“الساروي”: ليبيا بين تفكيك المؤسسات ومأزق التشظي.. قراءة استراتيجية في كتاب “إصلاح الدول الفاشلة”
كتب: أبوعجيلة الساروي – المتابع للشأن الاقتصادي والسياسي الليبي
الإطار النظري: جدلية “الكفاءة المؤسسية” و”السيادة”
شغل سؤال “بناء الدولة” الفكر السياسي الحديث لعقود، لكنه تحول في القرن الحادي والعشرين من ترف نظري إلى ضرورة وجودية ملحة، خاصة مع تزايد رقعة “الدول الهشة والفاشلة” عقب نهاية الحرب الباردة. في هذا السياق، يأتي كتاب “إصلاح الدول الفاشلة: إطار عملي لإعادة بناء عالم منقسم” (2008) لمؤلفيه؛ الاقتصادي والرئيس الأفغاني الأسبق أشرف غني، والباحثة البريطانية كلير لوكهارت، كدليل عملي يستند إلى التجربة الميدانية لا التأمل المجرد.
وينطلق الكتاب من فرضية مركزية: أن فشل الدول ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج مباشر لعجز النظم السياسية عن مأسسة وظائفها الجوهرية، وتحول المجتمع الدولي من شريك في “بناء القدرات” إلى وكيل “إغاثة مؤقتة”. وعند نقل هذه العدسة التحليلية إلى الفضاء الليبي، تبرز الدولة كواحدة من أكثر الحالات إلحاحاً للدراسة؛ حيث تنقلت ليبيا عبر خمسة عقود بين طورين من الهشاشة: طور “التفكيك الممنهج للمؤسسات”، وطور “التشظي والسيادات المتوازية”.
وإن أخطر ما يواجه الدول التي تمر بمراحل انتقالية مطولة هو اعتياد الفوضى وتحول الجمود السياسي إلى بيئة استثمارية لطبقات ريعية مستفيدة. في الحالة الليبية، يتجاوز تشخيص الأزمة مجرد الخلاف على السلطة بين النخب، إلى أزمة وجودية أعمق تتعلق بـ”مفهوم الدولة” ذاته وجدلية كفاءتها المؤسسية.
يأتي هذا المقال ليشرح كيف تنقلت ليبيا طيلة العقود الخمسة الماضية من طور “الجمهورية اللامؤسساتية” إلى طور “التشظي والسيادات المتوازية”. لا يكتفي المقال برصد مظاهر الفشل البنيوي والاقتصادي المتمثل في ريعية الدولة وتسييس مؤسساتها المالية، بل يغوص في العمق السلوكي والسوسيولوجي للصراع، مستشرفاً السيناريوهات المستقبلية ومقدماً بدائل استراتيجية قادرة على كسر مأزق الانسداد السياسي الراهن.
الهندسة العكسية للدولة: تشريح خمسة عقود من الهدم البنيوي في ليبيا
يرى غني ولوكهارت أن الدولة تصبح فاشلة عندما تفقد “احتكارها المشروع لوسائل العنف” وتعجز عن أداء وظائفها الجوهرية. بتطبيق هذا المنظور على التاريخ الليبي المعاصر، نجد أننا أمام “هندسة عكسية” أدت لتآكل الدولة عبر مرحلتين تراكميتين:
أ. مرحلة “اللا دولة” وجماهيرية الفراغ المؤسسي (1969 – 2011)
على مدى أربعة عقود، تبنى نظام معمر القذافي فلسفة سياسية تقوم على إلغاء مؤسسات الدولة التقليدية (الدستور، البرلمان، الجيش النظامي العقائدي، والجهاز الإداري المستقل) واستبدالها بهياكل مرنة ولجان شعبية. كان هذا التطبيق عملياً هو إلغاء لـ”مؤسسات الدولة” وصهرها في سلطة الفرد والقبيلة والأجهزة الأمنية الموازية. ونتيجة لذلك، دخلت ليبيا عام 2011 وهي تعاني من “أنيميا مؤسسية” حادة، دون تقاليد إدارية راسخة يمكن البناء عليها.
ب. مرحلة “التشظي والسيادات المتوازية” (2011 – 2026)بعد سقوط النظام، تحول الفراغ المؤسساتي إلى انفجار أمني. فقدت الدولة احتكار العنف لصالح الميليشيات والتشكيلات الجهوية والمناطقية. غياب “الهوية القانونية الموحدة” وسيادة القانون أدى إلى نشوء حكومتين ومصرفين مركزيين ومؤسسات موازية، وهو ما يطابق تشخيص الكتاب لـ”دائرة الفشل المفرغة” الناتجة عن النزاعات المسلحة والانقسام الاجتماعي.
التحليل السلوكي والسوسيولوجي للاستعصاء الليبي
لفهم سبب استمرار هذا الانسداد طيلة السنوات الماضية، يجب تجاوز التشخيص السطحي والولوج إلى عمقين استراتيجيين:
أ. مأزق السجين والانسداد السياسي (منظور توماس شيلينغ)
تُظهر نظرية الألعاب (Game Theory)، وتحديداً “مأزق السجين” الذي طوره المفكر الاستراتيجي توماس شيلينغ، تفسيراً دقيقاً لفشل الاتفاقيات السياسية الليبية المتعاقبة. تدرك الأطراف المتصارعة نظرياً أن السلام والاستقرار هما الخيار الأفضل للجميع، لكن غياب الثقة المتبادلة وعدم وجود ضمانات مؤسسية صارمة يدفع كل طرف إلى اختيار سلوك عقلاني من منظور فردي، ولكنه كارثي من منظور جماعي، وهو: الاستمرار في التحشيد المسلح والسيطرة على المقدرات خوفاً من غدر الطرف الآخر. بناءً على ذلك، فإن التسويات الفوقية المبنية على حسن النوايا محكومة بالفشل ما لم تُصمم آليات إلزام مؤسسية خارقة تجعل تكلفة خرق الاتفاق أعلى بكثير من تكلفة الالتزام به.
ب. الخلدونية الجديدة وتحالف عصبية المال والسلاح
عند دمج رؤية الكتاب السوسيولوجية بالواقع الليبي، نجد تجلياً واضحاً لـ”الخلدونية الجديدة”. لقد تحولت العصبية التقليدية (القبلية أو الجهوية) في ليبيا المعاصرة إلى عصبية مصلحية مركبة هجينة، تدمج بين سلطة السلاح (الميليشيات) وسلطة المال (الوصول إلى اعتمادات المصرف المركزي، والإنفاق العام، والتهريب). تشكلت على إثر ذلك طبقة ريعية مصلحية وجودها مرتبط باستدامة الفوضى؛ إذ إن قيام دولة مؤسسات فعالة وشفافة يعني تلقائياً تجفيف منابع تمويل هذه العصبيات المركبة وتفكيك نفوذها.
نقد المقاربات الدولية: متلازمة “إسقاط الأنظمة دون بناء الدول”
يوجه مؤلفا الكتاب نقداً لاذعاً للمجتمع الدولي، مؤكدين أن إسقاط الأنظمة لا يعني بناء دول جديدة. هذا النقد ينطبق بدقة متناهية على التدخل الدولي في ليبيا عام 2011 وما تلاه:
أ-عقدة اليوم التالي: ركز حلف الناتو والمجتمع الدولي على الشق العسكري (إسقاط النظام)، ثم انسحب تاركاً البلاد دون استراتيجية حقيقية لنزع سلاح الميليشيات وتسريحها وإعادة دمجها.
ب- نهج إدارة الأزمة لا حلها: تعاملت البعثات الدولية والمانحون مع الأزمة الليبية عبر مسارات سياسية فوقية (تقاسم السلطة بين النخب) أو إغاثية مؤقتة، متجاهلين جذور المشكلة المتمثلة في إعادة بناء الجهاز الإداري والقضائي والأمني للدولة. تحولت ليبيا في نظر المجتمع الدولي إلى مجرد ملف ديمغرافي وأمني (مكافحة إرهاب، هجرة غير شرعية، تأمين تدفق النفط) بدلاً من التعامل معها كمجتمع سياسي يحتاج إلى إعادة بناء شاملة.
اختبار “الوظائف العشر” في البيئة الريعية والمالية الليبية
يقدم الكتاب (عشر وظائف أساسية) للدولة الحديثة، يرتبط الفشل في إحداها بانهيار البقية. وفي الحالة الليبية، تبرز أزمة الاقتصاد الريعي وغياب الحوكمة المالية كعائق بنيوي عطّل هذه الوظائف:
على سبيل المثال، يوضح الكتاب أن التنمية تتطلب اقتصاداً منتجاً ومؤسسات مالية شفافة. وفي ليبيا، طيلة العقود الضائعة، اعتمدت الدولة كلياً على ريع النفط، مما حوّلها من خادم للمواطن عبر الضرائب إلى موزع للمكافآت والرواتب. وإن انقسام المصرف المركزي والتشوه في السياسات النقدية وأسعار الصرف، وغياب تفعيل معايير الحوكمة الرشيدة وإدارة المخاطر، أدى إلى تفاقم الدين العام الموازي وهدر الأصول. بالتعاون مع غياب الإدارة المالية القائمة على معايير التدقيق الدولية الصارمة حوّل المؤسسات السيادية المالية (المصرف المركزي، المؤسسة الوطنية للنفط، المصرف الخارجي) من أدوات استقرار اقتصادي إلى ساحات صراع مسلح وسياسي للسيطرة على العوائد.
كما تحول الصراع السياسي إلى صراع على غنائم النفط بدلاً من التنافس على تقديم الخدمات (التعليم، الصحة، البنية التحتية). هذا الأمر دمر وظيفة تحفيز الاقتصاد وخلق فرص العمل، وجعل التوظيف الحكومي المقنع أداة لشراء الولاءات، مما أفرغ وظيفة المواطنة من معناها القانوني والتنموي.
مصفوفة الإسقاط الاستراتيجي: وظائف الدولة بين الأطروحة النظرية والواقع الليبي
لتسهيل فهم هذا التداخل البنيوي، تلخص مصفوفة المقاربة التالية الفجوة بين النموذج المثالي للكتاب والواقع المرير أو المتأزم في ليبيا:وظائف الدولة العشر (غني & لوكهارت)
واقع الدولة الليبية خلال (خمسة عقود)
النتيجة والمخرجات الاستراتيجية
1- توفير الأمن واحتكار العنف
تآكل الجيش النظامي سابقاً، وانتشار التشكيلات المسلحة والميليشيات حالياً
غياب مفهوم الأمن القومي الموحد، وتعدد مراكز القرار الأمني
2- سيادة القانون والعدالة
تسييس القضاء في مراحل، وعجزه عن ملاحقة قادة المجموعات المسلحة حالياً
غياب الثقة في المنظومة القضائية، واللجوء للحلول العرفية والقبلية
3- إدارة المال العام والضرائب
اعتماد مطلق على النفط (اقتصاد ريعي)، وغياب الجباية والمنظومة الشفافة والمعايير الدولية
انقسام السياسة النقدية، تشوه أسعار الصرف، وتحول المركزي لساحة صراع نفوذ
4- بناء الشرعية والمشاركة
تغييب الدستور والمؤسسات السياسية الراسخة، وحالياً انقسام تشريعي وتنفيذي
أزمة شرعية مزمنة لكل الحكومات المتعاقبة وتأجيل مستمر للانتخابات
5- الهوية القانونية والمواطنة
استخدام الهوية الوطنية كأداة إقصاء أو منح سياسي، وتشظي مجتمعي
ضعف الولاء للدولة المركزية لصالح الولاءات القبلية، الجهوية، أو الأيديولوجية
6- البنية التحتية وإدارة الموارد
تهالك شبكات الكهرباء، الطرق، والمياه رغم الضخ المالي الضخم عبر العقود
هدر مالي ضخم نتيجة الفساد الإداري وغياب الرؤية الهندسية المستدامة
7- تحفيز الاقتصاد وخلق العمل
تضخم القطاع العام (بطالة مقنعة) وشلل القطاع الخاص المستقل
عجز عن خلق اقتصاد معرفي أو صناعي بديل للنفط، وتبعية تامة للمواطن للدولة
8- الخدمات (التعليم والصحة)
تراجع مخيف في جودة التعليم والمنظومة الصحية والاضطرار للعلاج بالخارج
انهيار رأس المال البشري الليبي وزيادة الأعباء الاقتصادية على المواطن
9- الإدارة البيئية المستدامة
إهمال أزمات المياه والتصحر والتغير المناخي، وغياب الأمن الاستباقي للكوارث
تهديدات وجودية مستقبلية تتعلق بالأمن المائي والغذائي (كارثة درنة كمثال)
10- التمثيل الدولي والسيادة
تدخلات إقليمية ودولية سافرة، وارتهان القرار الوطني للمحاور الخارجية
تحول ليبيا من “فاعل” في السياسة الدولية إلى “ساحة لتصفية الحسابات”
الاستشراف الاستراتيجي: تداعيات الاستمرار في الوضع الراهن
إن بقاء ليبيا في حالة اللا حرب واللا سلم الحالية ليس استقراراً مؤقتاً، بل هو حالة من “التعفن المؤسسي الديناميكي” التي تضع مستندات الدولة أمام ثلاثة سيناريوهات مستقبلية:
أ. السيناريو الأول: “الصوملة التدريجية” والتحلل البنيوي (الأكثر ترجيحاً)
لا ينطوي هذا المسار على انهيار عسكري شامل مفاجئ، بل على تآكل بطيء مستمر لهيكل الدولة، حيث تتحول الأطراف المتصارعة إلى سلطات “أمر واقع” محلية، تكرس اللامركزية السلبية (الفدرالية غير المعلنة)، مع تدنٍ خطير في الخدمات الأساسية وتفشي الفساد الإداري.أما اقتصادياً وأمنياً فيشتد الانقسام المالي والتضخم وتآكل قيمة العملة، بينما تترسخ عصبية السلاح والمال، ليصبح الانخراط في التشكيلات المسلحة أو الاقتصاد الجنائي الموازي (التهريب) هو الخيار التوظيفي الأكثر ربحية للشباب على حساب الإنتاج المعرفي والصناعي.
ب. السيناريو الثاني: “الانفجار الكبير” وحافة الهاويةيتحقق هذا السيناريو عند حدوث صدمة حادة تكسر قواعد التوازن المالي أو الأمني الهش (مثل تراجع حاد ومفاجئ في أسعار النفط، أو انسداد تام لتدفقات الإيرادات، أو تحول صراع النفوذ على المصرف المركزي إلى مجابهة صفرية مسلحة). هذا الانهيار يدفع “مأزق السجين” نحو الصدام الشامل، مما يفتح الباب لتدويل كامل للملف وتدخل عسكري خارجي مباشر لتأمين مصالح القوى الإقليمية، مما يهدد الوحدة الترابية للدولة بشكل حتمي.
ج. السيناريو الثالث: “الصحوة المؤسسية” (العقد السيادي)وهو الخيار الإصلاحي القائم على تنامي كتلة تكنوقراطية وطنية مدعومة بوعي شعبي وضغط دولي يفرض آليات إلزام خارقة للعبة تفكك مصالح النخبة المعرقلة عبر عقوبات وحوافز ذكية، للذهاب مباشرة نحو اعتماد قاعدة دستورية دائمة تعقبها انتخابات وطنية توحد شرعية وبنية مؤسسات الدولة وعقيدتها الاقتصادية والأمنية.
ملحق استراتيجي: خارطة الطريق التنفيذية لإعادة بناء الدولة الليبية بمعنى العقد السيادي الليبي
بناءً على مفهوم العقد السيادي الذي يقترحه الكتاب، والحلول النظرية للألعاب الاقتصادية والكلية، يمكننا طرح خارطة طريق تنفيذية ثلاثية الأبعاد للخروج من الانسداد الليبي الحالي:
أولاً: مسار هندسة الأمن الاستراتيجي وحل معضلة الميليشيات
1-تأسيس المجلس الأعلى للأمن القومي: هيكل تكنوقراطي موحد يضم القيادات العسكرية من كافة الأقاليم (بناءً على مخرجات لجنة 5+5) لوضع عقيدة عسكرية لحماية الحدود لا المدن.
2-نموذج القوة الاحتياطية القانونية الذكية (الحرس الوطني): التوقف عن النهج التقليدي للدمج الجماعي العشوائي للكتل المسلحة. بدلاً من ذلك، يُقترح فرز فردي بناءً على الكفاءة والقيود الجنائية، وتحويل المجموعات التي يصعب دمجها حالياً إلى قوة احتياطية مدربة قانونياً (حرس وطني أو حرس حدود) تخضع لقيادة تكنوقراطية موحدة وتكلف بمهام تأمين الحدود الشاسعة وحماية المنشآت الحيوية، مع ربط مزاياهم المالية بالانضباط الفردي وتفكيك الهياكل الموازية.
ثانياً: مسار الإصلاح الهيكلي والمالي الشامل
1-إخضاع المؤسسات المالية لمعايير التدقيق الدولية المستقلة: توحيد المصرف المركزي بشكل كامل عبر إنهاء السياسات النقدية المتوازية، وإخضاع ميزانياته وإنفاقه لمعايير الحوكمة الدولية وإدارة المخاطر للتخلص من تشوهات أسعار الصرف والدين العام.
2-تأسيس الصندوق السيادي للتنمية والإعمار (خارج التجاذبات): تودع فيه نسبة ثابتة من عوائد النفط، ويُدار عبر مجلس حوكمة مستقل بمراقبة دولية (ديوان المحاسبة الليبي + بيوت خبرة عالمية) لتمويل البنية التحتية والتحول الرقمي.
3-لامركزية الإدارة المالية: تفعيل دور المحافظات والبلديات في تقديم الخدمات المباشرة، مع ربط ميزانياتها بمؤشرات الأداء والكفاءة، لتخفيف الضغط والتصارع على العاصمة طرابلس وتفكيك عصبية المال المركبة.
ثالثاً: مسار “الشرعية الدستورية والمواطنة”
1-كسر مأزق السجين بآليات إلزام دولية وطنية: صياغة قاعدة دستورية دائمة تحدد شكل الدولة ونظام الحكم، مع وجود ضمانات وعقوبات صارمة (محلية ودولية) تُفرض على أي طرف يحاول الانقلاب على النتائج أو عرقلة الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
2-إعادة هيكلة الوظيفة العامة: إطلاق مشروع وطني لتطهير وإصلاح الجهاز الإداري وتفعيل قانون منظم للقطاع الخاص ليكون الشريك الأساسي في التنمية، مما يرفع عن كاهل الدولة عبء التوظيف السياسي والريعي.
خاتمة استراتيجية: العبرة التاريخية
إن المغزى الفكري النهائي الذي يخرج به قارئ كتاب “إصلاح الدول الفاشلة” والمتابع المتبصر والواعي للمشهد الليبي هو أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية أو التسويات المؤقتة، بل بقدرة الدولة على كسب ثقة مواطنيها من خلال الكفاءة والشرعية والمساءلة.
لقد دفعت ليبيا طيلة العقود الخمسة الماضية ضريبة غياب “المؤسسة”؛ تارة باسم الثورة المستمرة، وتارة باسم الصراع على الغنائم. واليوم، يتضح أن الخروج من التيه الليبي هو سباق استراتيجي مع الزمن لإنقاذ مفهوم الدولة ذاته، قبل أن يتحول التآكل الحالي والتشظي المؤسسي إلى واقع جيوسياسي دائم ومكتمل الأركان لا يمكن الفكاك منه.