Skip to main content
|

“الشلوي”: السيادة البحرية الليبية.. من تثبيت الحقوق إلى بناء تسوية عادلة في شرق المتوسط

كتب: د. عبد المنصف الشلوي — الخبير النفطي والاقتصادي

إن التعامل مع ملف الحدود البحرية الليبية في شرق البحر الأبيض المتوسط لا ينبغي أن يُختزل في سجال سياسي عابر، أو أن يُقاس بمدى التقارب مع هذه الدولة أو الاختلاف مع تلك؛ فهو ملف يرتبط بالسيادة الوطنية، ومستقبل الموارد الطبيعية، وحقوق الأجيال القادمة، ومكانة ليبيا في معادلات الطاقة والاقتصاد الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، أرى أن مصادقة مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر 2026، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019 تمثل تطورًا مهمًا في مسار هذا الملف، وتأكيدًا على ضرورة أن تكون لليبيا رؤية واضحة ومؤسساتية في الدفاع عن مصالحها البحرية، بدلاً من ترك هذه المساحة الاستراتيجية لتفاهمات إقليمية تتشكل دون حضور ليبي فاعل. وقد أثارت هذه الخطوة اعتراضات يونانية ومواقف رافضة من أطراف إقليمية أخرى، وهو ما يؤكد أن الملف يتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين طرابلس وأنقرة.

أولاً: ملف قديم لا خلاف وُلد مع الاتفاقية التركية

من المهم تصحيح الانطباع القائل إن الخلافات البحرية الليبية مع اليونان بدأت بتوقيع مذكرة التفاهم مع تركيا. فالمسألة أقدم من ذلك، وترتبط بتباين المطالبات البحرية، وبالتطورات التي شهدتها المنطقة منذ عقود، ثم بتسارع الاهتمام الدولي باكتشافات الغاز الطبيعي وإقامة مشروعات الربط والتصدير في شرق المتوسط.

وقد شهدت المنطقة اتفاقيات لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، وتشكّلت أطر إقليمية للتعاون في مجال الغاز، من بينها منتدى غاز شرق المتوسط الذي أُعلن تأسيسه عام 2019، فضلاً عن مشروعات طموحة لنقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

وفي خضم هذه التحولات، ظلت ليبيا بحاجة إلى استكمال رؤيتها التفاوضية البحرية، وتحديد مصالحها بصورة أكثر وضوحًا، بما يتناسب مع طول ساحلها وموقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية المحتملة.

وليس المقصود من استعراض هذه المحطات توجيه الاتهام إلى أي دولة، وإنما استخلاص درس استراتيجي واضح: إن غياب الدولة عن طاولة التفاوض لا يحمي حقوقها، وإن تأخرها في بناء موقف قانوني وفني متكامل قد يحدّ من قدرتها على التأثير في الترتيبات الإقليمية.

ثانيًا: ماذا تعني المصادقة البرلمانية بالنسبة إلى ليبيا؟

إن أهمية المصادقة على مذكرة التفاهم لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في كونها تعزز الموقف الليبي في إطار العلاقة التعاقدية مع تركيا، وتؤكد أن ملف الحدود البحرية يجب أن يحظى باهتمام المؤسسات التشريعية والتنفيذية والفنية المختصة.

لكن الموضوعية تقتضي التمييز بين نفاذ الاتفاقية بين طرفيها وبين مدى الاحتجاج بها في مواجهة الدول الأخرى. فالمصادقة الليبية، مهما كانت أهميتها، لا تعني وحدها أن جميع الاعتراضات القانونية قد حُسمت، أو أن حقوق الدول الأخرى قد سقطت، أو أن ترسيم الحدود البحرية أصبح نهائيًا في مواجهة أطراف ثالثة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية العمل القانوني والدبلوماسي المتكامل؛ فالدفاع عن الحقوق لا يكون بالشعارات، بل بملفات فنية دقيقة، وإحداثيات مدروسة، وحجج قانونية تستند إلى قواعد القانون الدولي، وقدرة على إدارة التفاوض بثقة ومسؤولية.

ومن ثم، فإنني أرى أن الخطوة البرلمانية ينبغي أن تكون بداية لمسار وطني متكامل، لا نهاية للملف.

ثالثًا: مصر الشقيقة.. الاختلاف في المصالح لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف في العلاقات

وفي هذا السياق، من الضروري التأكيد على احترام جمهورية مصر العربية الشقيقة، قيادةً وشعبًا، وتقدير الروابط التاريخية والجغرافية والاقتصادية التي تجمع البلدين.

إن اختلاف وجهات النظر بشأن الحدود البحرية لا ينبغي أن يُفسَّر باعتباره خصومة بين الشعبين، ولا أن يتحول إلى مادة للمزايدات أو التجريح. فمصر دولة معنية بمصالحها البحرية والاقتصادية، وليبيا كذلك، ومن الطبيعي أن تسعى كل دولة إلى حماية حقوقها وفق ما تراه من اعتبارات قانونية واستراتيجية.

وقد وقّعت مصر واليونان اتفاقًا لترسيم جزء من مناطقهما الاقتصادية الخالصة عام 2020، في سياق التنافس على تحديد الحقوق البحرية في شرق المتوسط. وهذا واقع يستوجب من ليبيا التعامل معه بمقاربة قانونية وفنية واضحة، بعيدًا عن الانفعال أو افتراض النيات.

والأجدر بالبلدين الشقيقين أن ينظرا إلى هذا الملف باعتباره فرصة لتعزيز الحوار والتعاون، لا سببًا لإضعاف العلاقات الثنائية. فالمصالح المشتركة بين ليبيا ومصر في التجارة والطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي أكبر من أن تُختزل في خلاف قابل للمعالجة عبر التفاوض.

رابعًا: القانون الدولي هو الإطار الذي ينبغي أن يجمع الجميع

إن ترسيم الحدود البحرية ليس مسألة تُحسم بمجرد إعلان موقف سياسي، أو بتبني تفسير منفرد للخريطة الجغرافية؛ بل هو عملية قانونية وفنية تراعي طبيعة السواحل، والمسافات، والحقوق البحرية ذات الصلة، والظروف الجغرافية الخاصة، ومبدأ التوصل إلى حل منصف.

وتوفر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 إطارًا مهمًا في هذا المجال. فالمادتان 74 و83 تتناولان ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتلاصقة، وتؤكدان ضرورة التوصل إلى حل منصف.

كما تنظم الاتفاقية سبل تسوية المنازعات، بما في ذلك الوسائل القضائية والتحكيمية، وفق شروط الاختصاص والالتزامات القانونية المنطبقة على الأطراف المعنية.

ومن المهم هنا عدم الخلط بين أحكام الاتفاقية وبين انطباقها التعاهدي على كل دولة؛ فالدول التي ليست أطرافًا فيها لا تُلزم تلقائيًا بجميع أحكامها لمجرد ورودها في الاتفاقية، مع مراعاة ما قد يكون لبعض القواعد من صفة عرفية في القانون الدولي.

ومع ذلك، فإن ليبيا تستطيع أن تتبنى مبادرة سياسية وقانونية أوسع من الحد الأدنى للالتزامات، وأن تدعو جميع الدول المعنية إلى اعتماد مبادئ الاتفاقية مرجعًا مشتركًا للتفاوض، وإلى الالتزام بما يتم الاتفاق عليه في إطار تسوية متبادلة ومتوازنة.

وهذا في تقديري يعزز موقف ليبيا، لأنه ينقل النقاش من تبادل الاعتراضات إلى اختبار الحجج القانونية والفنية على طاولة واحدة.

خامسًا: شرق المتوسط ليس مجرد خريطة.. بل مستقبل اقتصادي

من منظور نفطي واقتصادي، فإن القيمة الحقيقية لهذا الملف تتجاوز مسألة تحديد خطوط على الخرائط. فشرق المتوسط أصبح منطقة تتقاطع فيها اكتشافات الغاز، ومشروعات الاستكشاف البحري، وخطوط الأنابيب، وممرات النقل، ومصالح الشركات الدولية والأسواق الأوروبية.

وليبيا، بما تمتلكه من موقع استراتيجي على جنوب المتوسط، وخبرة طويلة في صناعة النفط والغاز، وإمكانات تستحق مزيدًا من التقييم والاستكشاف، ينبغي أن تعمل على تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

وهذا يتطلب تطوير البيانات الجيولوجية والبحرية، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، وتهيئة بيئة قانونية مستقرة للاستثمار، وتطوير الشراكات التقنية والمالية مع الشركات الدولية، بما يضمن تعظيم العائد الوطني من أي موارد تثبت جدواها التجارية.

كما أن وضوح الحدود البحرية، متى جرى التوصل إليه بصورة قانونية ومستقرة، من شأنه أن يحد من المخاطر المرتبطة بالاستثمار والاستكشاف، ويعزز الثقة في المشروعات طويلة الأجل.

وبالتالي، فإن حماية السيادة البحرية ليست غاية رمزية فحسب؛ إنها جزء من حماية فرص التنمية، وتنويع الاقتصاد، وتوسيع قاعدة الإيرادات الوطنية، وخلق فرص عمل للأجيال الليبية القادمة.

سادسًا: المبادرة الليبية المطلوبة.. من الاعتراض إلى التفاوض الشامل

أعتقد أن أفضل مسار يمكن أن تتبناه ليبيا في المرحلة المقبلة هو البناء على المصادقة البرلمانية، من خلال مبادرة دبلوماسية متوازنة تدعو الدول المعنية بملف الحدود البحرية في شمال شرق المتوسط إلى حوار جاد، يهدف إلى الوصول إلى ترسيم عادل ومنصف، يحفظ الحقوق المشروعة للجميع.

ويمكن أن تتضمن هذه المبادرة الخطوات الآتية:

  1. تشكيل فريق وطني متخصص يضم خبراء في القانون الدولي للبحار، والجغرافيا البحرية، والمساحة والهيدروغرافيا، والطاقة والاقتصاد، يتولى إعداد ملف ليبي متكامل يستند إلى الخرائط والإحداثيات والدراسات الفنية والقانونية.
  2. دعوة الدول المعنية إلى مفاوضات مباشرة ومتعددة الأطراف، عند الاقتضاء، مع إمكان الاستعانة بخبراء مستقلين أو بوساطة دولية مقبولة، دون التفريط في الحقوق الليبية أو افتراض نتيجة مسبقة للمفاوضات.
  3. اعتماد مبادئ اتفاقية قانون البحار لعام 1982 مرجعًا تفاوضيًا مشتركًا، حتى بالنسبة إلى الدول التي ليست أطرافًا فيها، متى وافقت على ذلك، وبما لا ينتقص من القواعد العرفية الواجبة التطبيق أو من الحقوق القانونية القائمة.
  4. النظر في التوقيع على اتفاق إطاري مشترك تلتزم بموجبه الدول المشاركة بالمبادئ والإجراءات التي تتفق عليها لتسوية الخلافات، وبالامتناع عن أي خطوات تصعيدية من شأنها تعقيد المفاوضات، مع احترام الحقوق والالتزامات القانونية لكل طرف.
  5. العمل على التوصل إلى ترتيبات مؤقتة وعملية عند الحاجة، مثل التعاون الفني أو تنظيم بعض الأنشطة البحرية باتفاق الأطراف المعنية، دون أن يُفهم ذلك تنازلاً عن المطالبات أو حسمًا نهائيًا للحدود.
  6. إبقاء خيارات التسوية القانونية مفتوحة، بما فيها التوفيق والتحكيم والقضاء الدولي، وفق شروط الاختصاص وموافقة الأطراف أو الأسس القانونية التي تتيح اللجوء إلى كل مسار.

إن مثل هذه المبادرة ستُظهر ليبيا باعتبارها دولة تدافع عن مصالحها بثقة، لكنها في الوقت ذاته تؤمن بالحوار، وتحترم القانون، وتسعى إلى الاستقرار الإقليمي بدلاً من تأجيج النزاعات.

الخلاصة: السيادة مسؤولية.. والحقوق تحتاج إلى إدارة

إن مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم البحرية الليبية التركية تمثل محطة مهمة في مسار ملف استراتيجي لا يجوز التعامل معه بالتجاهل أو التبسيط. وهي خطوة ينبغي أن تتبعها أعمال مؤسسية وفنية ودبلوماسية تضمن أن يتحول الموقف الليبي إلى قوة تفاوضية حقيقية.

وفي المقابل، فإن احترام مصر الشقيقة وسائر الدول المعنية لا يتعارض مع الدفاع عن المصالح الليبية؛ بل إن التفاوض المسؤول، القائم على القانون والإنصاف، هو الطريق الأجدى لحماية تلك المصالح وتجنب تحويل الخلافات البحرية إلى أزمات سياسية طويلة الأمد.

إن ليبيا لا تحتاج إلى خصومات إضافية، بل إلى حضور أقوى في الملفات التي تمس مستقبلها الاقتصادي والسيادي. ولا تحتاج إلى الاكتفاء بإعلان حقوقها، بل إلى بناء الأدلة الفنية والقانونية، وإدارة المفاوضات، وتهيئة الظروف التي تسمح بتحويل إمكاناتها البحرية إلى فرص تنمية واستثمار.

إن البحر المتوسط ينبغي أن يكون مساحة للتعاون والتنمية، لا ساحة لإقصاء ليبيا أو تصادم دوله. ومصلحة ليبيا العليا تقتضي أن تكون حاضرة في رسم مستقبله، شريكة في استقراره، وصاحبة موقف قانوني راسخ في الدفاع عن حقوقها، ومنفتحة على تسوية عادلة تحفظ مصالح الجميع.

مشاركة الخبر