Skip to main content

الوسم: السياسة النقدية

من يقود الاستقرار النقدي في ليبيا؟.. ثلاث رؤى بين توحيد سوق الصرف وقيادة السياسة النقدية والانضباط المالي

أثار تراجع قيمة الدينار الليبي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي نقاشاً اقتصادياً مهماً، بدأ بما نشره محافظ مصرف ليبيا المركزي الأسبق فرحات بن قدارة حول تجربة توحيد سعر الصرف، ثم بما طرحه الدكتور محمد أحمد بشأن القيادة الفكرية والمؤسسية للسياسة النقدية، وأعقب ذلك تعليقان مستقلان من حسني بي على كل من الطرحين، أعادا النقاش إلى جذور الاختلال في المالية العامة ومصدر النقود.

ورغم اختلاف المداخل، فإن الرؤى الثلاث تتكامل في تشخيص الأزمة، لكنها تختلف في ترتيب الأسباب وأولويات العلاج.

أولاً: فرحات بن قدارة — توحيد السوق لا يتحقق بمجرد تخفيض الدينار

استعرض بن قدارة تجربة توحيد سعر الصرف خلال الفترة 1999–2002، عندما كان الدولار يُباع رسمياً بنحو 0.33 دينار، بينما بلغ سعره في السوق الموازية نحو 3.70 دنانير.

بدأ الإصلاح باعتماد سعر صرف خاص معلن قريب من السوق، في حدود 3.20 دنانير للدولار، ثم جرى تعديل الأسعار تدريجياً وتوسيع الحصول على النقد الأجنبي عبر المصارف، حتى تقارب المساران عند نحو 1.30 دينار للدولار مطلع 2002.

الدرس الأساسي من التجربة أن السوق الموازية لم تتراجع بالمنع، وإنما بنقل الطلب منها إلى القنوات المصرفية، من خلال سعر واقعي وتوفير فعلي للنقد الأجنبي.

ويرى بن قدارة أن تخفيض قيمة الدينار بقرار إداري، مع استمرار القيود والفجوة السعرية، لا يحقق التوازن، بل قد يؤدي إلى استمرار المضاربة والريع.

كما أن نجاح توحيد سعر الصرف واستدامته يتطلبان انضباطاً مالياً ونقدياً يمنع نمو الطلب على الدولار بصورة تتجاوز الموارد المتاحة.

ثانيًا: الدكتور محمد أحمد — قوة المصرف المركزي في قيادة الفكر النقدي لا سلطة المحافظ

انتقل الدكتور محمد أحمد بالنقاش إلى سؤال مختلف: هل تكمن قوة المصرف المركزي في الصلاحيات التنفيذية للمحافظ، أم في قدرته على قيادة مؤسسة تنتج سياسة نقدية متكاملة؟

واستحضر في هذا السياق تجارب ميلتون فريدمان وبول فولكر وآلان غرينسبان، للتمييز بين الفكر الاقتصادي، والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، والقيادة المؤسسية للسياسة النقدية.

ومن هذا المنطلق تبرز أسئلة جوهرية حول ليبيا:

  • هل امتلك المصرف المركزي منذ عام 2011 سياسة نقدية معلنة تربط بين عرض النقود والإنفاق العام والتضخم وسعر الصرف؟
  • وهل كانت لجنة السياسة النقدية ومجلس الإدارة مشاركين فعليين في صناعتها، أم غلبت سلطة المحافظ الفردية؟

إن هذه المقاربة تؤكد أن الاستقرار النقدي يحتاج إلى مؤسسات قوية وقرارات قائمة على التحليل الاقتصادي، لا على الأشخاص أو الاعتبارات السياسية.

لكنها تفتح سؤالاً آخر: هل تستطيع أفضل قيادة نقدية تحقيق الاستقرار إذا استمرت المالية العامة في توليد عجز يُموّل بخلق نقود جديدة؟

ثالثًا: حسني بي — أصل الاختلال في المالية العامة قبل سوق الصرف

جاءت تعليقات حسني بي على الطرحين بصورة مستقلة، متفقة مع كثير من مضمونهما، لكنها اختلفت في ترتيب الأسباب الاقتصادية.

في تعليقه على بن قدارة، اتفق مع ضرورة توحيد سعر الصرف وتوفير الدولار عبر القنوات الرسمية، لكنه اعتبر أن المشكلة لا تقتصر على كيفية توزيع الدولار، بل تبدأ بالسؤال: من أين جاءت الدنانير التي تطارده، وبأي سعر يجب بيع الدولار؟

فالاقتصاد الليبي يعتمد على النفط مصدراً شبه وحيد لإيرادات الدولة، بينما يجري معظم الإنفاق العام بالدينار.

وتوضح بيانات مصرف ليبيا المركزي حتى سبتمبر 2026 أن إيرادات النفط والأتاوات بلغت نحو 111.6 مليار دينار من إجمالي إيرادات مسجلة قدرها 114.58 ملياراً، أي قرابة 97%.

وعندما يتجاوز الإنفاق الموارد المستدامة، ويُموّل العجز نقدياً، تتوسع الكتلة النقدية ويزداد الطلب على السلع والواردات والدولار، فتظهر الضغوط على سعر الصرف.

وهنا تتشكل سلسلة الاختلال: عجز مالي ← تمويل نقدي وخلق دينار ← توسع السيولة والطلب ← ضغط على الدولار ← فجوة سعرية وريع ومضاربة وتضخم.

ومن ثم فإن السوق الموازية ليست بالضرورة أصل المرض، بل إحدى مظاهره.

ويرى حسني بي أن توزيع الدولار بالسعر الرسمي على الأفراد أو التجار أو شركات الصرافة لا يلغي الريع إذا ظل السعر الرسمي بعيداً عن سعر التوازن؛ فقد يتغير المستفيد من الريع، لكن الريع نفسه يستمر.

أما سعر التوازن المطلوب، فيجب أن يراعي عرض النقود والطلب على النقد الأجنبي والموارد الدولارية، وأن ينسجم مع موازنة مستدامة، دون اعتبار تخفيض الدينار بديلاً عن ضبط الإنفاق.

وفي تعليقه على الدكتور محمد أحمد، اتفق حسني بي مع أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية، لكنه أكد أن السياسة النقدية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع وحدها معالجة عجز مالي مستمر يُموّل بخلق النقود.

فتجربة بول فولكر في مكافحة التضخم الأمريكي جرت في اقتصاد يمتلك أسواقاً مالية وائتمانية عميقة، بينما يهيمن الإنفاق العام على جانب كبير من النشاط الاقتصادي الليبي، وتظل أدوات انتقال السياسة النقدية محدودة نسبياً.

ولهذا فإن مسؤولية المحافظ ليست فقط إدارة السيولة والاحتياطيات، وإنما إعلان حدود الموارد المتاحة، وتوضيح الآثار الاقتصادية للإنفاق والعجز على التضخم وسعر الصرف والقوة الشرائية.

رابعًا: الاحتياطيات ودعم الطاقة — بين حماية الاستقرار واستدامته

تؤكد هذه المناقشة أن حجم الاحتياطيات الأجنبية، رغم أهميته، لا يحدد وحده قوة الدينار.

فالاحتياطيات توفر الحماية من الصدمات وتمكّن الدولة من تمويل الواردات، لكنها لا تستطيع الدفاع إلى ما لا نهاية عن سعر صرف غير متوازن إذا استمر الإنفاق الممول بالعجز والتوسع النقدي.

وهذا يتفق مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من عدم استدامة المسار المالي الليبي، وأن تعديل سعر الصرف والإجراءات الإدارية لا يغنيان عن التصحيح المالي.

كما يبرز إصلاح دعم الطاقة والمحروقات بوصفه أحد أهم مجالات معالجة هيكل الإنفاق.

فإلى جانب فاتورة المرتبات الضخمة، تمثل الطاقة تكلفة اقتصادية كبيرة، لا تقتصر على الدعم المباشر المسجل في الموازنة، بل تشمل أيضاً الوقود المستورد والنفط والغاز المستهلكين محلياً.

وتشير تقديرات تحليلية أوسع إلى أن التكلفة الاقتصادية الشاملة للطاقة قد تقترب من 40% من الإنفاق العام الفعلي، مع ضرورة التمييز بين هذه التقديرات والبنود المحاسبية الرسمية.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال التدريجي من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقداً، بما يقلص الهدر والتهريب ويحسن كفاءة الإنفاق، مع حماية القوة الشرائية.

كذلك فإن تنويع الاقتصاد لا يكفي ما لم يتحول إلى تنويع حقيقي لإيرادات الدولة، من خلال توسيع النشاط الإنتاجي الرسمي والقاعدة الضريبية، بدلاً من استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط.

خامسًا: أين تلتقي الرؤى الثلاث، وأين تختلف؟

يمكن اختصار جوهر النقاش في ثلاثة أسئلة:

  • فرحات بن قدارة: كيف نوحد سوق الصرف عند سعر واقعي، وننقل الطلب على الدولار من السوق الموازية إلى المصارف؟
  • الدكتور محمد أحمد: من يصنع السياسة النقدية، وكيف نبني قيادة مؤسسية قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة؟
  • حسني بي: من أين جاءت الدنانير التي تطارد الدولار، وكيف نضبط الإنفاق والعجز ومصدر تمويلهما قبل معالجة النتائج؟

الاختلاف الأساسي ليس في أهمية هذه العناصر، بل في ترتيبها.

فبن قدارة يركز على آليات سوق الصرف، ومحمد أحمد على القيادة والمؤسسات النقدية، بينما يعيد حسني بي السبب الأول إلى المالية العامة والتمويل النقدي للعجز.

والواقع أن ليبيا تحتاج إلى المستويات الثلاثة، ولكن ضمن إطار متكامل يبدأ بمنع تجدد الاختلال المالي، ثم اعتماد سعر صرف توازني وقنوات موثوقة للنقد الأجنبي، تديرها مؤسسة نقدية مستقلة وفعالة.

الخلاصة: الاستقرار النقدي يبدأ من التوازن الاقتصادي

لا تحتاج ليبيا إلى محافظ قوي وحده، ولا إلى تخفيض جديد للدينار وحده، ولا إلى فتح شركات الصرافة وحدها.

إنما تحتاج إلى سياسة مالية تضبط الإنفاق والعجز، وسياسة نقدية مؤسسية، وسعر صرف يعكس التوازن الاقتصادي، وإصلاح تدريجي لدعم الطاقة، وتنويع حقيقي لمصادر الإيرادات العامة.

ويمكن تلخيص جوهر الأزمة في المعادلة التالية: عجز مالي + تمويل نقدي + سعر صرف إداري غير متوازن = ضغوط تضخمية + فجوة سعرية + ريع ومضاربة وسوق موازية.

لقد قدم بن قدارة درساً عملياً في توحيد سوق الصرف، وطرح محمد أحمد أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية، بينما أعاد حسني بي النقاش إلى الموازنة العامة ومصدر النقود.

والقراءة الأكثر اكتمالاً ليست المفاضلة بين هذه الرؤى، وإنما ترتيبها في منظومة إصلاح واحدة: انضباط مالي يمنع إنتاج الاختلال، وسعر صرف توازني يمنع صناعة الريع، ومصرف مركزي مؤسسي يحمي الاستقرار.

فالمشكلة في ليبيا ليست نقص القرارات، بل غياب التوازن بين الموارد والإنفاق والنقود.

والاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يحترم قراراً إدارياً يتعارض مع قواعده وتوازناته.

“حلمي القماطي”: بيان المصرف المركزي الأخير يكشف اختلالًا هيكليًّا في إدارة التوازن بين الموارد والاستخدامات

كتب: د. حلمي القماطي/ رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي

ما أورده مصرف ليبيا المركزي في بيانه الأخير يستحق قراءة تحليلية هادئة ولكن صارمة، لأن الأرقام “في جوهرها” لا تعكس مجرد تطور مالي ظرفي بل تكشف عن اختلال هيكلي في إدارة التوازن بين الموارد والاستخدامات.
من منظور اقتصادي علمي، المشكلة ليست في العجز ذاته، بل في طبيعته ومصدره فعندما تبلغ الإيرادات النفطية المحوّلة نحو 2.2 مليار دولار، مقابل استخدامات للنقد الأجنبي تصل إلى 4.2 مليار دولار خلال فترة زمنية قصيرة، فإننا أمام فجوة تمويلية تقارب 2 مليار دولار. هذه الفجوة لم تُغطَّ من تدفقات حقيقية، بل من خلال السحب من الأصول الأجنبية، وهو ما يعكس انتقال السياسة النقدية من إدارة التدفقات (Flow Management) إلى إدارة المخزون (Stock Financing).

هذا التحول يُعد مؤشرًا على ضعف القدرة على ضبط الطلب على النقد الأجنبي، وليس مجرد انعكاس لارتفاعه.

1-اختلال هيكل الطلب على النقد الأجنبي
اقتصاديًا الطلب على العملة الأجنبية في حالة ليبيا لا يرتبط فقط بالنشاط الاقتصادي الحقيقي بل يتداخل مع:
• الطلب الاستهلاكي المرتفع (بفعل الإنفاق العام).
• الطلب التحوطي (نتيجة فقدان الثقة في العملة المحلية).
• الطلب المضاربي (بسبب فجوة سعر الصرف).
غياب تفصيل استخدامات الـ4.2 مليار دولار يجعل من الصعب تقييم كفاءة التخصيص، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى قصور في الشفافية التحليلية وهي عنصر أساسي في إدارة التوقعات (Expectations Management).

2-مفارقة ارتفاع الاحتياطيات مع وجود عجز
الإشارة إلى ارتفاع الأصول الأجنبية إلى 103 مليار دولار قد تبدو إيجابية ظاهريًا، لكنها لا تنفي وجود خلل ديناميكي.
فالاحتياطيات هنا لا تُستخدم كأداة استقرار احترازي فقط، بل كوسيلة تمويل مباشر للعجز، وهو ما يضعف دورها كـ”خط دفاع” في مواجهة الصدمات الخارجية.
بعبارة أدق:
ارتفاع الرصيد لا يعني سلامة التدفق.

3-غياب التنسيق بين السياستين النقدية والمالية
تشير البيانات إلى أن الإنفاق العام بلغ 6.5 مليار دينار، منها 5.8 مليار للمرتبات، دون أي إنفاق تنموي يُذكر.
هذا النمط يعكس هيكل إنفاق جاري (Current Expenditure Dominance)، وهو ما يؤدي إلى:
• تغذية الطلب الاستهلاكي.
• زيادة الواردات.
• الضغط على ميزان المدفوعات.
في هذه الحالة يصبح من الصعب على السياسة النقدية تحقيق الاستقرار دون دعم من سياسة مالية انضباطية.
وهنا يظهر غيابًا واضحًا للتنسيق المؤسسي.
4- فجوة سعر الصرف كمؤشر على عدم التوازن
اتساع الفارق بين السعر الرسمي (6.30) وسعر السوق الموازية (نحو 10.77) يعكس وجود اختلال في توازن العرض والطلب على العملة الأجنبية.
اقتصاديًا، هذا الفارق يشير إلى أحد أمرين:
• إما أن السعر الرسمي أقل من قيمته التوازنية.
• أو أن قنوات توزيع النقد الأجنبي لا تصل بكفاءة إلى السوق الحقيقي.
وفي كلا الحالتين، فإن النتيجة هي:
تشوهًا في الإشارات السعرية (Price Signals Distortion).

5-التقدم في الدفع الإلكتروني: أثر محدود على الاستقرار الكلي
التوسع في أدوات الدفع الإلكتروني (نقاط البيع، البطاقات الدفع الفوري) يمثل تطورًا مهمًا على المستوى التشغيلي، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة، لأن:
• هذه الأدوات تحسن كفاءة التداول المحلي.
• لكنها لا تقلل بالضرورة من الطلب على النقد الأجنبي.
بل قد تسرّع من دوران السيولة، مما يعزز الطلب على الواردات في اقتصاد غير منتج.

التقييم العام
وفق التحليل السابق يمكن توصيف الوضع الحالي كالتالي:
• عجز في التدفقات الخارجية رغم استقرار الإيرادات النفطية.
• اعتماد متزايد على الاحتياطيات كمصدر تمويل.
• هيمنة الإنفاق الجاري على المالية العامة.
• تشوه في سوق الصرف يعكس ضعف فعالية السياسة النقدية.
ما كان ينبغي توضيحه
من الناحية المهنية كان من المتوقع أن يتضمن بيان مصرف ليبيا المركزي:
• تفصيلًا قطاعيًا لاستخدامات النقد الأجنبي.
• تفسيرًا لارتفاع الطلب خلال الفترة.
• إجراءات محددة لضبط السوق.
• إطارًا واضحًا لإدارة فجوة سعر الصرف.
غياب هذه العناصر يجعل البيان أقرب إلى عرض بيانات منه إلى تقرير سياسات.

ليبيا لا تواجه أزمة موارد بقدر ما تواجه أزمة إدارة اقتصادية كلية (Macroeconomic Management).
ففي ظل اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، يصبح الحفاظ على التوازن بين الإيرادات والاستخدامات مسألة حوكمة وسياسات، لا مسألة موارد.
وعليه، فإن استمرار هذا النمط – دون تدخلات هيكلية – قد يؤدي تدريجيًا إلى:
• تآكل فعالية الاحتياطيات.
• اتساع فجوة سعر الصرف.
• زيادة الضغوط التضخمية.
وهي نتائج يمكن تجنبها، إذا ما تم الانتقال من إدارة رد الفعل إلى إدارة استباقية قائمة على التحليل والتنسيق والسيطرة على الطلب.

“أكرم الغزيوي”: خطوة مهمة في طريق إصلاح السياسة النقدية.. ومصرف ليبيا المركزي يفتح الباب

كتب: أكرم عبدالله الغزيوي / باحث اقتصادي ونائب مدير عام شركة التكافل للتأمين

في زمن تحتاج فيه ليبيا لأدوات مالية نظيفة وفعالة، مصرف ليبيا المركزي يطلق شهادات إيداع شرعية، تبني الثقة وتنظم السوق.

شن معناها؟
يعني البنوك تودّع فلوسها في المصرف المركزي، والمصرف يستثمرها بعقد مضاربة ، وبعد سنة يرجّع الفلوس مع الربح الحلال.

ليش مهم؟
لأنها أداة جديدة تمتص السيولة الزايدة، وتخلي الفلوس تشتغل في مشاريع حقيقية، مش تتراكم بفائدة محرّمة.

وين الفرق؟
المصارف الإسلامية ما تربح من الفائدة، تربح من الاستثمار… وهذه الشهادة هي البديل الشرعي لسعر الفائدة، وتخدم الاقتصاد الوطني.

من شهادة إيداع إلى شهادة إصلاح
كل خطوة نقدية مدروسة هي لبنة في بناء قطاع مصرفي ليبي محترف، يحترم الدين، ويخدم التنمية ويشجع على زيادة الوداع في القطاع المصرفي.

“حسني بي”: مشكلة ليبيا ليست في الدولارات ولا في نقص الاحتياطيات أو الإيرادات

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

أستغرب عدم الإدراك والوعي أن مشكلتنا بليبيا سوء فهم الأساسيات الاقتصادية والمالية والنقدية، حتى نعالج التشوهات الناتجة عن سياسات قائمة منذ عام 1978.

أطالب الاقتصاديين إجراء محاكاة والكشف عن مسببات الانهيار، منها التضخم وتدهور قيمة الدينار منذ كان الدولار يعادل 330 درهم عام 1982، وأسباب فقدان قيمته بنسبة 95% خلال الفترة.

نجزم أن مشكلة ليبيا في عدم فهم المعادلة بين مقومات الدول ومنها المحاور الثلاثة المكونة للاقتصاد الكلي “المالية والنقدية والاقتصادية”.

في ليبيا لدينا متلازمة الدولار؛ ونؤمن بأن احتياطيات الدولار أهم وأولى من قوة الدينار “معدل عام الأسعار وكبح التضخم”، ونتج عن ذلك ثقافة حب اكتناز الدولار، واعتقادنا أن إقرار سعر رسمي منخفض غير محرر للدينار يعالج التشوهات ويكبح جماح التضخم ويقوي الدينار.

الحقيقة أن الانهيار كان دوما نتيجة عشقنا لربط سعر صرف الدينار بالدولار، ومنها نوهم أنفسنا أن الدينار قوي.

الواقع الليبي أنه ومنذ عام 1982؛ الكثيرون من اقتصاديينا الأفاضل لم يدركوا أن سبب انهيار قيمة العملة والتضخم لدى جميع الدول؛ وليبيا ليست استثناءً، هو نتاج أخطاء سياسات:

أولا “مالية”: إنفاق عام يتعدى الإيراد العام وينتج عجز عام.
ثانيا “نقدية”: إذ يتم تمويل العجز بالميزانية نقديًا من خلال خلق نقود، مما ينتج انهيار الدينار ويتسبب في التضخم.
ثالثا “اقتصادية”: في ليبيا 93% من الإنفاق العام يموّل من دولارات النفط، لأنه تم القضاء على القطاع الخاص و حُوِّلتْ ليبيا إلى “ريع النفط”.

لذلك كلما ارتفع الإنفاق العام بالدينار مع ثبوت الإيراد بالدولار؛ كلما ينتج عجز بالميزانية العامة، ومنها نضطر لأحد الحلول الثلاثة، ولا رابع لها إلا إعادة هيكلة الاقتصاد لتحقيق نمو يتعدى معدل العجز، وتغيير النموذج يتطلب خمس سنوات في حال وجود إرادة آنية، أو من 10 إلى 20 سنة بعد توفر الإرادة.

لكن نحن بحاجة لحلول آنية؛ فكل صباح التزامات ليبيا تتعدى 700 مليون دينار، تغطى 93% منها من خلال إنتاح ليبيا من النفط والغاز بما قيمته 100 مليون دولار كل صباح.

الحلول الآنية المتوفرة لنا حسب وجهة نظري “ثلاثة”:

1- تغيير سعر الصرف لتحقيق توازن الإنفاق العام مع ما يُموّل ويغطى من خلال بيع الدولارات المتمثلة في إيرادات النفط بالدولار لتمويل 93% من الإنفاق العام.
2- الإبقاء على السعر القائم ولكن لكبح التضخم والقضاء على السوق الموازي علينا اللجوء لتمويل العحز من بيع دولارات الاحتياطيات لتغطية العجز.
3- تغطية العجز من خلال خلق نقود “طباعة أو قيود افتراضية” تنتج تضخم وتغول السوق السوداء والمضاربة.

للأسف منذ أن كان الدولار بـ330 درهم عام 1982 إلى الآن؛ تم تبني الحل الثالث أعلاه، رافعين شعار “عزة وكرامة الدينار”، والإصرار على سعر صرف ثابت لا يحقق التوازن.

الكثيرون يرفضون تعوييم الدينار ويصرّون على تبني السعر الثابت الذي ثبت فشله، ومن خلال تلك السياسات المتمثلة بالحل الثالث أعلاه، إنهار الدينار 95% منذ 1982.

وشخصيا أرفض الحل الثالث بالمطلق؛ وقد أتقبل ما لا يتعدى التضحية بنسبة 2% من الاحتياطيات حسب ما ورد بالحل الثاني، وأطالب بترشيد الإنفاق العام حتى لا يتعدى الإيراد، واستبدال الدعم نقدا لتحقيق عدالة التوزيع، أو تغيير سعر الصرف لتحقيق معادلة “إيراد عام = إنفاق عام”.

“النويري”: تدخل السفارة الأمريكية وإصرارها على فرض ترتيبات مالية على الليبيين أمر مستهجن

عبّر النائب الأول لرئيس مجلس النواب “فوزي النويري” في بيان له اليوم الخميس، عن استغرابه واستهجانه من تدخل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية وإصرارها على فرض ترتيبات مالية على الليبيين.

وقال “النويري”: “نستغرب ونستهجن من يتبنى ويرعى هذه اللقاءات المشبوهة التي يرفضها المنطق والعقل وقبلهما القانون المالي للدولة، ونحذر من تصرفات المؤسسات والشخصيات المنخرطة في ذلك، كالمصرف المركزي الذي هو بالأساس مؤسسة فنية تدير السياسة النقدية فقط وفق التشريعات المالية للدولة، وليست مؤسسة سياسية”.

وتابع قائلا: “نخاطب من يتولى مناصب سيادية بعدم الانجرار خلف هذا المسار والانخراط فيه، وإدراك أن فكرة الترتيبات المالية وتغيير سعر الصرف لها مخاطر تهدد الاقتصاد الوطني وقيمة الدينار مقابل العملات وتهدد اقتصاد البلاد، ونهيب بالمحافظ ونائبه بإبقاء المصرف المركزي بعيدًا عن تأثير السفارات، والتركيز على أداء مهامهما عوضا عن عقد اللقاءات مع السفراء”.

“العكاري”: ما خلّفهُ “الكبير” من تَرِكَة ثقيلة تحتاج إلى معالجة فورية

قال الخبير الاقتصادي وعضو لجنة تعديل سعر الصرف بالمصرف المركزي سابقا “مصباح العكاري”، إن ما خلفه المحافظ “السابق” للمصرف المركزي “الصديق الكبير”، من تركة ثقيلة بانخفاض قيمة الدينار الليبي وارتفاع عرض النقود إلى أرقام غير مسبوقة، تحتاج إلى معالجة فورية.

وأوضح “العكاري” في منشور عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” مساء الاثنين، بأن “الكبير” رفض نهاية عام 2022 تطبيق قرار مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي مكتمل النصاب بتقوية الدينار الليبي بنسبة 15% ليصبح الدولار بـ4.16 دينار والذي جاء بناء على مقترح من لجنة تعديل سعر الصرف بعد النجاح في تخفيض عرض النقود من 142 مليار دينار بنهاية عام 2020 إلى 115 مليارا فقط في أغسطس 2022.

وأضاف بأن الإنفاق الحكومي الكبير خلال الأعوام 2021 و2022 و2023 كان يتم بموافقة المحافظ “الكبير” دون وجود ميزانية معتمدة من البرلمان، وكانت علاقته بالحكومة أكثر من ممتازة ولم يعر للخطر الداهم المتمثل في تأثير ارتفاع عرض النقود على سعر الصرف أي اهتمام، وبعدها قطع “الكبير” صلته بمجلس إدارة المصرف المركزي واستمر في مجاراة الحكومة في الإنفاق غير المرشد. بدون أدنى مراقبة لنمو عرض النقود ودراسة الفجوة بين عرض النقود وحجم الاحتياطيات، إلى ان وصل عرض النقود في نهاية 2023 إلى 163 مليار دينار.

وتابع “العكاري” قائلا بأنه وفي ظل ارتفاع عرض النقود واحتياطيات حرة حسب بيان المصرف المركزي 40 مليار دولار؛ كان لابد من فرض ضريبة علي سعر الصرف بنسبة 27%، بحكم أن أداوات السياسة النقدية الأخرى معطلة بحكم القانون رقم 1 لسنة 2013، مضيفا بأن “الكبير” اتهم حينها الحكومة بأنها هي السبب في ذلك، دون الإشارة إلى مسؤولية المصرف المركزي الذي سهل كل تلك المصروفات، متناسين تأثيرها علي سعر الصرف الذي يعتبر مسؤولية البنك المركزي الأولى حسب المادة 5 من القانون 46 لسنة 2012 الخاص بالبنك المركزي.

وأشار “العكاري” إلى أن عرض النقود ارتفع بنهاية شهر يوليو 2024 إلى 175 مليار دينار، وفي ظل استمرار إغلاق الحقول النفطية الذي له تأثير مباشر علي التدفقات بالنقد الأجنبي، فإن ذلك سيؤثر على الاحتياطيات والإمدادات اليومية للسوق المحلي بالعملات الأجنبية، محذرا من أن وجود البنك المركزي بوضعه اليوم سيؤثر علي إيجاد حل لمشكلة نمو السوق الموازي، لذلك فمن الضروري حل مشكلة البنك المركزي بشكل سريع ومنحه كامل الاستقلالية بعيدا عن التجاذبات السياسية، الأمر الذي سوف يساهم في حل الكثير من المشاكل النقدية من سعر الصرف والسيولة والائتمان بشكل سريع.