Skip to main content
|

“حسني بي”: الإصلاح الشامل.. الحجة المثالية لعدم إصلاح أي شيء

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

“هذا ليس وقته”… حجة الفاشل الذي ينتظر مخرجات مختلفة بدون إجراء أي تغيير..

كلما طُرح إصلاح بند واضح ومحدد ونازف، خرج علينا البعض بالعبارة السحرية: “نحن مع الإصلاح الشامل وليس الجزئي.” وكأنهم اكتشفوا فجأة أن ليبيا تعاني من مشاكل أخرى غير دعم المحروقات!

يا للعجب… كأن الشعب الليبي لم يكن يعلم أن لدينا أزمة إنفاق عام، وأزمة سعر صرف، وأزمة قطاع عام مترهل، وأزمة حوكمة، وأزمة فساد، وأزمة تهريب، وأزمة خدمات. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل بينما ننتظر ذلك “الإصلاح الشامل” الذي يتحدثون عنه منذ عقود ولم يأتِ؟

هل نواصل إنفاق عشرات المليارات على منظومة يعلم الجميع أنها تبتلع ما يقارب 40% من الإنفاق العام؟ هل نستمر في تمويل التهريب والهدر بحجة أن إصلاح القضاء لم يكتمل؟ وهل نؤجل وقف النزيف لأن غرفة العمليات لم تُطل بالكامل بعد؟

المنطق الذي يقول: “لا تصلح بند المحروقات قبل إصلاح كل شيء”، يشبه تماماً طبيباً يرى مريضاً ينزف فيرفض إيقاف النزيف بحجة أنه يريد أولاً علاج أسنانه، وضبط ضغطه، وإجراء فحص شامل، ثم بعد ذلك ينظر في الجرح المفتوح!

الإصلاح الشامل هدف نبيل، لكنه لا يكون ذريعة لتعطيل الإصلاح الممكن. الحقيقة أن معظم الإصلاحات الكبرى في العالم بدأت بإصلاحات جزئية: بند دعم، أو نظام ضرائب، أو قطاع مصرفي، أو سعر صرف. لم تستيقظ دولة ذات صباح لتُصلح كل شيء دفعة واحدة.

أما في ليبيا، فقد أصبح شعار “الإصلاح الكلي” عند البعض أشبه بلافتة مكتوب عليها: “رجاءً لا تلمسوا شيئاً.”

إن إصلاح دعم المحروقات لا يعني إلغاء الدعم، بل إعادة الدعم إلى صاحبه الحقيقي: المواطن الليبي. ولا يعني التخلي عن الإصلاح الشامل، بل البدء من أكبر تشوه اقتصادي وأكبر نزيف مالي وأكبر مصدر للهدر والتهريب.

ومن الغريب أن بعض من يرفضون إصلاح بند واحد بحجة ضرورة الإصلاح الكلي، لا يقدمون أي خارطة طريق لذلك الإصلاح الكلي، ولا جدولاً زمنياً، ولا أولويات، ولا حتى مشروع قانون. فقط عبارة أنيقة تصلح للندوات والتعليقات التلفزيونية: “يجب الإصلاح الشامل.”

لقد دفع الليبيون ثمن الانتظار طويلاً. وإذا كان الإصلاح الشامل سيأتي يوماً، فمرحباً به. أما إذا كان المقصود به أن ننتظر عشر سنوات أخرى بينما تستنزف ثروة الليبيين أمام أعينهم، فإن هذا ليس إصلاحاً، بل إدارة محترفة للجمود.

الخلاصة بسيطة: نعم، نريد إصلاحاً شاملاً. لكننا نرفض أن يتحول حلم الإصلاح الشامل إلى ذريعة لعدم إصلاح أي شيء. فلا يجوز أن نؤجل علاج أكبر نزيف اقتصادي في البلاد بحجة أن الجسد كله مريض. إيقاف النزيف ليس خيانة للإصلاح الشامل… بل هو أول خطوة نحوه.

مشاركة الخبر