“حسني بي”: أزمة تمويل النفط في ليبيا أزمة نموذج غير قابل للتمويل.. من «ميزانية المؤسسة» إلى نموذج اقتصادي يجعل النفط قادراً على تمويل نفسه

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
يتكرر النقاش في ليبيا كل عام تقريباً حول حجم الأموال التي تحتاجها المؤسسة الوطنية للنفط، وتأخر الميزانيات، وتأثير ذلك على الصيانة والحفر وتطوير الحقول والمحافظة على مستويات الإنتاج.
وغالباً ما يُختزل النقاش في سؤال واحد:
كم تحتاج المؤسسة الوطنية للنفط من الدولة؟
لكنني أعتقد أن هذا السؤال، رغم أهميته، لا يصل إلى أصل المشكلة.
السؤال الأكثر أهمية هو:
لماذا يحتاج قطاع يبيع عشرات المليارات من الدولارات سنوياً إلى انتظار مخصصات من الميزانية العامة حتى يستطيع تمويل عملياته واستثماراته؟
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
أزمة قطاع النفط الليبي ليست في الأساس أزمة نقص أموال، وإنما أزمة نموذج مؤسسي ومالي غير قابل للتمويل بصورة مستقلة.
لدينا مورد ضخم… ولكن ليس لدينا نموذج شركة نفطية قابلة للتمويل.
هناك من يقارن المؤسسة الوطنية للنفط بشركات وطنية كبرى مثل أرامكو السعودية، وأدنوك الإماراتية، وقطر للطاقة وغيرها.
لكن المقارنة في النتائج دون مقارنة النماذج المؤسسية والمالية قد تكون مضللة.
هذه الشركات لا تعمل باعتبارها مجرد جهات حكومية تنتظر في كل سنة اعتماداً من الميزانية العامة حتى تبدأ برامجها الاستثمارية.
لديها أصول، وتدفقات نقدية، وميزانيات، وقوائم مالية، وهياكل رأسمالية، وقدرة على الاحتفاظ بجزء من مواردها وتمويل استثماراتها، والدخول في شراكات، وإنشاء شركات للمشروعات، وفي حالات مختلفة الوصول إلى أسواق الدين أو رأس المال.
الممول يستطيع أن يرى بوضوح:
ما الأصول؟
ما التدفقات النقدية؟
ما الالتزامات؟
ما تكلفة المشروع؟
وكم سينتج؟
وما الإيرادات المتوقعة؟
وما معدل العائد؟
وكيف سيتم سداد التمويل؟
أما في النموذج الليبي فالعلاقة أكثر تعقيداً.
الثروة النفطية ملك للدولة، والمؤسسة تدير الإنتاج والتسويق ضمن الإطار القانوني للدولة، بينما تؤول إيرادات النفط إلى الدولة.
ثم تعود المؤسسة نفسها لتطلب من الدولة الأموال اللازمة لتشغيل القطاع الذي أنتج تلك الإيرادات.
وهكذا ندخل في دائرة غريبة:
النفط ينتج الدولار → الدولار يذهب إلى الدولة → المؤسسة تحتاج دينارات ودولارات → تنتظر الميزانية → تتأخر الميزانية → تتأخر المشروعات → يتأثر الإنتاج الذي يولد الدولار أصلاً.
هذه ليست في تقديري مشكلة سيولة فقط.
إنها مشكلة تصميم مالي ومؤسسي.
الفرق بين «قطاع غني» و«شركة قابلة للتمويل»
وجود احتياطيات نفطية ضخمة لا يعني تلقائياً وجود مؤسسة يمكن تمويلها مصرفياً أو استثمارياً.
الممول لا يقرض النفط الموجود تحت الأرض لمجرد وجوده.
الممول يحتاج إلى:
أصل قانوني واضح + تدفقات نقدية قابلة للتوقع + حقوق تعاقدية + قوائم مالية شفافة + حوكمة + قدرة واضحة على السداد.
وهنا تظهر إحدى أهم مشكلات النموذج الليبي.
قد تكون المؤسسة مسؤولة عن إدارة إنتاج عشرات المليارات من الدولارات، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه التدفقات تمثل إيرادات وأصولاً مملوكة لها يمكن رهنها أو استخدامها لبناء هيكل تمويلي مستقل.
ولهذا يمكن أن يكون لدينا قطاع نفطي بالغ الثراء، وفي الوقت نفسه مؤسسة تعاني للحصول على تمويل مشروع بمليار دولار.
وهذه مفارقة يجب أن نتوقف عندها.
الإنفاق الرأسمالي ليس بالضرورة استثماراً
هناك أيضاً خلط متكرر بين ثلاثة مفاهيم:
الإنفاق التشغيلي، والإنفاق الرأسمالي، والاستثمار.
تكلفة تشغيل الحقول وصيانتها ضرورة للحفاظ على الإنتاج.
وحفر الآبار وبناء خطوط الأنابيب والمنشآت الجديدة يمثل إنفاقاً رأسمالياً.
لكن الاستثمار، بالمعنى الاقتصادي، يحتاج إلى شيء إضافي:
عائد قابل للقياس.
إذا أنفقنا مليار دولار، يجب أن نعرف:
كم برميلاً إضافياً أنتج؟
وكم سنة سيستمر هذا الإنتاج؟
وما تكلفة البرميل الإضافي؟
وكم أضاف المشروع إلى الاحتياطيات القابلة للاستخراج؟
وما صافي التدفقات النقدية؟
وما معدل العائد على رأس المال؟
وكم سنة يحتاج المشروع لاسترداد تكلفته؟
فليس كل دولار يصرف على قطاع النفط استثماراً ناجحاً لمجرد أنه صُرف على النفط.
السؤال ليس: كم نعطي المؤسسة؟
النقاش المالي التقليدي يضع الدولة والمؤسسة في مواجهة سنوية:
المؤسسة تطلب التمويل.
والحكومة أو الجهات المالية تناقش الرقم.
والجهات الرقابية تراجع المصروفات.
ثم يبدأ التفاوض حول حجم الميزانية.
لكن المستثمر أو الممول لا يفكر بهذه الطريقة.
هو لا يسأل:
كم تريد المؤسسة؟
بل يسأل:
ما المشروع؟ وكم يكلف؟ وكم سيولد من تدفقات نقدية؟
وهذا اختلاف جوهري في التفكير.
نحن بحاجة إلى الانتقال من:
Budget Financing
إلى:
Project & Corporate Finance.
أي من تمويل الميزانية إلى تمويل المشروع والاستثمار.
لماذا يجب أن ينتظر مشروع نفطي مربح الميزانية العامة؟
لنفترض أن لدينا مشروع غاز يحتاج إلى مليار دولار، ويستطيع بعد اكتماله توليد تدفقات نقدية قوية ومستقرة لسنوات طويلة.
لماذا يجب أن ينافس هذا المشروع المرتبات والدعم والمصروفات الحكومية على مخصصات الميزانية العامة؟
إذا كان المشروع مجدياً اقتصادياً، فيجب أن يكون من الممكن بناء هيكل مالي حوله.
يمكن، بحسب طبيعة المشروع وإطاره القانوني، تأسيس شركة مشروع مستقلة SPV تكون لها عقودها وتدفقاتها وحساباتها وقوائمها المالية.
وقد يدخل فيها:
المؤسسة الوطنية للنفط،
والشركة المشغلة،
وشريك نفطي دولي،
ومؤسسات تمويل،
ومستثمرون.
ويتم سداد التمويل من التدفقات النقدية التي يولدها المشروع نفسه.
عندها لا يصبح السؤال:
هل لدى الخزانة مليار دولار هذا العام؟
بل:
هل المشروع قادر اقتصادياً على تمويل نفسه؟
وهذا هو التحول المطلوب.
أرامكو وغيرها لا تنجح لأنها تحصل على أموال أكثر
الدرس الأهم من الشركات النفطية الوطنية الناجحة ليس أن حكوماتها أكثر سخاء معها.
الدرس الحقيقي هو أن الدولة بنت حولها نموذجاً اقتصادياً ومؤسسياً قابلاً للاستثمار والتمويل.
المؤسسة التي تستطيع إثبات أصولها وتدفقاتها النقدية وأرباحها ومخاطرها تستطيع الوصول إلى رأس المال.
أما المؤسسة التي تعتمد في كل دورة مالية على قرار إداري بتخصيص الأموال، فستظل استثماراتها مرتبطة بالميزانية والسياسة والسيولة الحكومية، مهما كانت الثروة الطبيعية التي تديرها ضخمة.
وهنا يكمن الفرق.
المطلوب ليس خصخصة النفط
هذا الطرح لا يعني بيع النفط أو التخلي عن ملكية الدولة للثروة النفطية.
هناك فرق كبير بين:
ملكية الدولة للثروة
وبين:
طريقة تمويل استغلال هذه الثروة.
يمكن أن تبقى الثروة النفطية مملوكة بالكامل للشعب الليبي، وفي الوقت نفسه نبني شركات ومشروعات وهياكل تمويل تستطيع جذب رأس المال لتنميتها.
بل إن الهدف هو العكس تماماً:
تعظيم قيمة ما تملكه الدولة بدلاً من إبقائه رهينة قدرتها السنوية على الإنفاق.
يجب الفصل بين ثلاثة أنواع من التمويل
أرى ضرورة إعادة بناء العلاقة المالية بين الدولة وقطاع النفط على ثلاثة مستويات واضحة.
أولاً: التشغيل والمحافظة على الإنتاج.
يجب أن تكون له آلية تمويل مستقرة وتلقائية قدر الإمكان، لأن وقف الصيانة أو التشغيل بسبب تأخر الميزانية قد يكلف الدولة أكثر بكثير من قيمة التمويل.
ثانياً: الإنفاق الرأسمالي للمحافظة على الطاقة الإنتاجية.
يجب ربطه بمؤشرات واضحة للتكلفة والإنتاج والأداء.
ثالثاً: المشروعات الجديدة وزيادة الإنتاج والغاز والبتروكيماويات والبنية التحتية.
وهذه يجب ألا تبقى كلها رهينة الميزانية العامة.
المشروع القادر على توليد عائد يجب، كلما كان ذلك ممكناً، أن يتحول إلى مشروع قابل للتمويل.
من «كم أنفقنا؟» إلى «كم حققنا؟»
نحتاج أيضاً إلى تغيير ثقافة تقييم أداء القطاع.
المعيار ليس حجم الميزانية التي تم اعتمادها أو إنفاقها.
المعيار الحقيقي هو:
كم كلفنا البرميل؟
كم كلفتنا المحافظة على مليون برميل من الطاقة الإنتاجية؟
كم كلفنا إضافة 100 ألف برميل يومياً؟
كم كلفنا تطوير وحدة إضافية من احتياطيات الغاز؟
كم خفضنا من حرق الغاز؟
وكم دولاراً عاد على الدولة مقابل كل دولار تم استثماره؟
عندها فقط يمكن التفريق بين مشروع ناجح ومشروع متعثر، وبين استثمار وإنفاق.
الإصلاح الحقيقي: اجعلوا النفط قابلاً للتمويل
ليبيا لا تحتاج فقط إلى زيادة ميزانية المؤسسة الوطنية للنفط.
تحتاج إلى إعادة تصميم النموذج المالي للقطاع.
نحتاج إلى إطار يسمح بفصل المشروعات، وقياس عوائدها، وتأسيس شركات مشروعات، وبناء تدفقات نقدية مستقلة، وإدخال التمويل المؤسسي والاستثماري، والشراكة مع القطاع الخاص والشركات الدولية، مع رقابة الدولة الكاملة على الثروة وحقوقها.
وفي الوقت نفسه نحتاج إلى قوائم مالية أكثر تفصيلاً وشفافية، وحوكمة، وتدقيق مستقل، ومؤشرات أداء لكل مشروع واستثمار.
الهدف النهائي يجب أن يكون بسيطاً:
أن تتحول المؤسسة من جهة تحتاج إلى تمويل الميزانية إلى منظومة تستطيع تمويل جزء متزايد من استثماراتها اعتماداً على اقتصاديات مشاريعها نفسها.
النفط يجب أن يمول الدولة… لا أن تصبح الدولة هي التي تمول النفط إلى الأبد
هذه هي المفارقة الكبرى في النموذج الحالي.
لدينا قطاع يمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية ويمول الجزء الأكبر من قدرة الدولة على الإنفاق، ومع ذلك فإن تطوير هذا القطاع نفسه يبقى رهينة دورة الميزانية العامة.
وهذا نموذج يصعب أن يكون مستداماً.
الحل ليس في حجب الأموال عن المؤسسة، بل العكس: يجب حماية التمويل الضروري للتشغيل والصيانة والإنتاج.
ولكن بالتوازي يجب أن نتوقف عن اعتبار زيادة المخصصات السنوية هي الحل الهيكلي.
فالمشكلة أعمق.
أزمة تمويل النفط في ليبيا ليست أزمة عدم وجود المال؛ إنها أزمة نموذج لم يُبنَ بعد ليكون قابلاً للتمويل.
والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال بدلاً من:
«كم نخصص للمؤسسة من الميزانية؟»
هو:
«كيف نبني قطاعاً نفطياً يستطيع تمويل استثماراته، وتعظيم قيمة أصول الدولة، ثم تحويل العائد إلى الخزانة؟»
عندها نكون قد انتقلنا فعلاً من الإنفاق على النفط إلى الاستثمار في النفط، ومن إدارة مورد طبيعي إلى بناء صناعة وطنية قابلة للاستمرار والتمويل والنمو.



