Skip to main content
|

“الشلوي”: غاز البوري.. من الحرق والهدر إلى القيمة المضافة وأمن الطاقة الليبي

كتب: د. عبد المنصف الشلوي — الخبير النفطي والاقتصادي

يمثل إنجاز مشروع استغلال الغاز في حقل البوري البحري، الذي تنفذه شركة مليتة للنفط والغاز بالشراكة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني شمال أفريقيا، خطوة استراتيجية مهمة في مسار تطوير قطاع الطاقة الليبي، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وفنية وبيئية تتجاوز مجرد إضافة كميات جديدة من الغاز، لتشمل استعادة الموارد المهدرة، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتعزيز أمن الطاقة، ورفع العائد من الثروة الوطنية.

ووفقاً لما نشرته منصة Offshore Energy في 19 أكتوبر 2026، فقد أُنجز المشروع وبدأت إجراءات تشغيله، بما يتيح استرجاع الغاز المصاحب من حقل البوري، الذي كان يُحرق سابقاً، ومعالجته والاستفادة منه بدلاً من إهداره. وتشير البيانات المنشورة إلى أن المشروع يستهدف توفير نحو 700 مليون متر مكعب قياسي من الغاز سنوياً للسوق المحلية، مع إتاحة كميات إضافية للتصدير عبر خط أنابيب غرين ستريم إلى أوروبا، وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنحو 1.5 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

استثمار الموارد القائمة وتعظيم العائد الاقتصادي

من منظور اقتصادي وفني، تكمن أهمية المشروع في تحويل مورد كان يُهدر إلى قيمة اقتصادية قابلة للتحقق. فالغاز المصاحب يمثل جزءاً من الثروة الهيدروكربونية التي ينبغي استغلالها بكفاءة، وليس التعامل معه باعتباره ناتجاً ثانوياً لعمليات إنتاج النفط.

وهنا تبرز قاعدة أساسية في اقتصاديات الطاقة: ليس كل نمو في قيمة القطاع النفطي مرتبطاً باكتشاف حقول جديدة أو زيادة الإنتاج، بل يمكن تحقيق عوائد مهمة من خلال استرداد الموارد المهدرة وتحسين كفاءة استغلال الأصول والبنية التحتية القائمة.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ليبيا، حيث يمكن لاسترجاع الغاز المصاحب أن يحقق منفعة مزدوجة تتمثل في توفير وقود إضافي للسوق المحلية، وتحسين العائد الاقتصادي من الحقول المنتجة بالفعل، إلى جانب تقليل الأثر البيئي للعمليات النفطية.

دعم الكهرباء وتعزيز فرص التصدير

يمثل توفير نحو 700 مليون متر مكعب سنوياً إضافة مهمة لإمدادات الغاز المحلية، ويمكن أن يسهم في تلبية احتياجات محطات توليد الكهرباء وتقليص فجوة العرض والطلب، وفقاً لانتظام الإنتاج وكفاءة النقل والمعالجة.

كما أن إتاحة كميات إضافية للتصدير عبر خط غرين ستريم تعزز فرص الاستفادة من البنية التحتية القائمة، وتدعم قدرة ليبيا على توظيف موقعها الجغرافي وقربها من الأسواق الأوروبية لتحقيق عوائد أفضل من مواردها الغازية.

غير أن الإدارة الاقتصادية الرشيدة تقتضي تحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلية والالتزامات التصديرية، بما يضمن استقرار إمدادات الكهرباء وتعظيم العائد الوطني من الغاز.

أما بيئياً، فإن خفض الانبعاثات المستهدف يعكس إمكانية الجمع بين الجدوى الاقتصادية والمسؤولية البيئية؛ إذ يتحول الغاز الذي كان يُحرق إلى مورد منتج، بالتوازي مع تقليص الهدر والانبعاثات وتحسين كفاءة العمليات التشغيلية.

البوري ضمن استراتيجية أوسع لتطوير الغاز الليبي

تتجاوز أهمية المشروع حدود حقل البوري، إذ يقدم نموذجاً ينبغي البناء عليه ضمن استراتيجية وطنية متكاملة لتطوير قطاع الغاز، تقوم على استرجاع الغاز المصاحب، ورفع كفاءة الحقول المنتجة، وتسريع تطوير الموارد البحرية الجديدة، وتحديث منظومات المعالجة والنقل.

وقد أكدت في مقالات وورقات سابقة أهمية العمل للوصول بإنتاج الغاز الليبي إلى مستويات تصل إلى 4 مليارات قدم مكعبة يومياً خلال السنوات المقبلة، باعتباره هدفاً استراتيجياً يستحق التخطيط الجاد، شريطة توفير الاستثمارات والتقنيات اللازمة، ومعالجة الاختناقات التشغيلية، وإنجاز مشروعات الإنتاج والبنية التحتية وفق برامج زمنية واضحة.

وفي هذا الإطار، ينبغي النظر إلى مشروع البوري إلى جانب مشروعات تطوير الموارد البحرية، ومنها مشروع الهياكل (A&E Structures)، باعتبارها مكونات متكاملة في مسار زيادة المعروض المحلي وتعزيز القدرة التصديرية وتقليص حرق الغاز.

ويظل نجاح هذه الرؤية مرتبطاً بوجود تخطيط يربط بين الإنتاج واحتياجات الكهرباء والتصدير، ويقيس أداء المشروعات وفق مساهمتها الفعلية في توفير الإمدادات والعائد الاقتصادي، لا بمجرد إنجاز المنشآت أو إعلان الخطط.

المؤسسة الوطنية للنفط.. تعظيم القيمة من الثروة الوطنية

يعكس المشروع أهمية الدور الفني والاستراتيجي للمؤسسة الوطنية للنفط في تطوير الموارد الهيدروكربونية، وتعزيز الشراكات الاستثمارية والتقنية، وتوظيف الخبرات المتاحة لتحسين كفاءة التشغيل واستدامة الإنتاج. كما يبرز دور شركة مليتة للنفط والغاز في تحويل الإمكانات الفنية إلى مشروع ذي قيمة اقتصادية وبيئية، بالتعاون مع شريك دولي يمتلك خبرة في تطوير حقول الغاز البحرية.

ومن الضروري البناء على هذه التجربة وتوسيع نطاق المشروعات المماثلة، بحيث يصبح استرجاع الغاز المصاحب وتقليص الحرق وتحديث البنية التحتية جزءاً أساسياً من سياسة تطوير القطاع، إلى جانب زيادة الإنتاج وتطوير الاكتشافات الجديدة.

إن مشروع استغلال الغاز في حقل البوري ليس مجرد إنجاز فني، بل خطوة عملية نحو اقتصاد نفطي ليبي أكثر كفاءة، يستعيد موارده المهدرة، ويعزز أمن الطاقة، ويوائم بين احتياجات الداخل وفرص التصدير. فالقيمة الحقيقية للثروة الوطنية لا تُقاس بما ننتجه منها فحسب، بل أيضاً بمدى كفاءة إدارتها وقدرتنا على تعظيم عائدها لصالح الوطن والمواطن.

مشاركة الخبر