Skip to main content
|

“أحمد المسلاتي”: رفع الدعم وحده لا ينهي أزمة الوقود في ليبيا

كتب: الباحث في الشأن النفطي والاقتصاد – “أحمد المسلاتي”

يثير ملف دعم المحروقات في ليبيا جدلاً متجدداً بين الدعوات المطالبة برفع الدعم باعتباره أحد أسباب التهريب واستنزاف المال العام، وبين من يرى أن تحميل المواطن تبعات الاختلالات الاقتصادية والإدارية القائمة لن يؤدي إلى معالجة جوهر الأزمة.

في تقديري، فإن أزمة المحروقات في ليبيا تتجاوز مسألة الأسعار المدعومة، لتشمل تحديات أوسع ترتبط بضعف منظومة الرقابة، واتساع السوق الموازية، واستمرار عمليات التهريب، إلى جانب غياب أنظمة فعالة لتتبع حركة الوقود وتنظيم الاستهلاك.

الوقود المدعوم ما يزال يمثل بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين عنصراً أساسياً في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والخدمية المعقدة التي تشهدها البلاد.

والحقيقة أن المواطن الليبي، في بلد يملك هذه الثروات النفطية الضخمة، من حقه أن يعيش بصورة كريمة ومرفهة، وأن يستفيد من موارده الطبيعية عبر دعم حقيقي للوقود والخدمات الأساسية، بدلاً من أن يتحول دائماً إلى الطرف الذي يُطلب منه دفع فاتورة الاختلالات والأزمات المتراكمة.

وفي المقابل، فإن استمرار الدعم دون إصلاحات موازية ساهم في توسع ظاهرة التهريب والاتجار غير المشروع بالمحروقات، مما أدى إلى خسائر مالية كبيرة واستمرار الضغط على منظومة التوزيع والإمدادات.

ومن هنا، فإن أي توجه لإعادة هيكلة منظومة الدعم أو مراجعتها يجب أن يسبقه تنفيذ إصلاحات حقيقية تشمل تشديد الرقابة على التوزيع، وتفعيل أنظمة التتبع الإلكتروني، ومكافحة التهريب، وتنظيم الاستهلاك، وتحسين خدمات النقل والبنية التحتية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحد من تسربه إلى السوق السوداء.

كما أن تجارب عدد من الدول أظهرت أن رفع الدعم وحده لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهريب أو القضاء على السوق الموازية، ما لم يترافق مع إصلاحات رقابية وأمنية واقتصادية شاملة.

ويبقى ملف دعم الوقود في ليبيا من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بمستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يجعل أي معالجة لهذا الملف تتطلب رؤية متدرجة ومتوازنة تُعالج جذور الأزمة أولاً، من خلال مكافحة التهريب وتشديد الرقابة وتنظيم التوزيع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق المواطن في الحصول على الوقود بأسعار عادلة.

كما أن معالجة الاختلالات الاقتصادية وظاهرة التهريب لا ينبغي أن تبدأ من جيب المواطن، بل من بناء منظومة رقابية أكثر كفاءة، وتشديد الرقابة على التوزيع والمنافذ، وإيجاد حلول اقتصادية وإدارية حقيقية تقلل الهدر وتحمي المال العام، مع الحفاظ على حق المواطن الليبي في الاستفادة من ثروات بلاده والعيش الكريم.

مشاركة الخبر