يعاني الاقتصاد الوطني في السنوات الأخيرة العديد من المشاكل والتي ما انفكت تتزايد عامًا بعد عام دون حلول عملية لها، ولعل أبرزها ارتفاع سعر الصرف والفجوة السعرية بين السعر الرسمي في مصرف ليبيا المركزي وسعر الصرف في السوق الموازي، وما يترتب عنها من أزمات..
فما أساب تلك الفجوة السعرية بين السعريْن الرسمي والموازي؟ توجهنا بالسؤال لرجل الأعمال “حسني بي” والذي كان له هذا التصريح بالخصوص:
تشكل الفجوة بين السعر الرسمي للعملة وسعرها في السوق الموازي إحدى أبرز الإشكاليات الاقتصادية التي تعكس اختلالات في السياسات النقدية والتنظيمية. وتُعد هذه الفجوة نتيجة مباشرة لمزيج من سياسات التضييق والإجراءات الإدارية التي، رغم استهدافها تنظيم الطلب على النقد الأجنبي، أسهمت فعليًا في خلق بيئة مواتية للمضاربة.
في هذا السياق، كلما اتسعت الفجوة السعرية، ازداد الحافز لدى الأفراد والجهات الاقتصادية للحصول على الدولار بالسعر الرسمي وإعادة بيعه في السوق الموازي، ما يؤدي إلى ارتفاع الطلب عليه لأغراض غير إنتاجية، ويُفاقم من حدة الاختلال في سوق الصرف.
تطور الفجوة والطلب على النقد الأجنبي
تشير البيانات إلى أن تقليص مخصصات الأغراض الشخصية كان له أثر واضح في اتساع الفجوة السعرية. ففي عام 2021، بلغ سقف المخصصات 10,000 دولار، وكانت الفجوة في حدود 2%. ومع تخفيض هذا السقف إلى 4,000 دولار في عام 2023، ارتفعت الفجوة إلى نحو 9%. أما في عام 2025، ومع مزيد من التخفيض إلى 2,000 دولار، فقد تجاوزت الفجوة مستوى 35%.
بالتوازي مع ذلك، شهد الطلب على الدولار ارتفاعًا ملحوظًا، حيث انتقل من نحو 16–17 مليار دولار خلال عامي 2021 و2022، إلى 20–21 مليار دولار في 2023 و2024، ثم إلى حوالي 25 مليار دولار في 2025، ما يعكس تنامي الطلب المرتبط بالمضاربة وليس بالاستخدامات الفعلية فقط.
آليات توليد الفجوة السعرية
يمكن تفكيك الفجوة السعرية إلى مجموعة من التكاليف التراكمية المرتبطة بالإجراءات التنظيمية، خاصة عند سقف 2,000 دولار، وتشمل:
- تكلفة بيع حصة الأسرة، والتي تصل إلى نحو 16%.
- رسوم الإيداع عبر البطاقات المصرفية (مثل Visa) بنسبة تقارب 3%.
- هامش ربح الوسطاء أو المضاربين، والذي يبلغ نحو9%.
- تكلفة السحب النقدي من أجهزة الصراف، بنحو 2%.
وبذلك يصل إجمالي هذه التكاليف إلى قرابة 30%، وهو ما يفسر انتقال سعر الصرف من حوالي 6.3 إلى 8.2 دينار للدولار.
فجوة السيولة وتأثير “حرق الصكوك”
إلى جانب الفجوة السعرية، برزت فجوة أخرى مرتبطة بالسيولة، نتيجة تراجع حجم العملة المتداولة (النقد) من 78 مليار دينار إلى 43 مليار دينار في سبتمبر 2025. وقد أدى هذا الانخفاض إلى زيادة الاعتماد على أدوات الدفع غير النقدية، وظهور ما يُعرف بـ “حرق الصكوك”.
ومع تحسن مستوى السيولة وارتفاعها إلى نحو 70 مليار دينار، تقلص الفارق إلى حوالي 13 مليار دينار، ما ساهم في تخفيف الضغط على سوق الصرف وتقليص الفجوة.
أسباب التراجع الأخير في سعر الدولار
شهد سعر الدولار تراجعًا ملحوظًا مؤخرًا، حيث انخفض إلى أقل من 8.2 دينار نقدًا، وأقل من 9.0 دينار عبر الصكوك. ويمكن تفسير هذا التراجع بعدة عوامل رئيسية:
- انخفاض الاعتماد على الوسطاء، ما أدى إلى تراجع هامش المضاربة من 9% إلى نحو 2%.
- إلغاء بعض التكاليف المرتبطة باستخدام البطاقات المصرفية والسحب النقدي.
- السماح بالتحويلات بين الحسابات، ما عزز كفاءة السوق وقلل من فرص التحكيم.
- إعادة هيكلة القاعدة النقدية ورفع مستوى السيولة، مما حدّ من ظاهرة “حرق الصكوك”.
خلاصة واستشراف
تعكس التطورات الأخيرة أن تخفيف القيود وتحسين السيولة يمكن أن يكون لهما أثر مباشر في تقليص الفجوة السعرية واستقرار سوق الصرف. ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه النزولي في سعر الدولار في حال تبني مزيد من السياسات التيسيرية، لا سيما تلك المتعلقة برفع سقف مخصصات الأغراض الشخصية وتعزيز مرونة النظام المالي.
إن تحقيق التوازن في سوق الصرف يتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار ضبط الطلب الحقيقي، وتقليص الحوافز للمضاربة، وتحسين كفاءة القنوات الرسمية لتوفير النقد الأجنبي.