“حسني بي”: تأجيل الإصلاح ليس سياسة اجتماعية.. وتمويل الاستهلاك والتهريب باسم العدالة الاجتماعية ليس عدالة

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
أثار النقاش حول التجربة المصرية في إصلاح الدعم سؤالاً مشروعاً: هل ينبغي لليبيا أن تتعلم من تجربة دولة اضطرت تحت ضغط أزمتها المالية وشروط التمويل الخارجي إلى تخفيض الدعم وتحرير سعر الصرف واتخاذ إجراءات مالية ونقدية قاسية؟ الإجابة، في تقديري، نعم؛ ولكن ليس بالضرورة لكي نقلد ما فعلته مصر، بل لكي نتجنب الوصول إلى الظروف التي أجبرتها على القيام به.
فالقول إن مصر لم تكن مخيّرة وإنما اضطرت إلى الإصلاح تحت ضغط صندوق النقد الدولي قد يكون صحيحاً في جانب مهم منه، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: لماذا وصلت دولة إلى مرحلة أصبحت فيها مجبرة على اتخاذ قرارات كان يمكن تصميمها وتنفيذها بصورة أفضل لو اتُخذت في وقت أبكر؟ الإكراه لا يثبت خطأ الإصلاح، بل قد يكون نتيجة سنوات طويلة من تأجيله.
ليبيا ليست مصر
المقارنة المباشرة بين البلدين قد تقود إلى استنتاجات خاطئة. مصر دولة يتجاوز سكانها المئة مليون نسمة، تعتمد بدرجة كبيرة على موارد محلية وضرائب واقتراض داخلي وخارجي، وتحمل رصيداً كبيراً من الدين وخدمته، كما تحتاج إلى تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية.
أما ليبيا فهي دولة نفطية قليلة السكان نسبياً، تحصل الدولة فيها على معظم إيراداتها الخارجية من النفط والغاز، وتمتلك احتياطيات وأصولاً أجنبية كبيرة. لذلك فإن ليبيا ليست اليوم مضطرة إلى إصلاح الدعم للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي. نحن نستطيع أن نصلح بإرادتنا وبمواردنا. وهذا تحديداً ما يجعل تأجيل الإصلاح أكثر صعوبة في التبرير.
الدعم الحالي ليس كله دعماً للمواطن
عندما تبيع الدولة سلعة بأقل كثيراً من تكلفتها، فإن الفرق بين التكلفة والسعر لا يذهب بالضرورة إلى المواطن بالتساوي. من يستهلك أكثر يحصل على دعم أكبر. ومن يمتلك عدة سيارات يستفيد أكثر ممن لا يمتلك سيارة. والنشاط الذي يستهلك كميات كبيرة من الطاقة يحصل على نصيب أكبر من الأسرة محدودة الدخل. والوقود الذي يُهرّب خارج الحدود يحمل معه جزءاً من الدعم الذي دفعته الخزانة الليبية.
وبالتالي، فإن دعم السعر ليس هو نفسه دعم المواطن. بل إن الدعم السلعي المفتوح يمكن أن يتحول، كلما اتسعت الفجوة بين السعر المدعوم والقيمة الاقتصادية الحقيقية للسلعة، إلى ريع. والريع يولد حافزاً للحصول عليه، وإعادة بيعه، وتهريبه، والتحايل على منظومة توزيعه. كلما اتسعت الفجوة السعرية، ازدادت قيمة هذا الريع وازدادت معها الحوافز للاستحواذ عليه. وهذه ليست حماية اجتماعية.
الأمر نفسه ينطبق على الدولار
المشكلة لا تقتصر على الوقود والكهرباء والسلع المدعومة. لدينا صورة أخرى من الريع تتمثل في الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية. عندما يستطيع شخص الحصول على الدولار بسعر رسمي أدنى كثيراً من قيمته في السوق، فهو يحصل فعلياً على منفعة مالية مصدرها الدولة.
وكلما اتسعت الفجوة بين السعرين، أصبحت إمكانية الوصول إلى الدولار الرسمي في حد ذاتها مورداً للربح. فتنشأ سوق للامتيازات بدلاً من سوق للإنتاج. ويصبح السؤال الاقتصادي بالنسبة للبعض ليس: ماذا أُنتج؟ بل: كيف أصل إلى السلعة أو الدولار بالسعر المدعوم ثم أحقق قيمة الفارق؟ وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الاقتصاد الريعي: يصبح الوصول إلى الريع أكثر ربحية من خلق القيمة.
البديل ليس إلغاء الدعم وترك المواطن
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً. الدعوة إلى إصلاح الدعم لا تعني أن تستيقظ الأسرة الليبية في صباح اليوم التالي لتجد الوقود والكهرباء والسلع الأساسية بأسعارها الاقتصادية، بينما بقي دخلها كما هو. ذلك ليس إصلاحاً، وإنما نقل مفاجئ للتكلفة من الدولة إلى المواطن.
الإصلاح الذي أدعو إليه يقوم على مبدأ مختلف: لا تدعم السلعة؛ ادعم المواطن. إذا كانت الدولة تنفق مليارات الدنانير سنوياً لدعم استهلاك الليبيين، فليتحول الجزء المستحق للمواطن إلى دخل نقدي مباشر وشفاف. يُدفع التعويض أولاً، ثم تبدأ الأسعار في التحرك تدريجياً نحو تكلفتها الحقيقية. بهذه الطريقة، تصبح الأسرة التي ترشد استهلاكها مستفيدة من الإصلاح بدلاً من أن تكون ضحيته. أما من يستهلك كميات كبيرة، فيتحمل تكلفة استهلاكه الإضافي. والأهم أن الدولة تتوقف عن دعم السلعة التي يمكن أن تُهرّب، وتبدأ في دعم الإنسان الذي لا يمكن تهريبه.
العدالة ليست أن يحصل الجميع على السلعة الرخيصة
العدالة الاجتماعية لا تعني بالضرورة مساواة الجميع في سعر منخفض مصطنع. فالأسرة ذات الدخل المحدود والرجل الثري والشركة والجهة الحكومية والمهرب لا ينبغي أن يحصلوا جميعاً على الدعم نفسه لمجرد أنهم استطاعوا الوصول إلى السلعة.
العدالة الحقيقية هي أن تصل موارد الدولة إلى المواطن بطريقة واضحة وعادلة، وأن يحصل محدود الدخل على حماية أكبر، وأن يتحمل القادر تكلفة أكبر من استهلاكه، وهنا يصبح التحويل النقدي أكثر قابلية للقياس والمراجعة من دعم السعر. نعرف كم دفعت الدولة. ونعرف لمن دفعته. ويستطيع المواطن أن يعرف نصيبه. ويستطيع المجتمع أن يحاسب الحكومة على قيمته.
لا يكفي إصلاح الدعم وحده
وفي المقابل، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن تحويل الدعم إلى نقد يحل الأزمة الاقتصادية الليبية بمفرده. الإصلاح يجب أن يشمل أيضاً سعر الصرف، والإنفاق العام، وخلق النقود، وكفاءة القطاع العام، وبيئة القطاع الخاص، وإنتاج النفط والغاز والكهرباء، ومكافحة الاحتكار والتهريب والفساد.
فلا معنى لرفع أسعار الطاقة ثم تمويل عجز الخزانة بطباعة المزيد من الدنانير. ولا معنى لتعويض المواطن نقدياً ثم ترك التضخم يلتهم التعويض. ولا معنى لإصلاح سعر الوقود مع الإبقاء على فجوة سعر صرف تخلق ريعاً أكبر في مكان آخر. الإصلاح منظومة مترابطة، وليس قراراً منفرداً.
الدرس المصري الحقيقي
لذلك فإنني أقرأ التجربة المصرية بطريقة مختلفة. نعم، كانت هناك إجراءات مؤلمة. ونعم، تضررت القوة الشرائية وارتفعت تكاليف المعيشة والإنتاج. ولا ينبغي التقليل من الأثر الاجتماعي لذلك. ولكن الدرس الذي ينبغي أن تستخلصه ليبيا ليس أن الإصلاح خطر ويجب تجنبه. بل إن تأجيل الاختلالات حتى تصبح الدولة محتاجة إلى التمويل الخارجي يفقدها جزءاً كبيراً من قدرتها على اختيار متى وكيف وبأي سرعة تصلح اقتصادها.
ليبيا لا تزال تمتلك هذه المساحة من الاختيار. لدينا النفط. ولدينا الغاز. ولدينا احتياطيات وأصول أجنبية. ولدينا عدد سكان يسمح بأن يكون نصيب الفرد من الثروة الوطنية مرتفعاً إذا أُديرت بكفاءة. ولذلك علينا أن نستخدم هذه القوة المالية لإجراء الإصلاح قبل أن تتحول الوفرة إلى أزمة، وليس بعد ذلك.
من دعم الأسعار إلى دعم الإنسان
المطلوب في النهاية تغيير فلسفة الدولة الاقتصادية. بدلاً من دولة تقول للمواطن: سأعطيك دولاراً رخيصاً، ووقوداً رخيصاً، وكهرباء شبه مجانية، وسلعاً مدعومة؛ نحتاج إلى دولة تقول: هذه حصتك العادلة من الثروة العامة، وسأدفعها لك بصورة مباشرة وشفاف، ثم أترك الأسعار تعكس التكلفة الحقيقية وأفتح المجال للإنتاج والمنافسة والاستثمار. عندها فقط نبدأ الانتقال من اقتصاد يقوم على اقتسام الريع إلى اقتصاد يكافئ الإنتاج.
الخوف على المواطن مبرر، بل واجب. ولكن حماية المواطن لا تكون بحماية منظومة تنتج الهدر والتهريب والامتيازات، ثم نسمي ذلك عدالة اجتماعية. تأجيل الإصلاح ليس سياسة اجتماعية. واستمرار الريع الناتج عن فجوة سعر الصرف ودعم أسعار المواد بدلاً من الدعم النقدي المباشر للمواطن هو تمويل للاستهلاك والهدر والتهريب من المال العام.
والأهم: لا يجوز أن نسمي استمرار هذا الوضع عدالة اجتماعية؛ لأن العدالة الحقيقية هي أن يصل الدعم إلى المواطن، لا إلى السلعة، وأن تصل الثروة إلى أصحابها، لا إلى من يملك القدرة الأكبر على اقتناص فارق السعر.



