“حسني بي”: من معيار الذهب إلى صدمة نيكسون 1971.. هل أخطأنا نحن الليبيين في فهم قوة العملة وربطها بالاحتياطيات؟
كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
في كثير من الأحيان، نتناول التحديات التي يواجهها الاقتصاد الليبي، والانزعاج المفرط عند المساس بالاحتياطيات من العملة الأجنبية والذهب، وعند ربطها بالتحولات الكبرى التي شهدها النظام النقدى العالمي منذ صدمة نيكسون عام 1971م. وقد أثار مقال “د. حلمي القماطي” نقاشاً مهماً يستحق التوقف عنده، ليس حول الاحتياطيات الأجنبية فقط، بل حول مفهوم قوة العملة ذاته.
ففي تقديري، لا يزال جزء من النقاش الاقتصادي الليبي أسيراً لمفاهيم تعود إلى مرحلة تاريخية مختلفة، حين كانت العملات ترتبط مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالذهب، بينما تغيرت قواعد اللعبة النقدية العالمية جذرياً خلال العقود الخمسة الماضية.
من الذهب إلى النقود السيادية
قبل عام 1971م، كان نظام “بريتون وودز” يجعل الدولار الأمريكي قابلاً للتحويل إلى الذهب بسعر ثابت يبلغ 35 دولاراً للأونصة، وكانت الاحتياطيات الذهبية تشكل أحد أهم أسس الثقة في العملات.
لكن في 15 أغسطس 1971م، أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وقف تحويل الدولار إلى الذهب، لينتقل العالم تدريجياً إلى نظام النقود السيادية الائتمانية (Fiat Money)، وهو النظام السائد حتى اليوم.
ومنذ ذلك التاريخ لم تعد قيمة العملات ترتبط بحجم الذهب الموجود في خزائن البنوك المركزية، بل أصبحت تعتمد على مجموعة أوسع من العوامل؛ أهمها الثقة بالمؤسسات، وقوة الاقتصاد، والقدرة الإنتاجية، والاستقرار المالي، وكفاءة السياسات النقدية والمالية. وبعبارة أخرى، لم يعد الذهب هو مصدر القيمة، بل أصبحت القيمة تنبع من قدرة الدولة واقتصادها على إنتاج الثروة والمحافظة على الثقة بعملتها.
الاحتياطيات: أداة استقرار وليست مصدر قوة
هنا أعتقد أن بعض التحليلات الاقتصادية الليبية تقع في خلط شائع بين مفهومين مختلفين:
- الأول: قوة العملة.
- الثاني: حجم الاحتياطيات الأجنبية.
فالاحتياطيات ليست هي التي تمنح العملة قيمتها الحقيقية، وإنما تمنح الاقتصاد القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية، وتمويل الواردات، والمحافظة على الاستقرار المالي عند الأزمات. ولهذا نجد أن العديد من العملات القوية عالمياً لا تستمد قوتها من حجم الذهب الموجود لدى بنوكها المركزية، بل من قوة اقتصاداتها ومؤسساتها وعمق أسواقها المالية.
فالولايات المتحدة —مثلاً— لا تمتلك أكبر احتياطيات أجنبية قياساً إلى حجم اقتصادها، ومع ذلك يبقى الدولار العملة الأكثر استخداماً واحتفاظاً بالثقة عالمياً. والسبب ليس الذهب، بل الثقة في الاقتصاد الأمريكي، وسيادة القانون، وعمق الأسواق المالية، وقابلية تحويل الدولار إلى أصول واستثمارات وسلع وخدمات داخل أكبر اقتصاد في العالم.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لليبيا؟
في الحالة الليبية، لا تبدو المشكلة الرئيسية في نقص الاحتياطيات؛ فليبيا تمتلك احتياطيات أجنبية وذهبية تكفي لتغطية سنوات عديدة من الواردات، وهو مستوى أمان خارجي مرتفع وفق المعمعايير الدولية. لكن امتلاك احتياطيات كبيرة لا يعني تلقائياً امتلاك عملة قوية أو اقتصاد متوازن.
فالتحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة الاقتصاد الوطني، وفي العلاقة بين حجم الإنفاق العام والإيرادات الأجنبية المتدفقة إلى مصرف ليبيا المركزي. كما أن استمرار الاختلالات السعرية، واتساع الاقتصاد الموازي، وضعف الإنتاج المحلي، وتضخم الإنفاق العام، كلها عوامل تؤثر على قيمة الدينار أكثر مما يؤثر حجم الذهب المخزن في الخزائن.
السؤال الذي يجب أن نطرحه
لذلك ربما لم يعد السؤال الأهم: “كم نملك من الاحتياطيات؟” بل: “هل تزداد احتياطياتنا نتيجة اقتصاد منتج ومتوازن، أم أنها تتآكل لتغطية اختلالات متراكمة؟”
فالاحتياطي يشبه خزان المياه، أما قوة العملة فتشبه النهر الذي يغذي ذلك الخزان؛ وقد يمتلك بلد خزاناً ضخماً، لكنه يستهلك أكثر مما ينتج، فتبدأ موارده بالتراجع تدريجياً. وفي المقابل، قد يمتلك بلد آخر احتياطيات أقل، لكنه ينتج ويصدر وينمو باستمرار، فتظل عملته قوية ومستقرة.
الخاصة
أشكر الدكتور “حلمي القماطي” على ملاحظاته العلمية القيمة، وأتفق معه في أن النقود الحديثة لا تستمد قيمتها من الذهب وحده، بل من الثقة والمؤسسات والسياسات الاقتصادية والإنتاجية. لكنني أرى أيضاً أن النقاش الاقتصادي الليبي يحتاج إلى الانتقال من التركيز المفرط على حجم الاحتياطيات إلى التركيز على كيفية إدارة الاقتصاد نفسه.
فالاحتياطيات تمثل خط دفاع مهماً للاستقرار الاقتصادي، لكنها ليست المصدر الحقيقي لقوة العملة؛ أما المصدر الحقيقي فيبقى اقتصاداً منتجاً، ومؤسسات موثوقة، وسياسات مالية ونقدية متوازنة، وقدرة مستمرة على خلق القيمة والثروة داخل الاقتصاد الوطني.