون)، ويؤدي إلى سوق ثانوي ووسطاء يتعدى 60% حاليا. لا يمكن الحكم على حجم تأثير “الأغراض الشخصية” أو “الاعتمادات” دون بيانات دقيقة، لكن المبدأ الاقتصادي واضح:
كلما اتسعت القيود وتعددت الأسعار، اتسعت فرص الريع والفساد والتحايل والتهريب لدول الجوار.
وكلما زادت شفافية التخصيص واتسع نطاق الوصول وفق قواعد عادلة، تقلصت الفجوة وتنتهي المضاربة.

رابعًا: النقطة السياسية والاجتماعية التي لا يجوز تجاهلها
حتى لو كان توحيد السعر أو الانتقال لسعر “أقرب للتوازن” خطوة صحيحة اقتصاديًا، فإن نجاحها يتطلب ثقة وقدرة تنفيذ. في بيئة انقسام وفقدان ثقة، أي قرار كبير قد يُفهم كتحميل جديد للمواطن، وقد يفشل اجتماعيًا ويُنتج نتائج عكسية لذلك على المركزي إعلان الأهداف والآليات بشفافية كاملة لإنهاء (تسارع دولرة، هلع تسعيري، توسع سوق موازية).

خامسًا: مبادئ عملية لأي حل مقبول وناجح
أي خيار؛ ضريبة على بيع العملة أو تعديل سعر الصرف أو نظام مزادات، ينجح مع حزمة متكاملة تقوم على:
سعر واحد أو مسار واضح لتقليص الفجوة ضمن جدول زمني ومعايير معلنة، مع تنظيم سوق الصرافة والرقابة الإلكترونية.
تعويض المواطن مباشرة عند أي رفع في التكلفة (علاوة معيشة/تحويل نقدي/سلة دعم ذكية)، بدل دعم سعر الدولار الذي يتحول غالبًا إلى ريع.
ضبط الإنفاق العام ووقف التمويل النقدي للعجز قدر الإمكان، لأن خلق النقود بلا غطاء يغذي التضخم ويضغط على الصرف.
شفافية كاملة في بيانات بيع العملة، الاعتمادات، وأوجه الإنفاق، وتوحيد عرض الأرقام بين الجهات، لأن الغموض هو البيئة المثالية للفجوة والاتهامات.
حل أزمة السيولة وحرق الصكوك كهدف موازٍ لتقليص الفجوة، لأن استمرار “سعرين للنقد” (رصيد/كاش) يُبقي الضريبة الخفية قائمة حتى لو انخفضت فجوة الدولار.

سادسًا: ما الرسالة للشارع؟
ليس الهدف تحميل المواطن صدمة جديدة، ولا الدفاع عن امتيازات قائمة، بل الوصول إلى معادلة عادلة:
إنهاء الريع والفجوة.
حماية القدرة الشرائية.
توفير العملة والسيولة بقواعد معلنة.
ومحاسبة من يستفيد من التشوهات بدل اتهام الناس بالجملة.

ختامًا
هذه ليست معركة “سعر رسمي ضد سعر موازي”، بل معركة عدالة وشفافية وحوكمة. وأي مسار إصلاحي يجب أن يبدأ من سؤال واحد يملكه الجميع:
كيف نمنع تحويل السياسة النقدية والمالية إلى ضرائب خفية يدفعها الشعب لصالح القلة؟

“ربيع الشتيوي”: المركزي بين سعر للاعتمادات وسعر للأغراض الشخصية وسوق سوداء في عالم آخر

كتب: ربيع عمر الشتيوي – محلل بيانات مهتم بالشأن الاقتصادي

ما يحدث اليوم في ملف أسعار الصرف ليس مجرد خلل تقني أو سوء تنفيذ عابر، بل انعكاس مباشر لفراغ سياسي ومالي عميق يدار فوقه المصرف المركزي وكأنه صاحب القرار الوحيد.

لدينا سعر للاعتمادات وسعر للأغراض الشخصية، ماعدا سعرين السوق الموازية للكاش والصك بأسعار أعلى منهما، وبين هذه العوالم الثلاثة يقف المواطن والتاجر والدولة في حالة ارتباك دائم، بينما يطلب من المركزي أن يضبط المشهد دون أن تمنح له أدوات الضبط الحقيقية.

تعدد الأسعار لم يأتِ كخيار إصلاحي مدروس بل كحل ترقيعي لواقع أكثر تعقيدا، واقع إنفاق حكومتين بلا سقف واضح وبلا تنسيق وبلا سلطة تشريعية موحدة تقر ميزانية وتراقب تنفيذها.

الحكومتان تتصرفان وكأن الموارد لا تنضب، وكل طرف ينفق بمعزل عن الآخر، ثم حين تظهر آثار هذا الإنفاق على الاحتياطي وسعر الصرف والتضخم؛ ترمى الكرة في ملعب المصرف المركزي وكأن المشكلة نقدية بحتة وليست مالية وسياسية في أصلها.

المصرف المركزي في هذا السياق لا يملك قوة تحميه، لا قوة تنفيذية تفرض قراراته، ولا غطاء تشريعي يستند إليه، ولا توافق سياسي يحمي استقلاله، ومع ذلك يطلب منه أن يمول وأن يضبط وأن يحافظ على الاستقرار وأن يتحمل الكلفة السياسية لأي قرار يتخذه، إذا شدد الإجراءات مثل ما فعل “الكبير” أيام “السراج” قيل إنه يخنق الاقتصاد ويعقد حياة الناس، وإذا توسع في التمويل مثلما فعل بعد تعيين “الدبيبة” قيل إنه يدمر الدينار ويستنزف الاحتياطي، وإذا حاول التوازن عبر حلول وسط مثلما يحاول “ناجي عيسى” فعله الآن ينتهي بنا الأمر إلى مزيد من التشوهات وتوسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق.

استمرار هذا الوضع يعني أن المركزي سيبقى في موقع إدارة الأزمة وليس حلها، وسيظل يلجأ إلى تعدد الأسعار وتعقيد الإجراءات كوسيلة لشراء الوقت، لا كمسار إصلاحي حقيقي، ومع كل يوم يمر دون اتفاق واضح على سقف إنفاق موحد، تتآكل مصداقية السياسة النقدية أكثر، ويتحول سعر الصرف من أداة اقتصادية إلى مرآة لفشل الدولة في اتخاذ قرار مالي سيادي.

السيناريوهات أمام المصرف المركزي كلها صعبة؛ إما الاستمرار في التمويل دون سقف، وما يعنيه ذلك من ضغوط تضخمية وتآكل الاحتياطي، أو التشدد وتحمل تبعات اجتماعية وسياسية لا يملك أدوات حمايتها، أو البقاء في المنطقة الرمادية الحالية حيث لا استقرار حقيقي ولا إصلاح، فقط إدارة مؤقتة لفوضى مؤجلة في جميع الحالات، النتيجة واحدة للأسف طالما ظل أصل المشكلة قائما.

أزمة أسعار الصرف في ليبيا ليست أزمة سعر بل أزمة قرار، ليست أزمة مصرف مركزي بل أزمة دولة، وأي حديث عن تعديل السعر أو ضبط السوق دون معالجة الإنفاق غير المنضبط وغياب السلطة التشريعية سيبقى مجرد تغيير في الأرقام، لا في الواقع.

“حسني بي”: لن يستقر الدينار الليبي بالقيود ولا بالحظر بل فقط عبر توحيد سعر الصرف إزالة الفجوة السعرية

كتب رجل الأعمال الليبي “حسني بي” أن السوق هو السيد، وتحديد الأسعار بقرارات إدارية سواء كان سعر صرف أو هوامش أرباح شركات الصرافة أو حظر التعاملات خارج منظومة محددة لا يتعدّى كونه إدارةً للأعراض، لا علاجًا للأسباب.

وأضاف “حسني بي” أن جوهر الأزمة يكمن في التسعير الإداري غير الواقعي للدولار، ومنها تنتج فجوة سعرية تغذّي المضاربة، وأول مظاهرها بيع المواطن حقوقه للحصول على بطاقات الأغراض الشخصية بقيمة 2000 دولار مقابل 2000 دينار، في عملية مضاربة مباشرة.

وأشار “بي” إلى أن السوق الموازي ليس انحرافًا سلوكيًا، بل استجابة اقتصادية عقلانية لوجود فرق ربح مضمون (مضاربة) لا يقل عن 25% لكل 2000 دولار تُمنح في شكل أغراض شخصية. ويتبع ذلك المضاربة على الاعتمادات، سواء كانت لأغراض تجارية أو صناعية.

وأوضح أن مصدر الفجوة الأولى يشمل: بيع البطاقة بنسبة 17%، إضافة إلى تكاليف 3%، وهامش فيزا، وعمولات ماكينات سحب العملة التي تتراوح بين 2% و5%، ليبلغ الإجمالي فجوة أولى تُقدَّر بنحو 25%.

وقال “حسني بي” إن هذه الفجوة تتحول تلقائيًا إلى ريع سريع (ضريبة مستترة)، يُموَّل من خلال إضعاف القوة الشرائية للمواطن، ويُعاد توزيعه لصالح قلة، تبدأ بالأغراض الشخصية وتمتد لتجرّ خلفها مضاربة الاعتمادات لأغراض التجارة والصناعة.

وتابع قائلاً إن الفجوة السعرية تمثل ضريبة مستترة يتحملها المستهلك وتستفيد منها القلة، كما أن تحديد هامش ربح للصرافة قد ينظم النشاط الرسمي، لكنه لا يؤثر جوهريًا طالما تتجاوز الفجوة السعرية عشرات النقاط المئوية، حيث تصبح عمولات 2% أو 4% تفصيلًا هامشيًا أمام فرصة مضاربة مضمونة.

وأكد “حسني بي” أن الحظر الإداري لا يُلغي الطلب الحقيقي على الدولار، بل يدفعه إلى الخفاء، ويرفع الكلفة والمخاطر، ويحوّل السوق الموازي إلى نشاط أكثر تعقيدًا، مما يزيد العبء على المواطن بدل تخفيفه، لافتا إلى أنه، رغم امتلاك مصرف ليبيا المركزي أدوات رقابية داخل النظام المصرفي، فإن الرقابة لا تستطيع هزيمة منطق السوق، ولا يمكن منع المضاربة ما دامت تتوافر فرصة خلق فجوة سعرية مفتوحة تشجع عليها.

وخَلَص “بي” إلى أن الدينار الليبي لن يستقر بالقيود ولا بالحظر، بل فقط عبر توحيد سعر الصرف، ومن ثم إزالة الفجوة السعرية، وانخفاض الطلب على العملة لأغراض المضاربة. وفي المقابل، يُوجَّه الإيراد الإضافي لتعويض المواطن مباشرة، فيما يُعرف بعلاوة معيشة، بدل تحميله كلفة سياسات غير مستدامة يدفع ثمنها أضعافًا مضاعفة بسبب المضاربة.

“عمران الشائبي” يكتب: المراحل الستة لتآكل القوة الشرائية وانهيار العملة

كتب: د.عمران الشائبي/ الخبير المصرفي

‎يمكن تتبع الدورة الاقتصادية لانهيار العملة المحلية من خلال مراقبة الفجوات السعرية وتوفر السيولة عبر المراحل التالية:

1. مرحلة التطابق الكامل: تتميز باستقرار تام، حيث يتطابق سعر الصرف الرسمي مع الفعلي. تتساوى قيمة النقد (الكاش) مع الأدوات المصرفية (صكوك/بطاقات)، وتتوفر العملة الأجنبية نقداً وحوالات بلا قيود.

2. مرحلة الازدواجية السعرية: يبدأ الانفصال بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي. ورغم اختلاف سعر الصرف، تظل قيمة “أداة الدفع” متساوية، فلا فرق بين الدفع نقداً أو عبر التحويل البنكي.

3. مرحلة تمايز وسائل الدفع: تتسع الفجوة، وتظهر سوق متعددة المستويات. يختلف السعر الرسمي عن الموازي، وفي الموازي نفسه تصبح قيمة “الكاش” أعلى من قيمة “الصكوك” أو التحويلات (خصم قيمة مقابل تسييل الأموال).

4. مرحلة الانحصار النقدي: تتعطل وظيفة المصارف في صرف النقد الأجنبي، ويقتصر دورها على الحوالات والبطاقات. ينحصر توافر “الكاش” الأجنبي حصرياً في السوق الموازي، مع اتساع الهوة بين سعر النقد وسعر الصكوك.

5. مرحلة التسعير الأجنبي الجزئي: يبدأ التجار بتسعير السلع المستوردة (كالإلكترونيات) بالدولار. يُقبل الدفع بالعملة المحلية بناءً على سعر السوق الموازي المتغير لحظياً، والذي يتفاوت بشدة بناءً على طريقة الدفع (نقد/شيك) واسم المصرف المسحوب عليه.

6. مرحلة الدولرة الشاملة: تفقد العملة المحلية وظيفتها تماماً، ويتم تسعير كافة السلع والخدمات بالدولار. يُرفض التعامل بالنقد المحلي إلا في المعاملات الحكومية الرسمية. تنتهي هذه المرحلة عادةً باعتراف رسمي بالانهيار وتعديل سعر الصرف ليعادل الأرقام الفلكية للسوق الموازي.

بين كل مرحلة ومرحلة يتم تغيير سعر الصرف الرسمي ويكون الانتقال بين مرحلة واخرى قريب بسبب عدم تناغم السياسة النقدية مع السياسة المالية والاقتصادية

والحل الوحيد للتراجع هو في توحيد المؤسسات الحكومية وتناغم السياسات الثلاثة وميزانية موحدة لحكومة واحدة.

حيث نلاحظ ان تجار الالكترونات بالفعل بدءوا بتسيعر بضائعهم بالدولار مما يعني أننا قد دخلنا المرحلة الخامسة.

مصرف ليبيا المركزي يعلن عن قرب استئناف العمل بمنظومة الاغراض الشخصية وستكون الحصة 2000 دولار

أعلن مصرف ليبيا المركزي الحصول على موافقة الجهات الدولية لاستيراد 600 مليون دولار شهرياً وبشكل نقدي بجهود من المحافظ وثقة المجتمع الدولي في المصرف المركزي، وذلك بعد أكثر من 15 سنة.

كما أعلن المصرف المركزي عن قرب استئناف العمل بمنظومة الاغراض الشخصية وستكون الحصة 2000 دولار مبدئياً من المركزي مباشرة ويستطيع المواطن سحبها كاش عبر المصارف وشركات ومكاتب الصرافة المرخص لها والتي أصبحت جاهزة بمنظوماتها للعمل، وسيمنح المركزي الدولار “كاش”.

أما لمن يرغب في الحصول على عملة صعبة خارج مخصص الاغراض الشخصية والعلاج والدراسة سيمنح الإذن لهم للشراء من شركات ومكاتب الصرافة بسقف من 8000 إلى 10000 دولار سنوياً.

وأضاف مصرف ليبيا المركزي بأن الضوابط والتعليمات الخاصة بمزاولة نشاط الصرافة هي وفق معايير منع ممارسات غسل وتمويل الارهاب، بتعليمات صارمة تعرض المخالفين منها لسحب تراخيصها واغلاقها على الفور بتعاون الجهات المختصة في الدولة.

وأشار “المركزي” إلى أنه سيتم منح شركات الصرافة تحويلات سويفت لصغار التجار من حساباتها التي سيتم تغطيتها بالعملة الاجنبية من المركزي او من عمليات شراء العملة من الأفراد والشركات  وغير المقيمين.

“حسني بي”: مصرف ليبيا المركزي بين المطرقة والسندان

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

الإطار العام للأزمة

يقف مصرف ليبيا المركزي اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد، أقرب ما تكون إلى وضع “بين المطرقة والسندان”، في ظل اختلالات هيكلية عميقة لا يمكن تجاوزها بإجراءات شكلية منها الاستمرار بسياسات “السعر الثابت” والذي ثبت فشله على مدار سبعة عقود.
المطرقة تتمثل في منظومة تمويل عام منفلتة ثلاثية الأبعاد تشمل: بند مرتبات متضخم وغير مرتبط بالإنتاجية “70 مليار دينار” ومنظومة دعم واسعة وغير مستهدفة ومرتفعة الكلفة “98 مليار دينار” محروقات” و”18 مليار” بنود مختلفة من الدعم، وإنفاق تسييري “14 مليار” وتنموي مفتوح السقف يتعدى “60 مليار دينار”.
كل ذلك يُموَّل، في جزء كبير منه لا يقل عن 93%، عبر التوسع في خلق النقود دون غطاء حقيقي من إنتاج أو نمو اقتصادي.
أما السندان فيتمثل في محاولة تغطية هذا الإنفاق الضخم عبر إيرادات دولارية يجب أن تشكل نحو 93% من مصادر تمويل الإنفاق العام، وهي إيرادات أحادية المصدر، شديدة التقلب، ارتفاع تكاليف الإنتاج، وخاضعة لعوامل خارجية لا يمكن التحكم بها داخليًا.
اقتصاديًا، تُعد هذه المعادلة مستحيلة التوازن، إذ لا يمكن تحقيق استقرار مالي أو نقدي في ظل: إنفاق مرتفع ومفتوح، وإيرادات أحادية ومتقلبة، وتمويل نقدي مباشر أو غير مباشر للعجز، وغياب الأدوات النقدية مثل الفوائد.
وفي هذا السياق، لا يُعد تعديل سعر الصرف خيارًا تفضيليًا أو إصلاحًا جذريًا، بل يتحول إلى أداة اضطرارية ملزمة لمحاولة إعادة توازن شكلي بين الإيرادات والإنفاق، دون معالجة جوهر الخلل القائم.

قرار تعديل سعر الصرف نتيجة حتمية لا خيار سياسي
إن خفض سعر صرف الدينار بنحو 14%، من 5.40 إلى 6.35 دينارًا للدولار، مع إلغاء الضريبة المفروضة على النقد الأجنبي، جاء نتيجة طبيعية، وإن كانت متأخرة، لمسار من السياسات المالية غير المستدامة التي طبقت خلال الفترة ما قبل 2004 ومن 2015 إلى 2020، وتكرر عام 2023 والربع الأول من عام 2024، وعلى رأسها اللجوء إلى خلق النقود من العدم لتمويل الإنفاق العام، بدل معالجة الخلل في حينه عبر تصحيح شفاف ومباشر لسعر الصرف.
ورغم ما شهدته الاحتياطيات الأجنبية والذهب من نمو ملحوظ خلال الفترة من 2018 وحتى 2023 ، فإن تراجع القوة الشرائية للدينار أكد حقيقة اقتصادية أساسية مفادها أن: نمو الاحتياطيات لا يعني بالضرورة قوة الاقتصاد، ولا يعكس تلقائيًا متانة العملة الوطنية، إذا لم يكن مدعومًا بسياسات مالية منضبطة وهيكل إنفاق مستدام.
القيمة الحقيقية للدينار لا تُقرر إداريًا، بل يحددها السوق باعتبارها انعكاسًا مباشرًا للسياسات المالية والتجارية، وتحديدًا لمعادلة الإيرادات العامة مقابل الإنفاق العام.

من يتحمّل الكلفة الحقيقية؟
من المهم تصحيح فهم اقتصادي شائع يتم الترويج له في النقاش العام، وهو الاعتقاد بإمكانية تحميل كلفة القرارات الاقتصادية لطرف دون آخر.
الحقيقة الاقتصادية الواضحة هي أن: جميع أوجه الإنفاق، وجميع الضرائب والرسوم سواء كانت إنتاجا أو استهلاك أو مبيعات، وجميع تخفيضات سعر الصرف تتحمل كلفتها النهائية القاعدة العريضة من المواطنين بل جميع المواطنين.
اقتصاديًا: لا توجد حكومة “تخسر” فعليًا على المدى المتوسط والطويل والخاسر دوما هو الشعب، ولا يوجد تاجر يتحمل الخسارة النهائية، ولا توجد فئة محددة من الشعب تدفع الكلفة وحدها دون العامة، فالاقتصاد يعيد توزيع أي عبء عبر آلياته الطبيعية على المجتمع بأكمله وبدون استثناء فرد من خلال: ارتفاع الأسعار، والتضخم، وتآكل القوة الشرائية، وتراجع مستوى المعيشة.
وأي خسارة يتحملها طرف ما، يتم تمريرها تلقائيًا إلى بقية الاقتصاد، لأن السوق في النهاية يعيد تحميلها على الأغلبية.

هوامش بيع العملة (2% أو 4%) “تحديد الدور الحقيقي”

ما يُعرف بهوامش بيع العملة عبر شركات ومكاتب الصرافة يُساء فهمه غالبًا، فهذه الهوامش: ليست سياسة تسعيرية، ولا أداة فعالة لضبط السوق، ولا تمثل إصلاحًا نقديًا بحد ذاتها، بل هي ببساطة تكلفة خدمة مرتبطة بآلية التنفيذ والتوزيع، يبقى السوق، لا الهامش الإداري، هو المحدد الحقيقي للسعر.
وعليه، إذا استمر: اختلال التوازن بين العرض والطلب، أو استمر التوسع في خلق النقود، فلن يمنع أي هامش رسمي، سواء 2% أو 4%، نشوء سعر فعلي آخر خارج الإطار الرسمي.

تخفيض سعر الصرف أو الضرائب

كما أن الفجوة السعرية بين الرسمي والسوق وحرق الصكوك تعتبر ضرائب مقنّعة، من منظور اقتصادي صرف يُعد تخفيض سعر الصرف شكل من أشكال الضرائب، كما تُعد الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وحرق الصكوك ضريبة مقنعة وغير معلنة.
الاختلاف الجوهري لا يكمن في الأثر، بل في الجهة التي تتحصل على العائد، ففي حالة الفجوة السعرية وحرق الصكوك، قد يكون المستفيد فردًا أو جماعة، خاصة كانت أم جهة عامة تحصلت على ملايين الدولارات، أو فردا حصل على تخصيص عملة أجنبية “2000 دولار”.
في حالة الرسم أو الضريبة الرسمية، يكون المستفيد هو الخزانة العامة ولكن جميعها لها تاثير سلبي وتضخمي، وفي كلتا الحالتين، يبقى المواطن هو الدافع النهائي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

الخلل في سعر الصرف.. نتيجة لا أصل الأزمة

إن اختلال سعر الصرف والفجوة السعرية ليست سبب الأزمة الاقتصادية، بل نتيجة مباشرة لاختلالات أعمق في السياسات المالية، وهيكل الإنفاق، ونمط تمويل العجز.
وما لم تتم معالجة هذه الجذور، فإن تغيير سعر الصرف، أو فرض رسوم إضافية، أو تعديل هوامش بيع، ستبقى جميعها إجراءات إدارية لإدارة الأزمة، لا حلولًا حقيقية لها.

خلاصة

إن تعديل سعر الصرف في ليبيا اليوم ليس إصلاحًا اقتصاديًا شاملًا، ولا يمثل حلًا جذريًا للأزمة، بل هو أداة اضطرارية فرضتها معادلة مالية ونقدية غير قابلة للاستمرار.
وطالما استمر الإنفاق العام المنفلت، والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات الدولارية، وتمويل العجز عبر خلق النقود، فإن أي كلفة جديدة ستُنقل حتمًا إلى المواطن، وسيبقى سعر الصرف مهما تغيّر مجرد مرآة تعكس اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد.
إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يتوازن الإنفاق مع الإيرادات الحقيقية، ويتوقف خلق النقود خارج الأطر السليمة، وتُدار الموارد العامة بسياسات واقعية لا شعاراتية، ويكون هدف السياسة الاقتصادية واضحًا ومحددًا في: تحقيق نمو اقتصادي حقيقي، واستقرار مالي ونقدي، وتحسين فعلي ومستدام لمعيشة المواطن.