Skip to main content
|

“حلمي القماطي”: بيان المصرف المركزي الأخير يكشف اختلالًا هيكليًّا في إدارة التوازن بين الموارد والاستخدامات

كتب: د. حلمي القماطي/ رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي

ما أورده مصرف ليبيا المركزي في بيانه الأخير يستحق قراءة تحليلية هادئة ولكن صارمة، لأن الأرقام “في جوهرها” لا تعكس مجرد تطور مالي ظرفي بل تكشف عن اختلال هيكلي في إدارة التوازن بين الموارد والاستخدامات.
من منظور اقتصادي علمي، المشكلة ليست في العجز ذاته، بل في طبيعته ومصدره فعندما تبلغ الإيرادات النفطية المحوّلة نحو 2.2 مليار دولار، مقابل استخدامات للنقد الأجنبي تصل إلى 4.2 مليار دولار خلال فترة زمنية قصيرة، فإننا أمام فجوة تمويلية تقارب 2 مليار دولار. هذه الفجوة لم تُغطَّ من تدفقات حقيقية، بل من خلال السحب من الأصول الأجنبية، وهو ما يعكس انتقال السياسة النقدية من إدارة التدفقات (Flow Management) إلى إدارة المخزون (Stock Financing).

هذا التحول يُعد مؤشرًا على ضعف القدرة على ضبط الطلب على النقد الأجنبي، وليس مجرد انعكاس لارتفاعه.

1-اختلال هيكل الطلب على النقد الأجنبي
اقتصاديًا الطلب على العملة الأجنبية في حالة ليبيا لا يرتبط فقط بالنشاط الاقتصادي الحقيقي بل يتداخل مع:
• الطلب الاستهلاكي المرتفع (بفعل الإنفاق العام).
• الطلب التحوطي (نتيجة فقدان الثقة في العملة المحلية).
• الطلب المضاربي (بسبب فجوة سعر الصرف).
غياب تفصيل استخدامات الـ4.2 مليار دولار يجعل من الصعب تقييم كفاءة التخصيص، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى قصور في الشفافية التحليلية وهي عنصر أساسي في إدارة التوقعات (Expectations Management).

2-مفارقة ارتفاع الاحتياطيات مع وجود عجز
الإشارة إلى ارتفاع الأصول الأجنبية إلى 103 مليار دولار قد تبدو إيجابية ظاهريًا، لكنها لا تنفي وجود خلل ديناميكي.
فالاحتياطيات هنا لا تُستخدم كأداة استقرار احترازي فقط، بل كوسيلة تمويل مباشر للعجز، وهو ما يضعف دورها كـ”خط دفاع” في مواجهة الصدمات الخارجية.
بعبارة أدق:
ارتفاع الرصيد لا يعني سلامة التدفق.

3-غياب التنسيق بين السياستين النقدية والمالية
تشير البيانات إلى أن الإنفاق العام بلغ 6.5 مليار دينار، منها 5.8 مليار للمرتبات، دون أي إنفاق تنموي يُذكر.
هذا النمط يعكس هيكل إنفاق جاري (Current Expenditure Dominance)، وهو ما يؤدي إلى:
• تغذية الطلب الاستهلاكي.
• زيادة الواردات.
• الضغط على ميزان المدفوعات.
في هذه الحالة يصبح من الصعب على السياسة النقدية تحقيق الاستقرار دون دعم من سياسة مالية انضباطية.
وهنا يظهر غيابًا واضحًا للتنسيق المؤسسي.
4- فجوة سعر الصرف كمؤشر على عدم التوازن
اتساع الفارق بين السعر الرسمي (6.30) وسعر السوق الموازية (نحو 10.77) يعكس وجود اختلال في توازن العرض والطلب على العملة الأجنبية.
اقتصاديًا، هذا الفارق يشير إلى أحد أمرين:
• إما أن السعر الرسمي أقل من قيمته التوازنية.
• أو أن قنوات توزيع النقد الأجنبي لا تصل بكفاءة إلى السوق الحقيقي.
وفي كلا الحالتين، فإن النتيجة هي:
تشوهًا في الإشارات السعرية (Price Signals Distortion).

5-التقدم في الدفع الإلكتروني: أثر محدود على الاستقرار الكلي
التوسع في أدوات الدفع الإلكتروني (نقاط البيع، البطاقات الدفع الفوري) يمثل تطورًا مهمًا على المستوى التشغيلي، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة، لأن:
• هذه الأدوات تحسن كفاءة التداول المحلي.
• لكنها لا تقلل بالضرورة من الطلب على النقد الأجنبي.
بل قد تسرّع من دوران السيولة، مما يعزز الطلب على الواردات في اقتصاد غير منتج.

التقييم العام
وفق التحليل السابق يمكن توصيف الوضع الحالي كالتالي:
• عجز في التدفقات الخارجية رغم استقرار الإيرادات النفطية.
• اعتماد متزايد على الاحتياطيات كمصدر تمويل.
• هيمنة الإنفاق الجاري على المالية العامة.
• تشوه في سوق الصرف يعكس ضعف فعالية السياسة النقدية.
ما كان ينبغي توضيحه
من الناحية المهنية كان من المتوقع أن يتضمن بيان مصرف ليبيا المركزي:
• تفصيلًا قطاعيًا لاستخدامات النقد الأجنبي.
• تفسيرًا لارتفاع الطلب خلال الفترة.
• إجراءات محددة لضبط السوق.
• إطارًا واضحًا لإدارة فجوة سعر الصرف.
غياب هذه العناصر يجعل البيان أقرب إلى عرض بيانات منه إلى تقرير سياسات.

ليبيا لا تواجه أزمة موارد بقدر ما تواجه أزمة إدارة اقتصادية كلية (Macroeconomic Management).
ففي ظل اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، يصبح الحفاظ على التوازن بين الإيرادات والاستخدامات مسألة حوكمة وسياسات، لا مسألة موارد.
وعليه، فإن استمرار هذا النمط – دون تدخلات هيكلية – قد يؤدي تدريجيًا إلى:
• تآكل فعالية الاحتياطيات.
• اتساع فجوة سعر الصرف.
• زيادة الضغوط التضخمية.
وهي نتائج يمكن تجنبها، إذا ما تم الانتقال من إدارة رد الفعل إلى إدارة استباقية قائمة على التحليل والتنسيق والسيطرة على الطلب.

مشاركة الخبر