كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
مقدمة
الاقتصاد الليبي يعيش منذ سنوات داخل حلقة مفرغة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة:
دعم عيني واسع للمحروقات والطاقة.
فجوة سعرية كبيرة بين السعر الرسمي والموازي للدولار.
تهريب ومضاربة يلتهمان جزءاً ضخماً من الثروة الوطنية.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح الدعم العيني لا يعمل كأداة حماية اجتماعية، بل تحول عملياً إلى آلية لإعادة توزيع الثروة من الدولة إلى شبكات التهريب والمضاربة والاستهلاك المفرط.
ومن هنا يبرز مقترح الاستبدال النقدي الكامل والفوري للدعم، ليس كخيار تجميلي أو إصلاح تدريجي بطيء، بل كقرار اقتصادي جذري يهدف إلى وقف النزيف فوراً.
أولاً: جوهر الفكرة الاقتصادية
الاستبدال النقدي لا يعني خلق أموال جديدة أو إضافة إنفاق عام جديد، بل يعني فقط تغيير طريقة الإنفاق. فالدولة اليوم تدفع فعلياً القيمة الحقيقية للمحروقات بالدولار أو بما يعادله من النفط والغاز، سواء شعر المواطن بذلك أم لا.
وبالتالي:
الدعم الحالي ليس مجانياً.
المحروقات الحالية ليست “رخيصة اقتصادياً”.
المواطن يستهلك اليوم طاقة مدفوعة فعلياً من المال العام ومن احتياطيات الدولة الدولارية.
وعند تحويل هذا الدعم إلى نقد مباشر:
لا تتم إضافة كتلة نقدية جديدة بالضرورة.
لا يرتفع عرض النقود تلقائياً.
لا يحدث تضخم نقدي دائم إلا إذا تم تمويل عجز جديد بطباعة نقود.
وهذا هو جوهر النقطة النقدية الأساسية.
ثانياً: لماذا الاستبدال التدريجي غير فعّال؟
الرؤية المؤيدة للقرار الفوري ترى أن التدرج يحمل مشكلة هيكلية خطيرة؛ لأنه لا يحقق الصدمة الكافية لتغيير السلوك الاقتصادي.
1️⃣ التدرج لا يوقف التهريب:
المهرب لا يعمل بهوامش ربح صغيرة، بل بفجوات سعرية ضخمة. طالما بقي الوقود الليبي أرخص بكثير من سعره الحقيقي أو الإقليمي، فإن التهريب سيستمر، حتى لو ارتفع السعر تدريجياً.
أي أن:
التدرج يقلل الدعم جزئياً، لكنه لا يقتل اقتصاد التهريب، ولا يوقف شبكات المضاربة.
وبالتالي تبقى الدولة تخسر مليارات الدولارات سنوياً خلال سنوات “التدرج”.
2️⃣ التدرج لا يغيّر سلوك الاستهلاك:
عندما تكون الزيادة طفيفة ومتدرجة:
لا يشعر المستهلك بالتكلفة الحقيقية للطاقة، ولا يحدث ترشيد جذري للاستهلاك، ولا يتغير نمط استخدام الوقود والكهرباء.
أما عند الوصول الفوري للسعر الحقيقي:
يصبح المواطن واعياً فوراً بقيمة الاستهلاك، ويتحول الترشيد إلى سلوك اقتصادي طبيعي، وينخفض الهدر تلقائياً.
3️⃣ التدرج يطيل عمر الفجوة السعرية:
الفجوة الحالية بين السعر الرسمي والموازي للدولار تولد أرباح مضاربة ضخمة. ووفق الأرقام المطروحة:
المصرف المركزي يبيع الدولار بنحو 6.35 د.ل.
بينما السوق يطلبه قرب 8.20 د.ل.
الفارق يقارب 1.95 د.ل لكل دولار.
وعند حجم طلب يتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، فإن اقتصاد المضاربة الناتج عن الفجوة قد يتجاوز 39 مليار دينار سنوياً. أي أن الاقتصاد الليبي يخسر فعلياً ما يقارب 10% من حركة الدينار السنوية بسبب الفجوة والمضاربة؛ لذلك، فإن الإبقاء التدريجي على الدعم يعني عملياً الإبقاء التدريجي على اقتصاد المضاربة والتهريب.
ثالثاً: لماذا لا يُعتبر القرار الفوري تضخماً جامحاً؟
الاعتراض الرئيسي يقول إن ضخ الدعم النقدي سيخلق تضخماً ضخماً، لكن هذا الطرح — وفق الرؤية المقدمة — يتجاهل حقيقة مهمة: أكثر من 80% من قيمة الدعم ستعود مباشرة للدولة؛ لأن المواطن سيدفع: قيمة الوقود الحقيقية، والكهرباء، والطاقة، والنقل، والخدمات المرتبطة بالطاقة.
وبالتالي فإن الجزء الحر المتبقي من السيولة ليس كامل قيمة الدعم، بل نسبة محدودة فقط.
مثال مبسط:
إذا كانت قيمة الاستبدال 60 مليار دينار سنوياً:
نحو 80% منها يعود للدولة كثمن طاقة ومحروقات.
يبقى نحو 20% فقط كفائض حر.
أي أن الفائض الصافي قد لا يتجاوز 12 مليار دينار سنوياً.
وفي اقتصاد تتجاوز حركة الدينار فيه 400 مليار سنوياً، فإن الأثر الصافي يعادل تقريباً 3% فقط من الدورة النقدية السنوية، بينما اقتصاد المضاربة والفجوة السعرية الحالية يستهلك ما يفوق 10%.
أي أن: المخاطرة التضخمية المحتملة أقل بكثير من الخسارة الحالية المستمرة الناتجة عن الدعم العيني والفجوة السعرية.
رابعاً: الأثر المتوقع على ميزان المدفوعات والدينار
القرار الفوري قد يحقق آثاراً إيجابية مباشرة:
1️⃣ انخفاض استهلاك الوقود:
عند دفع السعر الحقيقي ينخفض الاستهلاك غير الضروري، ويتراجع الهدر، ويختفي جزء كبير من السوق السوداء.
2️⃣ تقليص التهريب:
الفارق السعري هو الوقود الحقيقي للتهريب، وعندما يختفي الفرق الكبير بين السعر المحلي والسعر الخارجي، تنهار الجدوى الاقتصادية للتهريب.
3️⃣ انخفاض الطلب على الدولار:
خفض استيراد الوقود وتراجع التهريب يعني تقليل الطلب على الدولار، وتحسين صافي ميزان المدفوعات، وتقوية احتياطيات المصرف المركزي.
4️⃣ دعم قوة الدينار:
تحسن الاحتياطي وتقليص الفجوة السعرية يخففان الضغط على سعر الصرف، مما قد يقود إلى تقوية الدينار، وتقليل المضاربة، واستقرار نقدي أفضل على المدى المتوسط.
خامسا: المخاطر الحقيقية ليست اقتصادية فقط
رغم قوة الطرح اقتصادياً ومالياً، فإن التحدي الأكبر يبقى سياسياً، وإدارياً، وتنفيذياً، واجتماعياً. فالقرار الفوري يحتاج: قدرة تنفيذية قوية، شفافية كاملة، منظومة دفع مستقرة، رقابة على الأسواق، حماية للفئات الضعيفة، واستعداداً سياسياً لتحمل صدمة الأشهر الأولى.
الخلاصة النهائية
وفق هذه الرؤية، فإن الاستبدال النقدي الفوري والشامل للدعم ليس مغامرة اقتصادية، بل محاولة لكسر حلقة استنزاف عمرها عقود. فالخطر الحقيقي ليس في الصدمة، بل في استمرار الوضع الحالي من تهريب، ومضاربة، وفجوة سعرية، واستنزاف للدولار، ودعم يذهب لغير مستحقيه.
ومن هذا المنطلق، فإن “العلاج الجذري الفوري” قد يكون أقل كلفة بكثير من “العلاج التدريجي الطويل” الذي يطيل عمر الأزمة ويمنح شبكات التهريب والمضاربة وقتاً إضافياً للتكيّف والاستمرار.
والخلاصة النقدية النهائية هي: إذا لم يُخلق عرض نقدي جديد لتمويل عجز إضافي، فإن الاستبدال النقدي لا يمثل تضخماً نقدياً دائماً، بل إعادة هيكلة للإنفاق العام، قد تنتج عنها صدمة انتقالية محدودة، مقابل مكاسب استراتيجية كبيرة في ميزان المدفوعات، وتقليص التهريب، ودعم قوة الدينار الليبي على المدى المتوسط والطويل.