Skip to main content
|

“حسني بي”: لماذا يضطر المصرف المركزي شراء الدينار وبيع الدولار؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يثور كثير من الجدل حول العلاقة بين سعر الصرف والإنفاق العام بالدينار الليبي، وحول الأسباب التي تدفع مصرف ليبيا المركزي إلى بيع العملات الأجنبية بصورة مستمرة. والحقيقة أن فهم هذه العلاقة يعد مفتاحاً لفهم أسباب التضخم واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية وتراجع قيمة الدينار.

من الناحية المحاسبية والنقدية، لا تنفق الدولة أو الحكومة بالدولار داخل الاقتصاد المحلي، العملة المحلية دينارات ليبية، لذلك الحكومة ملزمة أن تنفق بالدينار الليبي. وعندما تتحصل الدولة أو الحكومة على إيرادات النفط والغاز بالدولار، فإنها تحتاج إلى تحويل جزء من هذه الإيرادات إلى دنانير حتى تتمكن من دفع المرتبات والمصروفات التسييرية والدعم والمشروعات العامة.

وهنا يبرز السؤال الأساسي:

من أين تحصل الدولة على الدنانير التي تنفقها؟

هناك حالتان مختلفتان:

الحالة الأولى: أن يقوم المصرف المركزي ببيع الدولار لتغطية الطلب الحقيقي على النقد الأجنبي، سواء لتمويل الاعتمادات المستندية أو الحوالات أو الأغراض الشخصية أو غيرها من الاحتياج المرتبطة بالاستيراد والتعاملات الخارجية. في هذه الحالة يكون بيع الدولار استجابة لطلب السوق على العملة الأجنبية، وهي وظيفة طبيعية لأي مصرف مركزي.

الحالة الثانية: أن يكون بيع الدولار مرتبطاً أيضاً بحاجة الدولة للحصول على الدنانير اللازمة للإنفاق العام. ففي هذه الحالة يصبح المصرف المركزي عملياً مضطراً إلى بيع الدولار وشراء الدينار من المواطنين والشركات حتى يتمكن من تمويل الإنفاق الحكومي.

فالدنانير التي يدفعها المواطنون مقابل الحصول على الدولار للأغراض الشخصية، أو التي تدفعها الشركات مقابل فتح الاعتمادات وتمويل الواردات، تعود في النهاية إلى المصرف المركزي، ثم يعاد ضخها في الاقتصاد على شكل مرتبات ومصروفات حكومية وإنفاق عام.

ومن هنا تنشأ معادلة أساسية كثيراً ما يتم تجاهلها:

كل دينار تنفقه الدولة يجب أن يقابله سحب مماثل للدينار من السوق عبر بيع العملات الأجنبية.

فإذا توسع الإنفاق العام بالدينار دون أن يقابله بيع كافٍ للدولار وسحب مكافئ للدينار من السوق، فإن النتيجة تكون زيادة الكتلة النقدية المحلية بصورة تفوق قدرة الاقتصاد على استيعابها.

وعندها تظهر ثلاثة آثار مباشرة:

1- ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة كمية الدنانير المتداولة مقارنة بالسلع والخدمات المتاحة. 2- اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية بسبب زيادة الطلب على الدولار كملاذ لحفظ القيمة. 3- تراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة اختلال التوازن بين عرض وطلب العملات الأجنبية.

لذلك فإن استقرار سعر الصرف لا يتحقق فقط بإدارة سوق النقد الأجنبي، بل يرتبط بالدرجة الأولى بانضباط الإنفاق العام. فكل زيادة في الإنفاق بالدينار يجب أن يقابلها تدفق حقيقي من إيرادات النقد الأجنبي يسمح للمصرف المركزي ببيع ما يكفي من الدولار وسحب ما يكفي من الدنانير من السوق.

وبعبارة أخرى، فإن العلاقة بين الإنفاق العام وسعر الصرف ليست علاقة غير مباشرة، بل هي علاقة محاسبية ونقدية جوهرية وأساسية. فكل دينار يتم إنفاقه دون وجود ما يقابله من شراء دينارات مقابل بيع إيرادات دولارية حقيقية يجري تحويلها إلى دينار عبر المصرف المركزي، يتحول تدريجياً إلى ضغط تضخمي، ويزيد الطلب على الدولار، ويضعف قيمة العملة الوطنية.

إن الحفاظ على استقرار الدينار الليبي يتطلب ربط الإنفاق العام بحجم الإيرادات الدولارية الفعلية، وضمان أن يكون كل دينار يتم ضخه في الاقتصاد مغطى بعملية مقابلة لسحب الدينار من السوق عبر بيع العملات الأجنبية، وإلا فإن التضخم والفجوة السعرية سيبقيان النتيجة الحتمية لأي توسع مالي غير منضبط.

مشاركة الخبر