“حسني بي”: إلى النخب وأساتذة الاقتصاد المدافعين عن التسعير الإداري: كفانا تكراراً لأخطاء الماضي!

كتب: حسني بي – رجل أعمال ليبي
أولاً – أخطاء اقتصادية تتكرر منذ عام 1982:
منذ أكثر من أربعة عقود ونحن نكرر الأخطاء الاقتصادية ذاتها: توسع في الإنفاق العام يتجاوز الموارد المستدامة، وتمويل للعجز بخلق نقود جديدة، ثم محاولة معالجة النتائج بتثبيت سعر الصرف إدارياً، وكأن القرار الإداري يستطيع حماية قيمة الدينار وقوته الشرائية بمعزل عن التوازنات الاقتصادية.
ثانياً – الانقسام السياسي ليس التفسير الوحيد للأزمة:
كفانا تعليق جميع إخفاقاتنا الاقتصادية على الانقسام السياسي والمطالبة بتوحيد الحكومة باعتباره الحل! فقد عشنا من عام 1982 حتى عام 2021 في ظل حكومة واحدة في كل مرحلة، ومع ذلك شهدنا أزمات مالية ونقدية وتدهوراً في قيمة الدينار. إذن، المشكلة ليست في عدد الحكومات وحده، بل في السياسات المالية والنقدية التي تتبعها.
ثالثاً – اقتصاد ريعي وإيرادات دولارية مركزية:
نحن دولة يأتي نحو 93% من إيراداتها العامة من النفط والغاز المقوّمين بالدولار، وتدير هذا المورد مؤسسات مركزية واحدة. بينما يجري الإنفاق العام بالدينار، ويظل سعر الصرف حلقة الوصل بين الإيرادات والالتزامات. ولذلك فإن استقرار الدينار يتطلب التوازن بين حجم الإنفاق والموارد الحقيقية، وليس مجرد تحديد سعر إداري.
رابعاً – ستون مليار دينار من الريع المحتمل، لمن تذهب؟
أستغرب ممن يدافع عن بيع 20 مليار دولار سنوياً بسعر إداري يقل عن سعر السوق بثلاثة دنانير للدولار الواحد. فهذه السياسة تخلق، حسابياً، ريعاً محتملاً يبلغ 60 مليار دينار سنوياً، موزعاً على النحو التالي:
8 مليارات دولار للأغراض الشخصية، بفارق سعري يعادل 24 مليار دينار.
12 مليار دولار للاعتمادات وغيرها، بفارق سعري يعادل 36 مليار دينار.
وهذه أرقام توضيحية مشروطة بتحقق الكميات والفارق السعري المفترض، وليست تقديراً لأرباح محققة بالكامل. لكنها تكشف حجم الامتياز الذي تمنحه ازدواجية سعر الصرف لمن يستطيع الوصول إلى الدولار بالسعر الرسمي.
خامساً – لماذا ندافع عن توزيع الريع على المستفيدين بدلاً من الخزانة العامة؟
الأغرب أن بعض المدافعين عن التسعير الإداري يقبلون ضمناً بمنح هذا الفارق السعري لأفراد وشركات، سواء تحت بند الأغراض الشخصية أو الاعتمادات، بينما يعارضون حصول المصرف المركزي والخزانة العامة على المقابل بالدينار من خلال سياسة صرف أكثر واقعية وشفافية.
فهل من العدالة الاقتصادية أن يستفيد من هذا الريع من يستطيع الحصول على الدولار الرخيص، بينما يتحمل بقية المواطنين تكلفة الاختلالات؟
سادساً – الريع حق عام، وليس امتيازاً لفئة محدودة:
لماذا نرفض تحويل هذا الفارق من ريع خاص إلى إيراد عام يمكن استخدامه في تخفيض العجز، وتمويل التعويض النقدي العادل للمواطنين، وإصلاح منظومة الدعم؟
إن توجيه الموارد العامة إلى المواطنين وفق قواعد واضحة وعادلة أفضل من توزيع امتيازات سعرية غير متكافئة. لكن ذلك يتطلب أيضاً منع إعادة إنفاق الإيرادات الإضافية بصورة تضخمية، حتى لا نعيد إنتاج الاختلال نفسه.
سابعاً – السبب الجوهري للتضخم وتراجع الدينار:
المشكلة ليست في مجرد قرار تخفيض سعر الصرف أو تثبيته، وإنما في استمرار الإنفاق بما يتجاوز الموارد الحقيقية، وتمويل العجز بخلق نقود جديدة دون مقابل إنتاجي أو موارد مستدامة.
وهذا من أهم محركات التضخم والضغط على سعر الصرف في اقتصادنا الريعي، إلى جانب عوامل العرض وتكاليف الواردات. أما تثبيت السعر إدارياً دون معالجة الاختلال، فلا يلغي الضغوط الاقتصادية، بل قد ينقلها إلى السوق الموازية والاحتياطيات والقيود على الحصول على النقد الأجنبي.
الخلاصة الأولى – توحيد الحكومة لا يكفي:
توحيد الحكومة والمؤسسات مطلوب، لكنه ليس بديلاً عن توحيد المالية العامة، وضبط الإنفاق، ووقف التمويل النقدي للعجز، وإصلاح دعم الطاقة، وتوحيد سوق الصرف. فقد أثبتت تجاربنا أن حكومة واحدة تستطيع أيضاً اتباع سياسات مالية ونقدية غير مستدامة.
الخلاصة الثانية – لا تجعلوا تنويع الاقتصاد ذريعة لتأجيل الإصلاح:
تنويع الاقتصاد ضرورة استراتيجية لمعالجة البطالة، وزيادة الإنتاج والصادرات والإيرادات غير النفطية، وتحقيق الاستدامة. لكنه مشروع طويل الأجل، ولا يجوز تقديمه باعتباره شرطاً مسبقاً لمعالجة الاختلال المالي والنقدي القائم اليوم.
رسالتي الأخيرة إلى النخب وأساتذة الاقتصاد:
أقول لمن يعتقد أن القرار الإداري يستطيع إلزام الاقتصاد بنتائج تخالف حقائقه: كفانا دفاعاً عن الأرقام الإدارية، ولنبدأ الدفاع عن التوازن الاقتصادي والعدالة في توزيع الموارد.
قال لكم “حسني بي”: الحلول متوفرة الآن!
لا نحتاج إلى انتظار حكومة جديدة أو اكتمال تنويع الاقتصاد حتى نبدأ الإصلاح. نحتاج إلى قرارات فورية وشجاعة تضبط الإنفاق، وتوقف خلق النقود لتمويل العجز، وتحد من ريع ازدواجية سعر الصرف، وتعيد توجيه الموارد إلى عموم المواطنين.
فالقرار الإداري يستطيع تحديد السعر الرسمي للدولار، لكنه لا يستطيع إلزام السوق باحترامه إذا افتقد الاقتصاد شروط التوازن.



