Skip to main content

الوسم: الاقتصاد الليبي

“حسني بي”: واقع الاقتصاد الليبي.. أصل المشكلة في الحوافز لا في نتائجها “المضاربة والتهريب والسوق الموازية”

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يدور جزء كبير من النقاش الاقتصادي في ليبيا حول ثلاثة متهمين دائمين: المضاربة، والتهريب، والسوق الموازية. لكن التركيز على هذه الظواهر باعتبارها أصل الأزمة قد يجعلنا نعالج النتائج ونترك الأسباب. السؤال الأهم في تقديري هو: ما السياسة التي جعلت المضاربة والتهريب والريع أكثر ربحية من الإنتاج والعمل والاستثمار؟ عندما نجيب عن هذا السؤال، نقترب كثيراً من جوهر الأزمة الاقتصادية الليبية.

المشكلة ليست نقص الدولار فقط ليبيا تحصل على معظم إيراداتها العامة من النفط والغاز بالدولار، بينما تنفق الدولة محلياً بالدينار. لذلك لا يكفي أن نسأل: كم دولاراً لدينا؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: كم ديناراً تضخ الدولة في الاقتصاد، وكم ديناراً تسترد مقابل بيع إيراداتها الدولارية؟ عندما يتوسع الإنفاق العام والكتلة النقدية دون نمو موازٍ في الإنتاج الحقيقي أو سحب مكافئ للدنانير، يتراكم فائض نقدي يبحث عن مخزن للقيمة: الدولار أو الذهب أو العقار أو السلع. ثم يأتي تعدد أسعار الصرف ليضيف تشوهاً آخر: الدولة نفسها تخلق طلباً على الدولار عندما تبيعه بأقل من قيمته في السوق. إذا كان لنحو أربعة ملايين مواطن حق شراء 2,000 دولار للفرد بسعر رسمي يقارب 6.350 دنانير، بينما يستطيعون بيع الدولار بفارق 30% أو أكثر، فنحن نتحدث عن طلب محتمل يبلغ 8 مليارات دولار. وعند هذا الفارق السعري، يمكن أن يتجاوز الريع الحسابي 16 مليار دينار. لا ألوم المواطن على الاستفادة من هذه الفرصة. المضاربة في أصلها نشاط اقتصادي مشروع ينص عليه قانون الأنشطة الاقتصادية الليبي 23/2010، ومن الطبيعي أن يشتري الإنسان أصلاً بـ100 إذا كان يستطيع بيعه فوراً بـ130. أعوام 2016 و2017 و2018 و2019 سياسات الكبير حولت جميع الليبيين إلى مضاربين بفارق سعر 1000%، فهل ألوم المواطن أو المضارب؟ المشكلة ليست في المواطن والمضارب الذي استجاب للحافز؛ المشكلة في السياسة التي صنعت الحافز والتي أستغرب المطالبة بتكرارها عام 2026. والأمر نفسه ينطبق على الاعتمادات وغيرها من قنوات الوصول التفضيلي إلى النقد الأجنبي. فكلما اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي لأية سلعة (والدولار سلعة)، تحولت إمكانية الوصول إلى الدولار إلى أصل مالي قائم بذاته. وبحسب حجم مبيعات النقد الأجنبي والفجوة السعرية، يمكن في سيناريو مرتفع أن يصل الريع الاقتصادي المرتبط بتعدد أسعار الصرف إلى عشرات المليارات من الدنانير سنوياً، وربما يقترب من 48 مليار دينار، دون الأخذ في الاعتبار ريع المحروقات الذي يتعدى 300 ضعف. وهذه ليست ثروة أنتجها الاقتصاد، بل إعادة توزيع للثروة بين من يستطيع الوصول إلى الدولار أو لتر المحروقات وكيلوواط/ساعة (kWh) من الطاقة الأرخص ومن يتحمل تكلفته في النهاية (الشعب).

الدولار أصبح أيضاً تصويتاً على الثقة: يجب التمييز بين المضاربة وبين الاحتفاظ بالدولار كمخزن للقيمة. للنقود ثلاث وظائف أساسية: وسيلة للدفع، ووحدة للحساب، ومخزن للقيمة. وعندما يعتقد المواطن أن الدينار لن يحافظ على قوته الشرائية، يحتفظ بما يحتاجه منه للإنفاق اليومي، بينما يحول مدخراته إلى دولار أو ذهب أو عقار، فكيف لي أن ألوم المواطن؟ هنا لم نعد أمام مضاربة فقط، بل أمام تصويت يومي على الثقة في العملة الوطنية. ولا تستعاد هذه الثقة بقرار إداري يحدد سعر الدولار، وإنما بانضباط الإنفاق العام، والسيطرة على نمو عرض النقود، واستقرار السياسات، وإلغاء أو تقليص الفجوة بين أسعار الصرف. والسوق الموازية بدورها تؤثر في أسعار السلع. فالتاجر الذي لا يحصل على الدولار الرسمي يشتريه بالسعر الموازي بفارق تعدى في الأعوام 2016 و2017 و2018 و2019 العشرة أضعاف، والآن يتعدى 130%. التاجر يحمّل التكلفة على المستهلك، بينما التاجر الذي يحصل على الدولار الأرخص يمتلك أصلاً تزيد قيمته السوقية على تكلفته، ولا يوجد في سوق ضعيفة المنافسة ما يضمن انتقال كامل هذا التخفيض إلى المستهلك. لهذا فإن انخفاض الدولار الموازي لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري ومماثل في الأسعار؛ فالتسعير يعتمد أيضاً على تكلفة الإحلال والمخاطر والتوقعات والنقل والطاقة والتمويل.

رقمنة المصارف لا تعني أن الاقتصاد أصبح مصرفياً حققت ليبيا تقدماً مهماً في الدفع الإلكتروني والخدمات الرقمية، لكن يجب ألا نخلط بين رقمنة المدفوعات والوساطة المالية. وظيفة المصرف ليست فقط نقل المال بين الحسابات، وإنما جمع المدخرات وتقييم المخاطر وتمويل الشركات والمصانع والإسكان والاستثمار وتحويل المال الساكن إلى رأس مال منتج. ولا يزال جزء كبير من الاقتصاد الليبي خارج هذه الدورة: عقارات غير مسجلة، نشاط تجاري غير منظم بالكامل، عمالة وتحويلات خارج النظام، وتمويل ذاتي واقتصاد نقدي واسع. لقد نجحنا إلى حد مهم في إدخال التكنولوجيا إلى المصارف، لكن التحدي الحقيقي هو إدخال الاقتصاد نفسه إلى المصارف.

أين يوجد الهدر الأكبر؟ المعيار ليس اتهام قطاع بأنه غير منتج، بل قياس ما ننفقه مقابل القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي نحصل عليها. وأبرز مصادر الهدر في تقديري هي دعم الطاقة والمحروقات بصورته الحالية، وتضخم فاتورة المرتبات مقارنة بالإنتاجية، والمشروعات المتعثرة، والإنفاق غير الخاضع لقياس العائد، والتهريب، وريع فروق أسعار الصرف. دعم الطاقة مثال واضح. عندما تباع الطاقة بأقل كثيراً من تكلفتها، فإن الدولة لا تدعم المواطن فقط، بل تدعم أيضاً الاستهلاك المفرط والتهريب وكل من يستطيع الوصول إلى السلعة المدعومة. لذلك أؤيد الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن نقدياً، بحيث تصل قيمة الدعم مباشرة إلى مستحقها، بينما تتحرك أسعار الطاقة نحو تكلفتها الاقتصادية. والمنطق نفسه ينطبق على الدولار: بيعه بأقل من قيمته التوازنية لا يعني بالضرورة دعم الاستيراد أو المواطن؛ فقد يعني ببساطة منح ريع لمن يستطيع الوصول إليه. ولهذا فإن إحدى أكبر فرص ليبيا ليست اكتشاف ثروة جديدة، بل وقف تسرب الثروة الموجودة أصلاً.

لا سياسة نقدية تستطيع إصلاح سياسة مالية غير منضبطة هنا نصل إلى أصل المشكلة. السياسة المالية تضخ الدينار من خلال الإنفاق، ثم يُطلب من السياسة النقدية المحافظة على قيمة هذا الدينار وتوفير النقد الأجنبي له. إذا نما الإنفاق العام أسرع من الإيرادات الحقيقية والإنتاج، وتم تمويل الفجوة بزيادة السيولة أو الدين، فستظهر النتيجة في أحد الأمور الثلاثة أو الثلاثة مجتمعة: في صورة تضخم، أو طلب أكبر على الدولار، أو انخفاض في قيمة الدينار، أو استنزاف للاحتياطيات، أو مزيج من ذلك كله. لذلك فإن توحيد الميزانية والإيرادات والإنفاق والرقابة ليس مجرد مطلب سياسي؛ إنه شرط نقدي لاستقرار الدينار، وغير ذلك لا ملامة على انهيار الدينار والمضارب والمهرب. ولا يستطيع المصرف المركزي، مهما كانت أدواته، تعويض غياب الانضباط المالي إلى ما لا نهاية.

النفط ليس الخطر… الاعتماد الدائم عليه هو الخطر الخطر على ليبيا ليس أن ينفد النفط غداً، بل أن تنمو التزامات الدولة أسرع من قدرة النفط على تمويلها. المرتبات والدعم والمصروفات الحكومية تتحول إلى التزامات دائمة، بينما الإيرادات النفطية متقلبة. فماذا لو انخفض سعر النفط أو الإنتاج 20% أو 30% بينما استمر الإنفاق في الارتفاع؟ عندها لن تكون الخيارات سهلة: تخفيض الإنفاق، وزيادة الإيرادات، وتعديل سعر الصرف، واستخدام الاحتياطيات، والاقتراض أو خلق المزيد من الدنانير. وكلما تأخر الإصلاح ارتفعت تكلفته الاجتماعية واشتدت المعالجات. لذلك يجب أن يكون النفط وسيلة لبناء اقتصاد ما بعد الريع: اقتصاد ينتج ويوظف ويصدر ويدفع الضرائب ويستطيع الحصول على التمويل المصرفي، لا اقتصاداً يعتمد بصورة دائمة على توزيع إيرادات النفط.

كيف نقيس نجاح الاقتصاد؟ سعر الدولار مهم، لكنه ترمومتر وليس المريض. صحة الاقتصاد يجب أن تقاس بنمو الناتج غير النفطي الحقيقي للفرد، والقوة الشرائية، والتضخم، والعجز وكيفية تمويله، ونمو عرض النقود، وميزان المدفوعات والاحتياطيات، والفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، والائتمان الموجه للقطاع الخاص، والإنتاجية والتوظيف الحقيقي، وحجم الاقتصاد الذي ينتقل من الظل إلى الاقتصاد الرسمي. لكنني أضيف مؤشراً أراه أكثر تعبيراً عن الحالة الليبية: كم من دخل المجتمع يأتي من خلق قيمة جديدة، وكم منه يأتي من اقتسام الريع؟ عندما يصبح الحصول على 2,000 دولار أو اعتماد مستندي أو لتر وقود مدعوم أكثر ربحية من إنشاء مصنع أو توظيف عامل أو الاستثمار في مشروع منتج، فنحن نرسل للمواطن ورجل الأعمال الإشارة الاقتصادية الخطأ.

وهنا تكمن خلاصة رؤيتي: المضارب ليس أصل المشكلة، والمهرب ليس أصل المشكلة، والسوق الموازية ليست أصل المشكلة. إنها، في جانب كبير منها، استجابات للحوافز التي صنعتها السياسات الاقتصادية. إذا أعطيت أربعة ملايين شخص فرصة ربح 30%، فلا تستغرب أن يصبح لديك أربعة ملايين مضارب. وإذا جعلت تهريب سلعة مدعومة أكثر ربحية من إنتاجها أو الاتجار المشروع بها، فلا يكفي أن تلوم المهرب. وإذا صنعت للدولار سعرين، فلا تستغرب أن تنشأ سوق بين السعرين. لذلك يجب أن يتغير السؤال الاقتصادي في ليبيا من: من يضارب؟ ومن يهرب؟ ومن يرفع الأسعار؟ إلى السؤال الأصعب والأهم: ما السياسة التي جعلت المضاربة والتهريب والريع أكثر ربحية من الإنتاج والعمل والاستثمار؟ عندما نصلح تلك السياسة ونزيل الحوافز المشوهة، تبدأ السوق نفسها في تصحيح جزء كبير من النتائج.

“حسني بي”: استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي.. خلاف على من يتحمل كلفة تصحيح الاقتصاد “الخزانة أم الاحتياطي أم الدينار”؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

أعادت استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى، المقدمة إلى رئيس مجلس النواب بتاريخ 9 أغسطس 2026، فتح السؤال الأكثر حساسية في الاقتصاد الليبي: هل كانت المشكلة في إدارة السياسة النقدية، أم أن المصرف المركزي وصل إلى مرحلة لم يعد يستطيع فيها معالجة اختلالات مصدرها أساسًا المالية العامة، ودعم الطاقة، وطريقة التصرف في الإيرادات النفطية؟

خطاب الاستقالة نفسه لا يذكر الأسباب. فهو يكتفي بالاعتذار عن الاستمرار في منصب المحافظ «دون ذكر الأسباب». لذلك سيكون من غير المهني الجزم بأن ملفًا اقتصاديًا بعينه هو السبب المباشر للاستقالة. لكن قراءة التطورات التي سبقتها، ومراسلات الخلاف حول الإنفاق الموحد، ومواقف المحافظ المعلنة، وتحذيرات صندوق النقد الدولي، تكشف صراعين اقتصاديين متداخلين يفسران البيئة التي أصبحت فيها مهمة المحافظ شديدة الصعوبة.

والاستقالة، بهذا المعنى، قد تكون أقل تعبيرًا عن خلاف شخصي وأكثر تعبيرًا عن وصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي نفسه إلى حدود قدرته على الاستمرار.

الصراع الأول: من يضبط الإنفاق… ومن يمول ما لا تستطيع الدولة تحمله؟

المشكلة الأولى مالية قبل أن تكون نقدية.

ليبيا تحصل على معظم إيراداتها العامة من النفط والغاز، أي بالنقد الأجنبي، بينما معظم الإنفاق الحكومي يجري بالدينار. ومن هنا يصبح مصرف ليبيا المركزي نقطة الالتقاء الإلزامية بين الاثنين: النفط يولّد الدولار، والمصرف يحوله إلى دينارات تستطيع الحكومة إنفاقها.

وفي أبريل 2026 جرى الإعلان عن اتفاق على إنفاق موحد قدره نحو 190 مليار دينار، يتضمن قرابة 73 مليارًا للمرتبات، و37 مليارًا للدعم، و40 مليارًا للتنمية، و18 مليارًا للعلاوات الأسرية، و10 مليارات للنفقات التشغيلية، إضافة إلى 12 مليارًا للمؤسسة الوطنية للنفط.

لكن الاتفاق لم يُنه الخلاف. ففي يونيو وجّه رئيس لجنة الإنفاق الموحد في مجلس النواب رسالة إلى المحافظ حذر فيها من أن المجلس قد يعتبر نفسه في حل من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق إذا استمر ما وصفه بتعطيل تنفيذه.

وهنا تظهر طبيعة الصراع الأول بوضوح: السلطة السياسية تنظر إلى المصرف باعتباره الجهة التي يجب أن توفر التمويل، بينما ينظر المصرف إلى نفسه باعتباره الجهة التي يجب أن تمنع تحول الإنفاق إلى استنزاف دائم للنقد الأجنبي والاحتياطيات.

فالإنفاق لا ينتهي بمجرد إصدار شيك بالدينار. في اقتصاد يستورد معظم احتياجاته، يعود جزء كبير من هذا الدينار بعد فترة قصيرة إلى المصرف المركزي على هيئة طلب على الدولار.

وبالتالي فإن كل مليار دينار إضافي تنفقه الدولة ليس مجرد قيد في حسابات الخزانة؛ بل يمكن أن يتحول إلى طلب إضافي على السلع المستوردة والنقد الأجنبي.

وهذا تحديدًا ما حذر منه صندوق النقد الدولي في مشاورات 2026، عندما اعتبر أن استمرار الإنفاق المالي المرتفع سيبقي الضغط على سعر الصرف وسيؤدي إلى مزيد من تراجع الاحتياطيات، وأن استمرار السياسات الحالية غير قابل للاستدامة على المدى المتوسط.

إذن ليست القضية: «هل يملك المركزي دولارات؟» بل: كم يستطيع أن يبيع منها سنويًا دون أن يبدأ في تمويل مستوى معيشة وإنفاق عام يفوق بصورة مستمرة ما يولده الاقتصاد من موارد؟

المحروقات: الثقب الذي يربط أزمة المالية العامة بأزمة الدولار

تأتي المحروقات في قلب هذا الخلاف.

الدولة الليبية لا تدعم البنزين والديزل والكهرباء بالدينار فقط. جزء ضخم من الدعم يُدفع عمليًا بالدولار من خلال استيراد الوقود أو استخدام منتجات كان يمكن بيعها وتحصيل إيراداتها.

لذلك فإن تكلفة المحروقات لها وجهان: كلفة مالية تظهر في الإنفاق والدعم، وكلفة خارجية تظهر في استنزاف النقد الأجنبي.

وكلما اتسعت الفجوة بين السعر المحلي شبه المجاني والسعر الاقتصادي الحقيقي للطاقة، أصبح التهريب والبيع خارج القنوات الرسمية أكثر جاذبية.

وقد خلص صندوق النقد في تحليله الخاص بليبيا إلى أن فروق الأسعار الكبيرة والتهريب الواسع يجعلان الدعم الحالي مكلفًا للغاية، وأن المواطن الليبي يتحمل تكلفة دعم لا يحصل على كامل منفعته، كما رأى أن التدرج البطيء جدًا في تعديل أسعار الطاقة قد لا يكون فعالًا في الحالة الليبية.

ومن هنا يصبح إصلاح المحروقات ليس مجرد قرار بشأن سعر لتر البنزين. إنه قرار يتعلق بـ: الدولار، والاحتياطيات، والإنفاق العام، والتهريب، وسعر الصرف في الوقت نفسه.

ويمكن تصور المعضلة التي تواجه المصرف المركزي بهذه الصورة: الدولة تبيع النفط وتحصل على الدولار، ثم تستخدم جزءًا كبيرًا من هذا الدولار لاستيراد محروقات تُباع محليًا بأسعار بعيدة جدًا عن تكلفتها، ثم يتسرب جزء منها إلى التهريب، وفي الوقت نفسه تحتاج الخزانة إلى مزيد من الدينارات لتمويل المرتبات والدعم والإنفاق العام.

أي أن الدولة قد تجد نفسها تبيع الطاقة بالدولار ثم تعيد شراء الطاقة بالدولار، بينما تطبع المقابل بالدينار لتمويل بقية الإنفاق.

هذه دائرة لا يمكن للسياسة النقدية وحدها إغلاقها.

الصراع الثاني: هل نحمي السعر الرسمي… أم نحمي الاحتياطيات؟

الصراع الثاني نقدي، لكنه في الحقيقة نتيجة للصراع الأول.

السؤال هو: ماذا يفعل المصرف المركزي عندما يصبح حجم الدينارات التي تطارد الدولار أكبر من كمية الدولار التي يستطيع توفيرها بصورة مستدامة؟

أمامه عمليًا مجموعة محدودة من الخيارات: يستنزف الاحتياطيات، أو يفرض قيودًا على الحصول على الدولار، أو يسمح باتساع السوق الموازية، أو يعدل سعر الصرف، أو يضغط باتجاه خفض الإنفاق.

وكل خيار له كلفة سياسية واجتماعية.

وهنا يمكن فهم الصراع حول سعر الصرف.

هناك اتجاه يرى أن قيمة الدينار يجب أن تُربط أساسًا بمؤشرات مثل الكتلة النقدية وصافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات، وأن على المصرف استخدام أدواته للدفاع عن سعر مستقر وعدم السماح لسوق موازية مضاربية بأن تصبح مرجعًا للتسعير.

وهذا رأي له أساس اقتصادي معتبر.

لكن الاتجاه الآخر يقول إن أي سعر لا يستطيع المصرف عنده تلبية الطلب المشروع والمستدام على النقد الأجنبي دون قيود متزايدة أو استنزاف للاحتياطيات ليس سعرًا متوازنًا مهما كان مبرره المحاسبي.

وهذا أيضًا رأي اقتصادي معتبر.

الخلاف إذًا ليس بين من يؤمن بالعلم ومن يؤمن بالسوق السوداء.

الخلاف الحقيقي هو حول السؤال التالي: هل تكون الأولوية للدفاع عن رقم معين لسعر الصرف، أم للدفاع عن قدرة الدولة على تمويل هذا السعر بصورة مستدامة؟

الفجوة السعرية ليست مجرد نتيجة… بل تبدأ في إنتاج الأزمة بنفسها

عندما يصبح الدولار الرسمي أرخص بكثير من السعر الذي يستطيع السوق استيعابه، يتغير سلوك المتعاملين.

فالحصول على الدولار الرسمي يصبح في حد ذاته أصلاً ذا قيمة.

ومن ثم يظهر نوعان من الطلب: طلب حقيقي للاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة، وطلب على الدولار فقط لأن الحصول عليه بالسعر الرسمي يحقق ربحًا فوريًا عند إعادة بيعه أو تقييمه بسعر آخر.

وهنا تتحول الفجوة السعرية من نتيجة للاختلال إلى سبب إضافي له.

بيانات المصرف المركزي توضح ضخامة سوق النقد الأجنبي نفسها؛ فقد بلغت استخدامات المصارف من النقد الأجنبي في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 12.9 مليار دولار وفق تقرير المصرف.

ولهذا فإن إدارة سعر الصرف في ليبيا ليست قرارًا تقنيًا صغيرًا يتعلق بسعر الدولار؛ إنها إدارة لتوزيع عشرات المليارات من الدولارات سنويًا.

ومن يحصل على الدولار الأرخص يحصل عمليًا على ريع اقتصادي ما دامت هناك فجوة كبيرة بين الأسعار.

أين تلتقي المحروقات وسعر الصرف؟

هنا تظهر أهم نقطة في الأزمة كلها.

المحروقات وسعر الصرف ليسا ملفين منفصلين.

عندما تستخدم الدولة مليارات الدولارات لتمويل الوقود الرخيص، تقل كمية الدولار المتاحة لتمويل بقية الاقتصاد.

وعندما تقل كمية الدولار بينما يستمر الإنفاق بالدينار، يزداد الضغط على سعر الصرف.

وعندما تتسع الفجوة السعرية، يزداد الطلب المضاربي على الدولار.

ثم يحتاج المركزي إلى ضخ مزيد من الدولار لمحاولة السيطرة على السوق.

أي أننا نعود إلى البداية.

يمكن اختصار الحلقة في المعادلة التالية: إنفاق عام مرتفع – دينارات أكثر – طلب أكبر على الواردات والدولار – استيراد محروقات ودعم ضخم – انخفاض صافي موارد النقد الأجنبي – ضغط على سعر الصرف – فجوة سعرية ومضاربة – طلب أكبر على الدولار – استنزاف أكبر للاحتياطيات.

هذه هي الحلقة التي لا يستطيع محافظ مصرف مركزي كسرها وحده.

الصراع الحقيقي: من يتحمل «التصحيح»؟

عند هذه النقطة يصبح فهم الاستقالة اقتصاديًا أكثر وضوحًا.

أي اقتصاد وصل إلى هذا الوضع لا يستطيع تجنب التصحيح. يستطيع فقط تحديد من يتحمل تكلفته.

إذا رفضت السلطة المالية خفض الإنفاق، ينتقل التصحيح إلى سعر الصرف.

إذا رفضت تعديل سعر الصرف، ينتقل التصحيح إلى الاحتياطيات.

إذا رفضت الاثنين، تظهر القيود والطوابير والسوق الموازية.

وإذا استمر دعم المحروقات بلا إصلاح، تتحمل الخزانة والاحتياطيات فاتورة الطاقة والتهريب.

أما إذا جرى تخفيض عرض النقود بعنف للدفاع عن الدينار، فقد يتحمل الاقتصاد الحقيقي الكلفة من خلال نقص السيولة والائتمان والطلب والاستثمار.

إذًا لا يوجد خيار بلا تكلفة.

السؤال فقط هو: هل يتم توزيع كلفة الإصلاح بصورة واعية وعادلة، أم تُترك لتتوزع عشوائيًا عبر التضخم وانخفاض الدينار واستنزاف الاحتياطيات؟

لماذا قد يصبح منصب المحافظ غير قابل للاستمرار؟

من هنا يمكن قراءة استقالة ناجي عيسى – مع التأكيد مجددًا أن رسالته لم تفصح عن الأسباب – باعتبارها مؤشرًا على مأزق مؤسسي أعمق.

فالمصرف المركزي يُطلب منه في الوقت نفسه أن: يمول إنفاقًا عامًا ضخمًا، ويحافظ على قيمة الدينار، ويوفر النقد الأجنبي للتجارة، ويمول فاتورة محروقات ثقيلة، ويحافظ على الاحتياطيات، ويغلق السوق الموازية، ويمتنع عن تخفيض قيمة العملة.

اقتصاديًا، لا يمكن تحقيق هذه الأهداف كلها في وقت واحد إذا لم تتغير المالية العامة.

ولهذا فإن جوهر الأزمة ليس اختيار محافظ أكثر تشددًا أو أكثر مرونة.

إنها معادلة تسمى في الاقتصاد أحيانًا قيود الاتساق: لا تستطيع السلطة تثبيت جميع المتغيرات عندما تتحرك الأساسيات في الاتجاه المعاكس.

استقالة أم رسالة اقتصادية؟

إذا ثبت لاحقًا أن الاستقالة مرتبطة فعلاً بالخلاف حول إدارة الإنفاق العام والسياسة الاقتصادية، فإن أهميتها ستكون أكبر من تغيير شخص في رأس المصرف المركزي.

ستكون الرسالة أن ليبيا وصلت إلى المرحلة التي لم يعد فيها ممكنًا مطالبة السياسة النقدية بإخفاء نتائج السياسة المالية.

المصرف المركزي يستطيع إدارة الاختلال، لكنه لا يستطيع إلغاءه.

ولا يستطيع خلق نفط إضافي، ولا يستطيع إلغاء تكلفة المحروقات، ولا يستطيع إجبار الاحتياطيات على النمو، ولا يستطيع تثبيت قيمة الدينار إلى الأبد إذا كان الإنفاق بالدينار ينمو أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.

وهذه هي في تقديري نقطة التقاء الصراعين اللذين كشفهما النقاش الاقتصادي الأخير:

الصراع الأول مالي: هل يبدأ الإصلاح من ضبط الإنفاق وإعادة هيكلة دعم المحروقات وإدارة الإيرادات النفطية، أم يستمر الإنفاق ويُطلب من المركزي توفير التمويل؟

والصراع الثاني نقدي: عندما لا يحدث الإصلاح المالي، هل تُمتص النتيجة من الاحتياطيات والدفاع عن سعر إداري، أم يُسمح بتعديل سعر الصرف وتقليص الفجوة وإزالة ريع الحصول على الدولار؟

وهما في الحقيقة ليسا صراعين منفصلين، بل وجهان للسؤال نفسه: من سيدفع ثمن الفرق بين ما تكسبه ليبيا من النفط وما تنفقه فعليًا؟

إما أن تدفعه الدولة بإصلاح الإنفاق والدعم، أو يدفعه الاحتياطي، أو يدفعه الدينار، أو يدفعه المواطن عبر التضخم وانخفاض القوة الشرائية.

ولا يستطيع محافظ مصرف مركزي، أيًا كان اسمه، أن يلغي هذه المعادلة.

الخلاصة

لذلك قد يكون الخطأ الأكبر هو قراءة استقالة المحافظ باعتبارها أزمة مصرف ليبيا المركزي وحده.

الأقرب اقتصاديًا أنها تكشف أزمة نموذج إدارة المال العام: دولة تكسب أساسًا بالدولار، وتنفق أساسًا بالدينار، وتستهلك جزءًا كبيرًا من مواردها الدولارية في منظومة طاقة مدعومة وقابلة للتسرب والتهريب، ثم تطلب من المصرف المركزي أن يحافظ في الوقت نفسه على الاحتياطي وعلى سعر صرف منخفض ومستقر.

هذه المعادلة لا تُحل بتغيير المحافظ. تُحل بتغيير المعادلة نفسها.

وهنا ربما تكتسب العبارة التي دار حولها النقاش معناها الكامل: السياسة تستطيع تأجيل الإصلاح… لكنها لا تستطيع اختيار إلغاء الفاتورة.

وإذا لم تدفعها المالية العامة اليوم، سيدفعها غدًا الاحتياطي أو الدينار أو المواطن.

“حسني بي” يكتب: من أين يأتي الدينار؟.. السؤال الذي يتجاهله الجميع في الأزمة الاقتصادية الليبية

كتب : رجل الأعمال “حسني بي”

في كل مرة يتراجع فيها سعر صرف الدينار، أو ترتفع معدلات التضخم، أو تتسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، ينشغل الرأي العام والاقتصاديون بالجدل حول استقلالية مصرف ليبيا المركزي، أو تعديل سعر الصرف، أو إعادة العمل بسعر الفائدة، أو تحميل الحكومة مسؤولية التوسع في الإنفاق.

ورغم أهمية هذه القضايا، فإنها في تقديري لا تمثل جوهر الأزمة، بل تتعامل مع نتائجها وأعراضها. أما السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل هذه النقاشات فهو سؤال واحد: من أين يأتي الدينار الذي تُنوَّل به الميزانية العامة للدولة؟

قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة مفتاح فهم الأزمة الاقتصادية الليبية بأكملها، وهو السؤال الذي غاب عن معظم النقاشات الاقتصادية خلال العقود الماضية ومنذ إقرار “شركاء لا أجراء، والبيت لساكنه، والأرض ليست ملكاً لأحد، والسيارة لمن يقودها” مع تبني منظومة اقتصادية ريعية بسبب إيرادات النفط.

فليبيا تحولت من اقتصاد صناعي أو زراعي يعتمد على الضرائب أو الإنتاج المحلي لتمويل إنفاقه العام الذي كان يموله القطاع الخاص بما يتعدى 50% عام 1978، ومن خلال السياسات العشوائية تم تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على صادرات النفط والغاز لتوفير النقد الأجنبي ولتغطية الإنفاق العام بالدينار، وخلال العهود الماضية أصبح يعتمد النشاط الاقتصادي المحلي بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي.

وهنا تكمن الحقيقة الأساسية التي كثيراً ما يتم تجاهلها.

فالحكومة الليبية لا تمتلك دينارات جاهزة لتمويل المرتبات، أو الدعم، أو الإنفاق التسييري، أو الإنفاق التنموي. كما أن مصرف ليبيا المركزي لا يملك مطبعة اقتصادية تنتج الثروة، وإنما يمتلك أداة إصدار العملة فقط.

ولذلك فإن تمويل الإنفاق العام يمر بآلية اقتصادية واضحة: تقوم الدولة ببيع دولارات النفط والغاز إلى مصرف ليبيا المركزي، والذي بدوره ملزم بأن يعيد بيع الدولارات مقابل شراء دينارات من عرض النقود، ويحصل المصرف مقابلها على الدينارات الموجودة في الاقتصاد، ثم يعيد ضخ هذه الدينارات لتمويل الميزانية العامة بأبوابها.

أي أن الدينار يجب ألا يُخلق من فراغ، بل يجب أن يستند إلى بيع ثروة حقيقية يمثلها النفط والغاز من خلال بيع دولارات النفط.

وهنا يصبح المصرف المركزي عملياً أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • الخيار الأول: هو تمويل الإنفاق من خلال بيع دولارات إيرادات النفط والغاز، وشراء وسحب الدينارات الموجودة في الاقتصاد، ثم إعادة استخدامها في تمويل الميزانية لإحداث التوازن النقدي.
  • الخيار الثاني: إذا لم يتم بيع كمية كافية من النقد الأجنبي مع استمرار الإنفاق العام والتمويل بالعجز، فهو اللجوء إلى خلق دينارات جديدة من العدم.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

فعندما تُخلق النقود دون أن يقابلها إنتاج وضرائب، أو تمويل من خلال بيع دولارات الاحتياطيات أو بيع فعلي للنقد الأجنبي المحقق من خلال بيع النفط، ترتفع القاعدة النقدية، ويتوسع عرض النقود، ويرتفع التضخم، وتتراجع القوة الشرائية للدينار، وتتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، ويزداد الطلب على الدولار، وتتسع المضاربة وندخل في دوامة الحلقة المفرغة.

هذه ليست فرضية نظرية اقتصادية، بل تمثل تجربة عاشتها ليبيا أكثر من 3 مرات منذ عام 1982.

فقد شهد الاقتصاد الليبي هذه الدورة خلال الفترة من 1982 إلى 2004، ثم تكررت بصورة أوضح بين عامي 2014 و2021، عندما تم تمويل جانب كبير من الإنفاق من خلال التوسع النقدي. كما ظهرت بوادرها مرة أخرى خلال عام 2023 والربع الأول من عام 2024، عندما تم استخدام فائض إيرادات النفط لعام 2022 في تعزيز الاحتياطيات وشراء الذهب، بينما جرى تمويل جزء كبير من الإنفاق العام عبر التوسع في خلق النقود، مما أدى إلى زيادة عرض النقود بنحو 40 مليار دينار خلال نحو خمسة عشر شهراً.

ولهذا السبب، فإن اختزال الأزمة في استقلالية المصرف المركزي وحدها لا يقدم تفسيراً كاملاً.

فاستقلالية المصرف المركزي ضرورة في أي اقتصاد حديث، لكنها ليست عصاً سحرية، ولا تستطيع وحدها معالجة اختلالات ناتجة عن سياسة مالية توسعية في اقتصاد يعتمد بالكامل تقريباً على مصدر واحد للنقد الأجنبي.

كما أن إعادة العمل بسعر الفائدة، أو تطوير أدوات السياسة النقدية، قد يساعد في تحسين إدارة السيولة، لكنه لن يحل المشكلة الأساسية إذا ظل الإنفاق العام ينمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على توفير التمويل الحقيقي له.

وفي المقابل، فإن تحميل الحكومة وحدها المسؤولية لا يقدم الصورة الكاملة أيضاً.

فالحكومة مسؤولة عن حجم الإنفاق، وعن الرواتب، والدعم، وأولويات التنمية، وضبط التهريب، والإصلاح الإداري، لكن نجاح هذه السياسات يتطلب أيضاً سياسة نقدية قادرة على إدارة السيولة والحفاظ على استقرار قيمة العملة.

وبالتالي فإن الأزمة الليبية ليست أزمة نقدية فقط، وليست أزمة مالية فقط، بل هي أزمة غياب التنسيق بين السياستين المالية والنقدية داخل اقتصاد يعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل، وهو ما يمول الإنفاق العام بنسبة 93%.

ومن هنا يصبح التمييز بين الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق التنموي للحكومة أمراً بالغ الأهمية.

فالإنفاق الجاري للحكومة على الرواتب والدعم والاستهلاك ينتهي أثره بمجرد صرفه، بينما الإنفاق التنموي المنتج في البنية التحتية والطاقة والنقل والمياه والتعليم والصحة يرفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، ويزيد العرض، ويخلق مصادر دخل مستقبلية تساعد على تخفيف الضغوط التضخمية.

ولذلك فإن وقف التنمية ليس علاجاً للتضخم إذا ما كان إنفاقاً مستداماً، بل قد يكون سبباً في تضخم أكبر مستقبلاً، إذا لم يكن مستداماً، نتيجة ضعف الإنتاج واستمرار نمو الطلب.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من سعر الصرف، ولا من الفائدة، ولا من استقلالية المصرف المركزي وحدها، وإنما يبدأ من إعادة تصميم العلاقة بين الإنفاق العام وإيرادات النفط وعرض النقود حتى لا يُنوَّل أي إنفاق بالعجز من خلال خلق الأموال من العدم.

ويتحقق ذلك من خلال ضبط الإنفاق الاستهلاكي عامة، ومنها إصلاح دعم المحروقات من خلال الاستبدال النقدي، والحد من التوسع غير المنتج في بند المرتبات والزيادات، والاستمرار في تمويل الميزانية عبر بيع إيرادات النفط والغاز بدلاً من خلق نقود جديدة، مع إعطاء الأولوية للاستثمار المنتج الذي يوسع القاعدة الاقتصادية ويخلق مصادر دخل جديدة خارج قطاع النفط وبعيداً عن الإنفاق العام.

وفي الوقت نفسه، ينبغي تطوير أدوات السياسة النقدية بما يتناسب مع خصوصية الاقتصاد الليبي، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتنويع الاقتصاد، حتى لا يبقى استقرار الدينار مرهوناً بأسعار النفط وحدها.

إن السؤال الذي يجب أن يقود أي نقاش اقتصادي في ليبيا ليس: هل نرفع سعر الفائدة؟ أو هل المصرف المركزي مستقل؟ بل السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو: إذا لم تُستخدم إيرادات النفط والغاز لشراء الدينارات التي تموّل الإنفاق العام، فمن أين ستأتي هذه الدينارات؟

إذا كانت الإجابة هي “من خلق نقود جديدة”، فإننا نكون قد اخترنا مرة أخرى الطريق نفسه الذي قاد إلى أزمات 1982–2004، ثم 2014–2021، ثم الاختلالات التي شهدناها في 2023 والربع الأول من 2024.

أما إذا كان التمويل يتم من خلال إدارة رشيدة لإيرادات النفط، وربط الإنفاق بالقدرة الحقيقية للاقتصاد، وإعطاء الأولوية للاستثمار المنتج، فإن استقرار الدينار لن يكون هدفاً صعب المنال، بل نتيجة طبيعية لسياسات اقتصادية واقعية ومستدامة.

فالاقتصادات لا تنهار لأنها تبيع الدولار، وإنما تنهار عندما تخلق دينارات لا يقابلها إنتاج أو ثروة أو إيرادات حقيقية. وهنا يكمن جوهر الأزمة الليبية.

​”علي الشريف”: التشوهات السعرية تلتهم 40% من السلع المستوردة عبر التهريب

قال الخبير الاقتصادي “علي الشريف” إن التشوهات السعرية تُعد من أبرز العوامل التي تشجع على تهريب السلع إلى دول الجوار، مشيرًا إلى أن الدعم أو انخفاض الأسعار المحلية مقارنة بالأسعار السائدة في تلك الدول يؤدي إلى خلق حافز كبير لتحقيق أرباح من خلال التهريب، ونتيجة لذلك، يُستنزف جزء كبير من السلع المستوردة ولا يصل إلى المستهلك المحلي.

وأضاف “الشريف” أن بعض التقديرات تشير إلى أن نحو 40% من السلع المستوردة يتم تهريبها إلى دول الجوار، الأمر الذي يفاقم الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، ويزيد من هدر الإنفاق العام، ويؤدي إلى نقص السلع في السوق المحلية، مؤكدًا على أن ذلك يستدعي إصلاح التشوهات السعرية وتعزيز الرقابة على المنافذ الحدودية.

“حسني بي”: السكن المجاني للجميع وهم اقتصادي.. والحل في شراكة تنقذ 380 ألف وحدة سكنية متوقفة

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

النقاش حول أزمة الإسكان في ليبيا يجب أن ينتقل من المزايدات السياسية إلى الحقائق الاقتصادية؛ فالحقيقة لا تتغير بتغير قائلها..

واقعية تصريحات “الدبيبة” وتجارب العالم

قد نختلف أو نتفق مع الساسة والحكومات، لكن ما قاله رئيس حكومة الوحدة الوطنية السيد “عبد الحميد الدبيبة”، بأنه لا توجد دولة في العالم تستطيع توفير سكن مجاني لكل مواطنيها، هو كلام صحيح اقتصادياً ومالياً، وتجارب العالم تؤكد ذلك.

المشكلة ليست في التصريح، وإنما في استمرار بيع الوهم للمواطن الليبي طوال عقود؛ فجميع الدول التي نجحت في معالجة أزمة الإسكان لم تعتمد على منح المساكن المجانية للجميع، بل بنت سياساتها على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، والتمويل العقاري، والإيجار الاجتماعي، ودعم الفئات الأكثر احتياجاً.

فالحق في السكن شيء، وملكية سكن مجاني لكل مواطن شيء آخر تماماً.

فاتورة السياسات الشعبوية

إن ليبيا تدفع اليوم ثمن السياسات الشعبوية التي روجت لإمكانية قيام الدولة ببناء وتمليك مساكن مجانية للجميع، وهو ما أدى إلى تراكم ما يقارب 380 ألف وحدة سكنية متوقفة بمراحل إنجاز مختلفة، وتجميد مليارات الدنانير من الأموال العامة، في حين ما زالت أزمة الإسكان قائمة.

نموذج الشراكة الثلاثي كحل بديل

الحل لا يتمثل في تخصيص ميزانيات جديدة أو إنشاء صناديق إضافية، بل في إعادة توظيف الأصول القائمة وتحويلها إلى مشاريع استثمارية منتجة من خلال نموذج شراكة عادل يضم ثلاثة أطراف: مالك الأرض، والخزانة العامة بما أنفقته من استثمارات، والمستثمر الجديد الذي يتولى استكمال التمويل والتنفيذ؛ بحيث يحصل كل طرف على حصة عادلة تعكس مساهمته.

تأسيس محفظة الإيجار الاجتماعي

حصة الدولة الناتجة عن هذه المشروعات يجب ألا تُباع، وإنما تُخصص لتكوين محفظة وطنية للإيجار الاجتماعي تديرها البلديات أو وزارة الشؤون الاجتماعية، وتوجه إلى محدودي الدخل، وذوي الإعاقة، وكبار السن، والأرامل، والأيتام، وغير القادرين على العمل، مقابل إيجارات رمزية تكفل استدامة الصيانة والإدارة، مع إمكانية منح المستفيد حق التملك التدريجي بعد سنوات طويلة من الإقامة وفق ضوابط واضحة تمنع المضاربة وإساءة استخدام الدعم.

“الشلوي”: من البئر إلى الخزانة في بيان النفط الليبي لشهر يونيو.. قراءة فنية واقتصادية في الإنتاج والتصدير والتكرير والإيرادات

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبد المنصف الشلوي“

يمثل البيان الذي نشرته المؤسسة الوطنية للنفط عن نتائج شهر يونيو 2026 خطوة مهمة في تطوير الإفصاح عن أداء أهم قطاعات الاقتصاد الليبي، إذ جمع في وثيقة واحدة بيانات الإنتاج، وحصة الدولة والشركاء، والكميات المصدرة والموجهة إلى التكرير ومحطات الكهرباء، إلى جانب الإيرادات النفطية المحصلة والمحالة إلى الحساب السيادي.

وتكمن أهمية هذا النوع من البيانات في أنه ينقل النقاش حول القطاع النفطي من دائرة الانطباعات والتقديرات العامة إلى مساحة الأرقام القابلة للقراءة والتحليل والمقارنة. فالنفط في ليبيا ليس نشاطاً إنتاجياً منفصلاً عن بقية الاقتصاد، بل هو المصدر الأساسي للنقد الأجنبي، والممول الأكبر للإنفاق العام، والعنصر الأكثر تأثيراً في الاستقرار المالي وسعر الصرف والميزان التجاري.

ومن هذه الزاوية، فإن نشر البيانات بصورة دورية يعزز مكانة المؤسسة الوطنية للنفط باعتبارها المرجعية الفنية المسؤولة عن إدارة عمليات الإنتاج والتسويق، ويمنح الدولة والرأي العام قاعدة معلومات تساعد على فهم ما يجري داخل القطاع بصورة أكثر دقة.

إنتاج يقترب من 1.4 مليون برميل يومياً

بلغ إجمالي إنتاج النفط الخام خلال يونيو 2026 نحو: 41,867,126 برميلاً.

وباحتساب ثلاثين يوماً للشهر، يصل متوسط الإنتاج اليومي إلى قرابة: 1,395,571 برميلاً يومياً.

وهذا مستوى إنتاجي مهم، يؤكد قدرة القطاع على المحافظة على معدلات تقترب من 1.4 مليون برميل يومياً، رغم التحديات المرتبطة بقدم بعض المنشآت، والتناقص الطبيعي في الحقول، وااحتياجات الصيانة، وتوفير المواد وقطع الغيار، والظروف التشغيلية واللوجستية التي تحيط بالصناعة النفطية.

وفي الصناعة النفطية، لا يعد تثبيت الإنتاج أمراً تلقائياً؛ فالحقول تتعرض مع مرور الزمن لانخفاض طبيعي في ضغط المكامن ومعدلات التدفق، ما يفرض تنفيذ برامج مستمرة لحفر الآبار، وإجراء العمرات، وصيانة خطوط الأنابيب، وتطوير أنظمة الرفع والإنتاج، ورفع كفاءة الاستخلاص.

وبالتالي، فإن المحافظة على هذا المستوى تعكس عملاً تشغيلياً متواصلاً داخل الحقول والشركات والموانئ، كما تؤكد أهمية استمرار التمويل المنتظم للبرامج الفنية وعدم التعامل مع النفقات التشغيلية والتطويرية للقطاع باعتبارها إنفاقاً عادياً يمكن تأجيله دون أثر.

فالبرميل الذي لا يستثمر في المحافظة عليه اليوم قد يتحول إلى إنتاج مفقود وإيراد ضائع في المستقبل.

حصة الدولة والشركاء: قراءة في البنية التعاقدية

أوضح البيان أن حصة الدولة الليبية بلغت: 29,950,320 برميلاً،

فيما بلغت حصة الشركاء: 10,909,540 برميلاً.

وبذلك تمثل حصة الدولة نحو 71.5% من إجمالي الإنتاج، بينما تمثل حصة الشركاء قرابة 26.1%.

وتبرز هذه الأرقام القيمة المباشرة التي تعود إلى الدولة من منظومة الإنتاج، كما تعكس طبيعة العقود النفطية التي تقوم على توزيع الإنتاج والعوائد وفق التزامات تمويلية وفنية وتعاقدية بين الدولة والشركات الشريكة.

ومن الناحية الحسابية، يقل مجموع حصة الدولة وحصة الشركاء عن إجمالي الإنتاج بنحو: 1,007,266 برميلاً، أي ما يقارب 2.4% من الإنتاج المعلن.

ولا يعني هذا الفرق بالضرورة وجود فاقد أو كمية غير محددة، إذ قد يرتبط بالتسويات الزمنية أو المخزنية، أو بالفروق بين الإنتاج المقاس والاستحقاقات التعاقدية، أو بكميات تخضع لإجراءات القياس والمطابقة في نهاية الفترة.

ومن المفيد مستقبلاً إظهار هذه الكمية في بند توضيحي مستقل، مثل «التسويات والفروقات الفنية والمخزنية»، حتى تكتمل المصالحة الحسابية بين إجمالي الإنتاج وحصص الأطراف.

وهذا النوع من التفصيل لا ينتقص من قيمة البيان، بل يرفع من مستواه الفني، ويساعد غير المتخصصين على قراءة الأرقام دون التباس.

كيف توزعت حصة الدولة؟

توزعت حصة الدولة خلال يونيو بين ثلاثة مسارات رئيسية: بلغت كمية النفط الخام المصدرة: 25,480,272 برميلاً.

وبلغت الكميات المحولة إلى التكرير: 4,097,943 برميلاً.

فيما بلغت الكميات المحولة إلى محطتي كهرباء أوباري ومليتة: 372,105 براميل.

ويلاحظ أن مجموع هذه الكميات يطابق حصة الدولة بالكامل، وهو ما يوفر صورة واضحة عن التصرف في الإنتاج العائد للدولة.

وقد استحوذت الصادرات على نحو 85.1% من حصة الدولة، بينما وجهت قرابة 13.7% إلى التكرير المحلي، ونحو 1.2% إلى محطات الكهرباء.

وبالحساب اليومي، بلغ متوسط النفط الخام المصدر نحو: 849 ألف برميل يومياً،

بينما بلغ متوسط الخام الموجه إلى التكرير نحو: 136.6 ألف برميل يومياً.

وتوضح هذه الأرقام أن المؤسسة تدير معادلة مزدوجة: المحافظة على الصادرات التي توفر الموارد المالية والنقد الأجنبي، وفي الوقت ذاته تخصيص كميات معتبرة لتلبية احتياجات السوق المحلية والطاقة الكهربائية.

وهذه الموازنة بين التصدير والاستهلاك الداخلي أصبحت من أكثر قضايا إدارة الطاقة تعقيداً في الدول المنتجة، خاصة عندما تكون طاقات التكرير المحلية محدودة، ويظل جزء من الطلب على المشتقات معتمداً على الاستيراد.

التكرير المحلي: القيمة ليست في الكمية وحدها

بلغت الكميات المحولة إلى التكرير خلال يونيو نحو 4.1 ملايين برميل، وهو رقم مهم في سياق تعزيز مساهمة المصافي المحلية في توفير الوقود والمنتجات النفطية.

لكن التحليل الاقتصادي لأداء التكرير لا يتوقف عند كمية الخام التي تدخل إلى المصافي؛ فالمؤشر الأكثر دلالة هو حجم المنتجات التي تخرج منها، ونسب التشغيل الفعلية، وكفاءة التحويل، ونوعية المشتقات، وكلفة إنتاجها مقارنة بكلفة استيرادها.

فكل برميل يوجه إلى التكرير المحلي لا يحقق بالضرورة القيمة الاقتصادية نفسها، ما لم تتحول الكمية إلى منتجات مطابقة للمواصفات وبكفاءة تشغيلية مقبولة.

ولهذا فإن تطوير الإفصاح في هذا الجانب يمكن أن يشمل مستقبلاً معدلات تشغيل كل مصفاة، وحجم البنزين والديزل ووقود الطيران والغاز المسال والمنتجات الأخرى الناتجة، إلى جانب نسبة مساهمة الإنتاج المحلي في تغطية الاستهلاك.

إن رفع كفاءة التكرير يمثل أحد أهم مسارات تحسين الاقتصاد النفطي الليبي، لأنه يحقق قيمة مضافة للخام، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويخفف الضغط على النقد الأجنبي، ويعزز أمن الإمدادات.

المخزون المتاح للتصدير: قراءة صحيحة للرقم

أشار البيان إلى وجود: 7,758,304 براميل متاحة للتصدير بتاريخ 30 يونيو 2026.

وقد أوضحت المؤسسة أن هذا الرقم يشمل كميات من إنتاج مايو، إضافة إلى كميات تراكمية موجودة في الخزانات من فترات سابقة.

وبالتالي، لا ينبغي قراءة هذا الرقم باعتباره صادرات إضافية تمت خلال يونيو، وإنما باعتباره رصيداً مخزنياً متاحاً للبيع أو الشحن في نهاية الفترة.

والتمييز بين تدفق الصادرات خلال الشهر والمخزون المتاح في نهاية الشهر ضرورة لفهم الميزان النفطي. فالصادرات تمثل حركة فعلية خلال فترة زمنية، بينما يمثل المخزون لقطة لحظية للكميات الموجودة في الخزانات عند تاريخ محدد.

كما أن وجود مخزون متاح يمنح المؤسسة مرونة في إدارة برامج الشحن والتسويق، والتعامل مع مواعيد الناقلات، والظروف الجوية والتشغيلية، والتغيرات في الأسواق.

ومن شأن إضافة رصيد أول الشهر، والكميات المضافة إلى المخزون، والكميات المسحوبة منه، ورصيد نهاية الشهر، أن توفر ميزاناً نفطياً أكثر تكاملاً.

الإيرادات: التفريق بين الإنتاج والتصدير والتحصيل

بلغت الإيرادات النفطية المحصلة والمحالة إلى الحساب السيادي بالمصرف الليبي الخارجي خلال يونيو: 3,260,938,421.20 دولاراً.

كما بلغت إتاوات وضرائب عقود الامتياز: 2,721,675,652.688 ديناراً ليبياً.

وتبرز هذه الأرقام الدور المالي المركزي الذي يؤديه القطاع النفطي في تمويل الدولة، كما توضح أن مهمة المؤسسة لا تقتصر على إنتاج النفط، بل تشمل تسويقه، ومتابعة الشحنات، وتحصيل قيمتها، وتحويل العائدات وفق الترتيبات المالية المعتمدة.

لكن من المهم في التحليل الفصل بين ثلاثة مفاهيم مختلفة: الإنتاج الفعلي، والتصدير الفعلي، والتحصيل النقدي.

فقد ينتج النفط في شهر، ويشحن في شهر آخر، وتحصل قيمته في فترة لاحقة. ولذلك لا تتطابق الكميات المنتجة أو المصدرة خلال يونيو بالضرورة مع الإيرادات النقدية المحصلة خلال الشهر نفسه.

وفي المحاسبة النفطية، هناك فرق بين أساس الاستحقاق وأساس التحصيل النقدي. فقد تكون قيمة الشحنة مستحقة ومسجلة، لكنها لم تدخل الحساب بعد، كما قد تتضمن إيرادات يونيو متحصلات لشحنات صدرت في مايو أو في فترة سابقة.

ولهذا لا يكون من الدقة قسمة الإيرادات الدولارية المحصلة على كمية الخام المصدرة خلال الشهر، ثم اعتبار الناتج متوسط سعر بيع البرميل؛ لأن طرفي المعادلة قد لا يعودان إلى الفترة نفسها، كما قد تشمل الإيرادات عائدات النفط والغاز والمكثفات والمنتجات، لا الخام وحده.

من الحساب السيادي إلى مصرف ليبيا المركزي

أوضح البيان أن قيمة اعتمادات توريد المحروقات عبر المصرف الليبي الخارجي تستقطع من الإيرادات المحصلة، ثم يحال الرصيد المتبقي إلى مصرف ليبيا المركزي.

وهذه المعلومة تكشف جانباً مهماً من دورة الأموال النفطية، وتوضح أن مبلغ 3.261 مليارات دولار يمثل المبلغ المحصل والمحَوّل إلى الحساب السيادي، لكنه لا يعبر بالضرورة عن صافي المبلغ الذي انتقل في نهاية الدورة إلى مصرف ليبيا المركزي.

ومن المفيد أن تتطور البيانات في هذا الجانب لتظهر بوضوح: إجمالي المتحصلات، وقيمة اعتمادات استيراد المحروقات، وصافي الرصيد المحال إلى مصرف ليبيا المركزي.

ومن شأن هذا التفصيل أن يقدم صورة أكثر اكتمالاً عن العلاقة بين إيرادات التصدير وكلفة تأمين الوقود للسوق المحلية، كما يوضح حجم الالتزامات التي تتحملها المؤسسة ضمن منظومة توفير المحروقات.

والأهم أن هذا النوع من الإفصاح يحول النقاش من تقديرات عامة إلى أرقام يمكن تحليلها، ويتيح فهماً أفضل لما يتحقق من إيرادات وما يستقطع منها لتمويل الاحتياجات الداخلية.

سعر برنت والسعر الفعلي للخامات الليبية

أورد البيان متوسط سعر خام برنت لشهر مايو 2026 عند: 107.554 دولارات للبرميل.

ويمثل برنت مؤشراً مرجعياً رئيسياً في أسواق النفط، لكنه لا يعادل بالضرورة السعر الفعلي الذي تحققه كل شحنة من الخام الليبي.

فالخامات الليبية تختلف في نوعيتها وكثافتها ونسبة الكبريت فيها، كما تختلف أسعارها حسب الميناء وموعد التحميل والطلب في السوق وتكلفة الشحن. وقد تباع بعض الخامات بعلاوة فوق برنت، فيما تباع خامات أخرى بخصم وفق ظروف السوق.

ولهذا يمكن أن يمثل نشر متوسط السعر الفعلي المرجح للصادرات الليبية إضافة مهمة، لأنه يتيح قياس الأداء التسويقي بصورة أدق، ويظهر مدى استفادة ليبيا من جودة خاماتها وقربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية.

كما أن ورود سعر مايو ضمن بيان يونيو يوضح مرة أخرى وجود فجوة زمنية طبيعية بين التسعير والشحن والتحصيل، وهي مسألة مألوفة في تجارة النفط الدولية.

الغاز الطبيعي: ثروة تحتاج إلى ميزان متكامل

بلغ إنتاج الغاز الطبيعي خلال يونيو، وفق الأرقام المنشورة، ما يعادل نحو: 73.324 مليار قدم مكعب،

أي بمتوسط يومي يقارب: 2.44 مليار قدم مكعب يومياً.

وبلغ الغاز المتاح للاستهلاك نحو: 71.661 مليار قدم مكعب،

فيما بلغ الغاز المستعمل فعلياً: 53.379 مليار قدم مكعب،

وبلغت الغازات الحامضية والهيدروكربونية ذات الضغط المنخفض: 11.365 مليار قدم مكعب.

وتؤكد هذه الأرقام أهمية الغاز في منظومة الطاقة الليبية، سواء في تشغيل محطات الكهرباء، أو دعم الصناعة، أو التصدير، أو المحافظة على ضغوط المكامن من خلال إعادة الحقن.

ويظل الغاز أحد أهم الملفات القادرة على إحداث تحول اقتصادي في ليبيا، خاصة من خلال تقليل الحرق، واسترجاع الغاز المصاحب، وتطوير الحقول والمرافق، وتوفير وقود أكثر كفاءة لمحطات الكهرباء، وتعزيز فرص التصدير الإقليمي.

ومن الناحية الفنية، سيكون من المفيد توحيد وحدة القياس في البيانات المنشورة، وتوضيح كامل مسارات الغاز بين الاستهلاك المحلي، والتصدير، وإعادة الحقن، والاستخدامات التشغيلية، والغاز المحروق أو المفقود.

فميزان الغاز لا يقل أهمية عن ميزان النفط، بل قد يصبح في السنوات المقبلة أحد أهم مؤشرات الأمن الطاقي والاقتصادي للدولة.

الإفصاح كأداة لحماية المؤسسة وتعزيز دورها

كلما أصبحت البيانات أكثر انتظاماً وتفصيلاً، تعززت قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على أداء دورها الفني بعيداً عن التخمينات والتأويلات.

فالشفافية في قطاع النفط ليست مجرد استجابة لمطلب إعلامي، بل أداة من أدوات الحوكمة وحماية المؤسسة، لأنها توضح حجم الإنتاج، ومسارات الكميات، والالتزامات المحلية، والعوائد المالية، والتحديات التشغيلية التي تتحملها.

كما أن البيانات الدقيقة تساعد الدولة على التخطيط المالي، وتقدير الإيرادات، وإدارة النقد الأجنبي، ومتابعة كلفة استيراد الوقود، وتحديد الاحتياجات الاستثمارية للقطاع.

والخطوة التالية الطبيعية يمكن أن تكون تطوير البيان الشهري إلى ميزان نفطي ومالي متكامل، يربط بين الإنتاج والمخزون والتصدير والتكرير والتحصيل والتحويلات المالية، مع المحافظة على وضوح العرض وسهولة وصول المعلومة إلى المتخصص وغير المتخصص.

الخلاصة

يكشف بيان يونيو 2026 عن قطاع نفطي يحافظ على مستوى إنتاج مرتفع، ويدير كميات كبيرة من التصدير والتكرير والإمدادات المحلية، ويوفر للدولة تدفقات مالية أساسية في ظروف اقتصادية وتشغيلية معقدة.

كما يعكس البيان تطوراً مهماً في مسار الإفصاح، ويؤكد أن المؤسسة الوطنية للنفط تؤدي وظيفة تتجاوز إدارة الحقول والموانئ؛ فهي تدير العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وتوازن بين متطلبات التصدير واحتياجات الداخل، وتتابع دورة النفط من الإنتاج حتى التحصيل.

ويظل الحفاظ على هذه النتائج مرتبطاً بتوفير التمويل المنتظم، وتسريع برامج الصيانة والتطوير، ورفع كفاءة التكرير، واستثمار الغاز, وتقليل الفاقد والحرق، وتوسيع قاعدة البيانات المنشورة.

فالنفط لا يتحول إلى استقرار اقتصادي بمجرد إنتاجه، بل عندما تدار موارده بكفاءة، وتوضح أرقامه، وتوجه عائداته ضمن رؤية وطنية طويلة الأجل.

ومن هنا، فإن استمرار المؤسسة في أداء واجباتها الفنية، وتطوير الإفصاح، والمحافظة على الإنتاج، يمثل مساراً ضرورياً لحماية الثروة وتعزيز الثقة ودعم قدرة الدولة على التخطيط للمستقبل.

“حلمي القماطي”: من أزمة الديون العالمية إلى الاقتصاد الليبي.. كلفة تأجيل الإصلاح في عالم يتغير

كتب: د. حلمي القماطي/ رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي

منذ عام 1971م، عندما أنهت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب، دخل العالم مرحلة جديدة من النظام النقدي القائم على العملات الورقية؛ حيث أصبحت قدرة المصارف المركزية على خلق السيولة أكبر من أي وقت مضى.

لم يكن ذلك القرار مجرد تغيير فني في السياسة النقدية، بل نقطة تحول تاريخية أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي.

مع مرور الوقت توسع الائتمان بوتيرة متسارعة؛ فالأفراد اقترضوا، والشركات اقترضت، والحكومات اقترضت أكثر. تدفقت الأموال عبر المصارف والأسواق المالية، وارتفع الإنفاق ونمت الاقتصادات، لكن بالتوازي تضخم حجم الديون العالمية بشكل غير مسبوق.

واليوم، تجاوز إجمالي الدين العالمي 300 تريليون دولار، في وقت يقترب فيه الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 100 تريليون دولار فقط. بمعنى آخر، أصبح العالم مديناً بأكثر من ثلاثة أضعاف ما ينتجه سنوياً.

المشكلة لا تكمن في وجود الديون بحد ذاتها، فالديون أداة اقتصادية طبيعية، لكنها تتحول إلى مصدر للمخاطر عندما تنمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصادات الحقيقية على توليد الدخل اللازم لخدمتها. ومع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد أعباء خدمة الدين، أصبحت العديد من الحكومات تواجه معضلة معقدة:

  • إما التوسع في خلق السيولة، بما قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملات والمدخرات.
  • أو زيادة الضرائب والرسوم، بما يرفع الأعباء على المواطنين والشركات.
  • أو الاستمرار في الاقتراض، وهو خيار يزداد صعوبة وكلفة مع مرور الوقت.

التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن فترات تراكم الديون المفرطة غالباً ما تترافق مع اضطرابات مالية وتوترات جيوسياسية وإعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي. ولعل ما يلفت الانتباه اليوم هو الزيادة الملحوظة في مشتريات المصارف المركزية من الذهب؛ فالذهب لا يدر عائداً، ولكنه يحتفظ بقيمته عندما تتراجع الثقة في العملات والأصول المالية التقليدية. هذه ليست إشارة إلى انهيار وشيك، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً لحجم المخاطر الكامنة داخل النظام المالي العالمي.

السؤال لم يعد: ما إذا كانت الاختلالات موجودة؟ فهي موجودة بالفعل، السؤال الحقيقي هو: كيف ستتم معالجتها؟ وهل سيكون العالم قادراً على إدارة هذا التحول بهدوء، أم أن التكلفة الاقتصادية ستكون أعلى مما نتوقع؟

وإذا كانت أزمة الديون العالمية تمثل تحدياً للدول الكبرى ذات الاقتصادات المتنوعة والمؤسسات المستقرة، فإن المخاطر بالنسبة لليبيا أكبر بكثير. فليبيا لا تواجه أزمة اقتصادية تقليدية فحسب، بل تعيش مزيجاً معقداً من الانقسام السياسي والمؤسسي، والتوسع غير المنضبط في الإنفاق العام، والسياسات النقدية قصيرة الأجل.

يعتمد الاقتصاد الليبي بصورة شبه كاملة على النفط، الذي يشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي. لكن في المقابل، يتسع الإنفاق العام بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد الحقيقي على الإنتاج، بينما تستمر فاتورة المرتبات والدعم والإنفاق الموازي في الارتفاع عاماً بعد عام.

وفي ظل غياب التنسيق الكامل بين السياسات المالية والنقدية، أصبحت الحلول المؤقتة تحل محل الإصلاحات الهيكلية. وتأجيل الإصلاح لا يلغي التكلفة بل يضاعفها؛ فاستمرار التوسع في الإنفاق دون زيادة حقيقية في الإنتاج، واستمرار الاعتماد على إيرادات نفطية متقلبة، يعني مزيداً من الضغوط على سعر الصرف ومزيداً من التآكل في القوة الشرائية للمواطن.

ومع استمرار الانقسام المؤسسي، تتراجع قدرة الدولة على ضبط الإنفاق، وتضعف كفاءة إدارة الموارد العامة، وتزداد صعوبة بناء سياسة اقتصادية موحدة قادرة على مواجهة الصدمات.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انخفاض أسعار النفط، بل في تزامن أي تراجع نفطي مستقبلي مع استمرار مستويات الإنفاق الحالية؛ حينها ستصبح الخيارات أكثر صعوبة:

  • إما اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
  • أو فرض رسوم وضرائب إضافية لتعويض تراجع الإيرادات.
  • أو استنزاف الاحتياطيات الأجنبية لتغطية فجوة متزايدة بين الإيرادات والمصروفات.

وفي جميع الحالات، سيدفع المواطن التكلفة النهائية عبر ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الدخل الحقيقي، وتآكل المدخرات.

كل عام يمر دون إصلاحات اقتصادية حقيقية يعني اقتصاداً أكثر هشاشة، واعتماداً أكبر على الإيرادات النفطية، واحتياطيات تُستهلك في معالجة الأزمات بدلاً من توظيفها في بناء المستقبل. وكل تأخير في توحيد المؤسسات، وضبط الإنفاق العام، وإصلاح منظومة الدعم، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية، يرفع من كلفة التصحيح عندما يصبح الإصلاح أمراً لا مفر منه.

فالاقتصادات لا تنهار عادة بسبب نقص الموارد، بل بسبب سوء إدارتها وتأجيل القرارات الصعبة والاعتماد المستمر على الحلول المؤقتة. وفي حالة ليبيا، لا تكمن المشكلة في محدودية الإمكانات، بل في اتساع الفجوة بين ما تنفقه الدولة وما ينتجه الاقتصاد الحقيقي؛ فلا يمكن لأي احتياطي نقدي مهما بلغ حجمه أن يعوض غياب الانضباط المالي إلى الأبد، ولا يمكن لأي ارتفاع مؤقت في أسعار النفط أن يخفي الاختلالات الهيكلية أو يؤجل آثارها إلى ما لا نهاية.

(( فالوقت في الاقتصاد ليس عاملاً محايداً ))؛ إما أن يعمل لصالح الإصلاح، أو يتحول إلى عنصر يفاقم الأزمة.

السؤال لم يعد: هل يحتاج الاقتصاد الليبي إلى إصلاح؟ السؤال الحقيقي هو: كم ستكون تكلفة تأجيله؟ وهل ما زلنا نمتلك رفاهية الانتظار في ظل انقسام مؤسسي وإنفاق متسارع وسياسات قصيرة النظر؟ أم أن نافذة الإصلاح تضيق يوماً بعد يوم؟

Screenshot

“الساروي”: ليبيا بين تفكيك المؤسسات ومأزق التشظي.. قراءة استراتيجية في كتاب “إصلاح الدول الفاشلة”

كتب: أبوعجيلة الساروي – المتابع للشأن الاقتصادي والسياسي الليبي

الإطار النظري: جدلية “الكفاءة المؤسسية” و”السيادة”

شغل سؤال “بناء الدولة” الفكر السياسي الحديث لعقود، لكنه تحول في القرن الحادي والعشرين من ترف نظري إلى ضرورة وجودية ملحة، خاصة مع تزايد رقعة “الدول الهشة والفاشلة” عقب نهاية الحرب الباردة. في هذا السياق، يأتي كتاب “إصلاح الدول الفاشلة: إطار عملي لإعادة بناء عالم منقسم” (2008) لمؤلفيه؛ الاقتصادي والرئيس الأفغاني الأسبق أشرف غني، والباحثة البريطانية كلير لوكهارت، كدليل عملي يستند إلى التجربة الميدانية لا التأمل المجرد.

وينطلق الكتاب من فرضية مركزية: أن فشل الدول ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج مباشر لعجز النظم السياسية عن مأسسة وظائفها الجوهرية، وتحول المجتمع الدولي من شريك في “بناء القدرات” إلى وكيل “إغاثة مؤقتة”. وعند نقل هذه العدسة التحليلية إلى الفضاء الليبي، تبرز الدولة كواحدة من أكثر الحالات إلحاحاً للدراسة؛ حيث تنقلت ليبيا عبر خمسة عقود بين طورين من الهشاشة: طور “التفكيك الممنهج للمؤسسات”، وطور “التشظي والسيادات المتوازية”.

وإن أخطر ما يواجه الدول التي تمر بمراحل انتقالية مطولة هو اعتياد الفوضى وتحول الجمود السياسي إلى بيئة استثمارية لطبقات ريعية مستفيدة. في الحالة الليبية، يتجاوز تشخيص الأزمة مجرد الخلاف على السلطة بين النخب، إلى أزمة وجودية أعمق تتعلق بـ”مفهوم الدولة” ذاته وجدلية كفاءتها المؤسسية.

يأتي هذا المقال ليشرح كيف تنقلت ليبيا طيلة العقود الخمسة الماضية من طور “الجمهورية اللامؤسساتية” إلى طور “التشظي والسيادات المتوازية”. لا يكتفي المقال برصد مظاهر الفشل البنيوي والاقتصادي المتمثل في ريعية الدولة وتسييس مؤسساتها المالية، بل يغوص في العمق السلوكي والسوسيولوجي للصراع، مستشرفاً السيناريوهات المستقبلية ومقدماً بدائل استراتيجية قادرة على كسر مأزق الانسداد السياسي الراهن.

الهندسة العكسية للدولة: تشريح خمسة عقود من الهدم البنيوي في ليبيا

يرى غني ولوكهارت أن الدولة تصبح فاشلة عندما تفقد “احتكارها المشروع لوسائل العنف” وتعجز عن أداء وظائفها الجوهرية. بتطبيق هذا المنظور على التاريخ الليبي المعاصر، نجد أننا أمام “هندسة عكسية” أدت لتآكل الدولة عبر مرحلتين تراكميتين:

أ. مرحلة “اللا دولة” وجماهيرية الفراغ المؤسسي (1969 – 2011)

على مدى أربعة عقود، تبنى نظام معمر القذافي فلسفة سياسية تقوم على إلغاء مؤسسات الدولة التقليدية (الدستور، البرلمان، الجيش النظامي العقائدي، والجهاز الإداري المستقل) واستبدالها بهياكل مرنة ولجان شعبية. كان هذا التطبيق عملياً هو إلغاء لـ”مؤسسات الدولة” وصهرها في سلطة الفرد والقبيلة والأجهزة الأمنية الموازية. ونتيجة لذلك، دخلت ليبيا عام 2011 وهي تعاني من “أنيميا مؤسسية” حادة، دون تقاليد إدارية راسخة يمكن البناء عليها.

ب. مرحلة “التشظي والسيادات المتوازية” (2011 – 2026)بعد سقوط النظام، تحول الفراغ المؤسساتي إلى انفجار أمني. فقدت الدولة احتكار العنف لصالح الميليشيات والتشكيلات الجهوية والمناطقية. غياب “الهوية القانونية الموحدة” وسيادة القانون أدى إلى نشوء حكومتين ومصرفين مركزيين ومؤسسات موازية، وهو ما يطابق تشخيص الكتاب لـ”دائرة الفشل المفرغة” الناتجة عن النزاعات المسلحة والانقسام الاجتماعي.

التحليل السلوكي والسوسيولوجي للاستعصاء الليبي

لفهم سبب استمرار هذا الانسداد طيلة السنوات الماضية، يجب تجاوز التشخيص السطحي والولوج إلى عمقين استراتيجيين:

أ. مأزق السجين والانسداد السياسي (منظور توماس شيلينغ)

تُظهر نظرية الألعاب (Game Theory)، وتحديداً “مأزق السجين” الذي طوره المفكر الاستراتيجي توماس شيلينغ، تفسيراً دقيقاً لفشل الاتفاقيات السياسية الليبية المتعاقبة. تدرك الأطراف المتصارعة نظرياً أن السلام والاستقرار هما الخيار الأفضل للجميع، لكن غياب الثقة المتبادلة وعدم وجود ضمانات مؤسسية صارمة يدفع كل طرف إلى اختيار سلوك عقلاني من منظور فردي، ولكنه كارثي من منظور جماعي، وهو: الاستمرار في التحشيد المسلح والسيطرة على المقدرات خوفاً من غدر الطرف الآخر. بناءً على ذلك، فإن التسويات الفوقية المبنية على حسن النوايا محكومة بالفشل ما لم تُصمم آليات إلزام مؤسسية خارقة تجعل تكلفة خرق الاتفاق أعلى بكثير من تكلفة الالتزام به.

ب. الخلدونية الجديدة وتحالف عصبية المال والسلاح

عند دمج رؤية الكتاب السوسيولوجية بالواقع الليبي، نجد تجلياً واضحاً لـ”الخلدونية الجديدة”. لقد تحولت العصبية التقليدية (القبلية أو الجهوية) في ليبيا المعاصرة إلى عصبية مصلحية مركبة هجينة، تدمج بين سلطة السلاح (الميليشيات) وسلطة المال (الوصول إلى اعتمادات المصرف المركزي، والإنفاق العام، والتهريب). تشكلت على إثر ذلك طبقة ريعية مصلحية وجودها مرتبط باستدامة الفوضى؛ إذ إن قيام دولة مؤسسات فعالة وشفافة يعني تلقائياً تجفيف منابع تمويل هذه العصبيات المركبة وتفكيك نفوذها.

نقد المقاربات الدولية: متلازمة “إسقاط الأنظمة دون بناء الدول”

يوجه مؤلفا الكتاب نقداً لاذعاً للمجتمع الدولي، مؤكدين أن إسقاط الأنظمة لا يعني بناء دول جديدة. هذا النقد ينطبق بدقة متناهية على التدخل الدولي في ليبيا عام 2011 وما تلاه:

أ-عقدة اليوم التالي: ركز حلف الناتو والمجتمع الدولي على الشق العسكري (إسقاط النظام)، ثم انسحب تاركاً البلاد دون استراتيجية حقيقية لنزع سلاح الميليشيات وتسريحها وإعادة دمجها.

ب- نهج إدارة الأزمة لا حلها: تعاملت البعثات الدولية والمانحون مع الأزمة الليبية عبر مسارات سياسية فوقية (تقاسم السلطة بين النخب) أو إغاثية مؤقتة، متجاهلين جذور المشكلة المتمثلة في إعادة بناء الجهاز الإداري والقضائي والأمني للدولة. تحولت ليبيا في نظر المجتمع الدولي إلى مجرد ملف ديمغرافي وأمني (مكافحة إرهاب، هجرة غير شرعية، تأمين تدفق النفط) بدلاً من التعامل معها كمجتمع سياسي يحتاج إلى إعادة بناء شاملة.

اختبار “الوظائف العشر” في البيئة الريعية والمالية الليبية

يقدم الكتاب (عشر وظائف أساسية) للدولة الحديثة، يرتبط الفشل في إحداها بانهيار البقية. وفي الحالة الليبية، تبرز أزمة الاقتصاد الريعي وغياب الحوكمة المالية كعائق بنيوي عطّل هذه الوظائف:

على سبيل المثال، يوضح الكتاب أن التنمية تتطلب اقتصاداً منتجاً ومؤسسات مالية شفافة. وفي ليبيا، طيلة العقود الضائعة، اعتمدت الدولة كلياً على ريع النفط، مما حوّلها من خادم للمواطن عبر الضرائب إلى موزع للمكافآت والرواتب. وإن انقسام المصرف المركزي والتشوه في السياسات النقدية وأسعار الصرف، وغياب تفعيل معايير الحوكمة الرشيدة وإدارة المخاطر، أدى إلى تفاقم الدين العام الموازي وهدر الأصول. بالتعاون مع غياب الإدارة المالية القائمة على معايير التدقيق الدولية الصارمة حوّل المؤسسات السيادية المالية (المصرف المركزي، المؤسسة الوطنية للنفط، المصرف الخارجي) من أدوات استقرار اقتصادي إلى ساحات صراع مسلح وسياسي للسيطرة على العوائد.

كما تحول الصراع السياسي إلى صراع على غنائم النفط بدلاً من التنافس على تقديم الخدمات (التعليم، الصحة، البنية التحتية). هذا الأمر دمر وظيفة تحفيز الاقتصاد وخلق فرص العمل، وجعل التوظيف الحكومي المقنع أداة لشراء الولاءات، مما أفرغ وظيفة المواطنة من معناها القانوني والتنموي.

مصفوفة الإسقاط الاستراتيجي: وظائف الدولة بين الأطروحة النظرية والواقع الليبي

لتسهيل فهم هذا التداخل البنيوي، تلخص مصفوفة المقاربة التالية الفجوة بين النموذج المثالي للكتاب والواقع المرير أو المتأزم في ليبيا:وظائف الدولة العشر (غني & لوكهارت)

واقع الدولة الليبية خلال (خمسة عقود)

النتيجة والمخرجات الاستراتيجية
1- توفير الأمن واحتكار العنف
تآكل الجيش النظامي سابقاً، وانتشار التشكيلات المسلحة والميليشيات حالياً
غياب مفهوم الأمن القومي الموحد، وتعدد مراكز القرار الأمني
2- سيادة القانون والعدالة
تسييس القضاء في مراحل، وعجزه عن ملاحقة قادة المجموعات المسلحة حالياً
غياب الثقة في المنظومة القضائية، واللجوء للحلول العرفية والقبلية
3- إدارة المال العام والضرائب
اعتماد مطلق على النفط (اقتصاد ريعي)، وغياب الجباية والمنظومة الشفافة والمعايير الدولية
انقسام السياسة النقدية، تشوه أسعار الصرف، وتحول المركزي لساحة صراع نفوذ
4- بناء الشرعية والمشاركة
تغييب الدستور والمؤسسات السياسية الراسخة، وحالياً انقسام تشريعي وتنفيذي
أزمة شرعية مزمنة لكل الحكومات المتعاقبة وتأجيل مستمر للانتخابات
5- الهوية القانونية والمواطنة
استخدام الهوية الوطنية كأداة إقصاء أو منح سياسي، وتشظي مجتمعي
ضعف الولاء للدولة المركزية لصالح الولاءات القبلية، الجهوية، أو الأيديولوجية
6- البنية التحتية وإدارة الموارد
تهالك شبكات الكهرباء، الطرق، والمياه رغم الضخ المالي الضخم عبر العقود
هدر مالي ضخم نتيجة الفساد الإداري وغياب الرؤية الهندسية المستدامة
7- تحفيز الاقتصاد وخلق العمل
تضخم القطاع العام (بطالة مقنعة) وشلل القطاع الخاص المستقل
عجز عن خلق اقتصاد معرفي أو صناعي بديل للنفط، وتبعية تامة للمواطن للدولة
8- الخدمات (التعليم والصحة)
تراجع مخيف في جودة التعليم والمنظومة الصحية والاضطرار للعلاج بالخارج
انهيار رأس المال البشري الليبي وزيادة الأعباء الاقتصادية على المواطن
9- الإدارة البيئية المستدامة
إهمال أزمات المياه والتصحر والتغير المناخي، وغياب الأمن الاستباقي للكوارث
تهديدات وجودية مستقبلية تتعلق بالأمن المائي والغذائي (كارثة درنة كمثال)
10- التمثيل الدولي والسيادة
تدخلات إقليمية ودولية سافرة، وارتهان القرار الوطني للمحاور الخارجية
تحول ليبيا من “فاعل” في السياسة الدولية إلى “ساحة لتصفية الحسابات”

الاستشراف الاستراتيجي: تداعيات الاستمرار في الوضع الراهن

إن بقاء ليبيا في حالة اللا حرب واللا سلم الحالية ليس استقراراً مؤقتاً، بل هو حالة من “التعفن المؤسسي الديناميكي” التي تضع مستندات الدولة أمام ثلاثة سيناريوهات مستقبلية:

أ. السيناريو الأول: “الصوملة التدريجية” والتحلل البنيوي (الأكثر ترجيحاً)
لا ينطوي هذا المسار على انهيار عسكري شامل مفاجئ، بل على تآكل بطيء مستمر لهيكل الدولة، حيث تتحول الأطراف المتصارعة إلى سلطات “أمر واقع” محلية، تكرس اللامركزية السلبية (الفدرالية غير المعلنة)، مع تدنٍ خطير في الخدمات الأساسية وتفشي الفساد الإداري.أما اقتصادياً وأمنياً فيشتد الانقسام المالي والتضخم وتآكل قيمة العملة، بينما تترسخ عصبية السلاح والمال، ليصبح الانخراط في التشكيلات المسلحة أو الاقتصاد الجنائي الموازي (التهريب) هو الخيار التوظيفي الأكثر ربحية للشباب على حساب الإنتاج المعرفي والصناعي.
ب. السيناريو الثاني: “الانفجار الكبير” وحافة الهاويةيتحقق هذا السيناريو عند حدوث صدمة حادة تكسر قواعد التوازن المالي أو الأمني الهش (مثل تراجع حاد ومفاجئ في أسعار النفط، أو انسداد تام لتدفقات الإيرادات، أو تحول صراع النفوذ على المصرف المركزي إلى مجابهة صفرية مسلحة). هذا الانهيار يدفع “مأزق السجين” نحو الصدام الشامل، مما يفتح الباب لتدويل كامل للملف وتدخل عسكري خارجي مباشر لتأمين مصالح القوى الإقليمية، مما يهدد الوحدة الترابية للدولة بشكل حتمي.
ج. السيناريو الثالث: “الصحوة المؤسسية” (العقد السيادي)وهو الخيار الإصلاحي القائم على تنامي كتلة تكنوقراطية وطنية مدعومة بوعي شعبي وضغط دولي يفرض آليات إلزام خارقة للعبة تفكك مصالح النخبة المعرقلة عبر عقوبات وحوافز ذكية، للذهاب مباشرة نحو اعتماد قاعدة دستورية دائمة تعقبها انتخابات وطنية توحد شرعية وبنية مؤسسات الدولة وعقيدتها الاقتصادية والأمنية.

ملحق استراتيجي: خارطة الطريق التنفيذية لإعادة بناء الدولة الليبية بمعنى العقد السيادي الليبي

بناءً على مفهوم العقد السيادي الذي يقترحه الكتاب، والحلول النظرية للألعاب الاقتصادية والكلية، يمكننا طرح خارطة طريق تنفيذية ثلاثية الأبعاد للخروج من الانسداد الليبي الحالي:

أولاً: مسار هندسة الأمن الاستراتيجي وحل معضلة الميليشيات

1-تأسيس المجلس الأعلى للأمن القومي: هيكل تكنوقراطي موحد يضم القيادات العسكرية من كافة الأقاليم (بناءً على مخرجات لجنة 5+5) لوضع عقيدة عسكرية لحماية الحدود لا المدن.
2-نموذج القوة الاحتياطية القانونية الذكية (الحرس الوطني): التوقف عن النهج التقليدي للدمج الجماعي العشوائي للكتل المسلحة. بدلاً من ذلك، يُقترح فرز فردي بناءً على الكفاءة والقيود الجنائية، وتحويل المجموعات التي يصعب دمجها حالياً إلى قوة احتياطية مدربة قانونياً (حرس وطني أو حرس حدود) تخضع لقيادة تكنوقراطية موحدة وتكلف بمهام تأمين الحدود الشاسعة وحماية المنشآت الحيوية، مع ربط مزاياهم المالية بالانضباط الفردي وتفكيك الهياكل الموازية.

ثانياً: مسار الإصلاح الهيكلي والمالي الشامل

1-إخضاع المؤسسات المالية لمعايير التدقيق الدولية المستقلة: توحيد المصرف المركزي بشكل كامل عبر إنهاء السياسات النقدية المتوازية، وإخضاع ميزانياته وإنفاقه لمعايير الحوكمة الدولية وإدارة المخاطر للتخلص من تشوهات أسعار الصرف والدين العام.
2-تأسيس الصندوق السيادي للتنمية والإعمار (خارج التجاذبات): تودع فيه نسبة ثابتة من عوائد النفط، ويُدار عبر مجلس حوكمة مستقل بمراقبة دولية (ديوان المحاسبة الليبي + بيوت خبرة عالمية) لتمويل البنية التحتية والتحول الرقمي.
3-لامركزية الإدارة المالية: تفعيل دور المحافظات والبلديات في تقديم الخدمات المباشرة، مع ربط ميزانياتها بمؤشرات الأداء والكفاءة، لتخفيف الضغط والتصارع على العاصمة طرابلس وتفكيك عصبية المال المركبة.

ثالثاً: مسار “الشرعية الدستورية والمواطنة”

1-كسر مأزق السجين بآليات إلزام دولية وطنية: صياغة قاعدة دستورية دائمة تحدد شكل الدولة ونظام الحكم، مع وجود ضمانات وعقوبات صارمة (محلية ودولية) تُفرض على أي طرف يحاول الانقلاب على النتائج أو عرقلة الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
2-إعادة هيكلة الوظيفة العامة: إطلاق مشروع وطني لتطهير وإصلاح الجهاز الإداري وتفعيل قانون منظم للقطاع الخاص ليكون الشريك الأساسي في التنمية، مما يرفع عن كاهل الدولة عبء التوظيف السياسي والريعي.

خاتمة استراتيجية: العبرة التاريخية

إن المغزى الفكري النهائي الذي يخرج به قارئ كتاب “إصلاح الدول الفاشلة” والمتابع المتبصر والواعي للمشهد الليبي هو أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية أو التسويات المؤقتة، بل بقدرة الدولة على كسب ثقة مواطنيها من خلال الكفاءة والشرعية والمساءلة.

لقد دفعت ليبيا طيلة العقود الخمسة الماضية ضريبة غياب “المؤسسة”؛ تارة باسم الثورة المستمرة، وتارة باسم الصراع على الغنائم. واليوم، يتضح أن الخروج من التيه الليبي هو سباق استراتيجي مع الزمن لإنقاذ مفهوم الدولة ذاته، قبل أن يتحول التآكل الحالي والتشظي المؤسسي إلى واقع جيوسياسي دائم ومكتمل الأركان لا يمكن الفكاك منه.

“حسني بي”: لماذا يضطر المصرف المركزي شراء الدينار وبيع الدولار؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

يثور كثير من الجدل حول العلاقة بين سعر الصرف والإنفاق العام بالدينار الليبي، وحول الأسباب التي تدفع مصرف ليبيا المركزي إلى بيع العملات الأجنبية بصورة مستمرة. والحقيقة أن فهم هذه العلاقة يعد مفتاحاً لفهم أسباب التضخم واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية وتراجع قيمة الدينار.

من الناحية المحاسبية والنقدية، لا تنفق الدولة أو الحكومة بالدولار داخل الاقتصاد المحلي، العملة المحلية دينارات ليبية، لذلك الحكومة ملزمة أن تنفق بالدينار الليبي. وعندما تتحصل الدولة أو الحكومة على إيرادات النفط والغاز بالدولار، فإنها تحتاج إلى تحويل جزء من هذه الإيرادات إلى دنانير حتى تتمكن من دفع المرتبات والمصروفات التسييرية والدعم والمشروعات العامة.

وهنا يبرز السؤال الأساسي:

من أين تحصل الدولة على الدنانير التي تنفقها؟

هناك حالتان مختلفتان:

الحالة الأولى: أن يقوم المصرف المركزي ببيع الدولار لتغطية الطلب الحقيقي على النقد الأجنبي، سواء لتمويل الاعتمادات المستندية أو الحوالات أو الأغراض الشخصية أو غيرها من الاحتياج المرتبطة بالاستيراد والتعاملات الخارجية. في هذه الحالة يكون بيع الدولار استجابة لطلب السوق على العملة الأجنبية، وهي وظيفة طبيعية لأي مصرف مركزي.

الحالة الثانية: أن يكون بيع الدولار مرتبطاً أيضاً بحاجة الدولة للحصول على الدنانير اللازمة للإنفاق العام. ففي هذه الحالة يصبح المصرف المركزي عملياً مضطراً إلى بيع الدولار وشراء الدينار من المواطنين والشركات حتى يتمكن من تمويل الإنفاق الحكومي.

فالدنانير التي يدفعها المواطنون مقابل الحصول على الدولار للأغراض الشخصية، أو التي تدفعها الشركات مقابل فتح الاعتمادات وتمويل الواردات، تعود في النهاية إلى المصرف المركزي، ثم يعاد ضخها في الاقتصاد على شكل مرتبات ومصروفات حكومية وإنفاق عام.

ومن هنا تنشأ معادلة أساسية كثيراً ما يتم تجاهلها:

كل دينار تنفقه الدولة يجب أن يقابله سحب مماثل للدينار من السوق عبر بيع العملات الأجنبية.

فإذا توسع الإنفاق العام بالدينار دون أن يقابله بيع كافٍ للدولار وسحب مكافئ للدينار من السوق، فإن النتيجة تكون زيادة الكتلة النقدية المحلية بصورة تفوق قدرة الاقتصاد على استيعابها.

وعندها تظهر ثلاثة آثار مباشرة:

1- ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة كمية الدنانير المتداولة مقارنة بالسلع والخدمات المتاحة. 2- اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية بسبب زيادة الطلب على الدولار كملاذ لحفظ القيمة. 3- تراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة اختلال التوازن بين عرض وطلب العملات الأجنبية.

لذلك فإن استقرار سعر الصرف لا يتحقق فقط بإدارة سوق النقد الأجنبي، بل يرتبط بالدرجة الأولى بانضباط الإنفاق العام. فكل زيادة في الإنفاق بالدينار يجب أن يقابلها تدفق حقيقي من إيرادات النقد الأجنبي يسمح للمصرف المركزي ببيع ما يكفي من الدولار وسحب ما يكفي من الدنانير من السوق.

وبعبارة أخرى، فإن العلاقة بين الإنفاق العام وسعر الصرف ليست علاقة غير مباشرة، بل هي علاقة محاسبية ونقدية جوهرية وأساسية. فكل دينار يتم إنفاقه دون وجود ما يقابله من شراء دينارات مقابل بيع إيرادات دولارية حقيقية يجري تحويلها إلى دينار عبر المصرف المركزي، يتحول تدريجياً إلى ضغط تضخمي، ويزيد الطلب على الدولار، ويضعف قيمة العملة الوطنية.

إن الحفاظ على استقرار الدينار الليبي يتطلب ربط الإنفاق العام بحجم الإيرادات الدولارية الفعلية، وضمان أن يكون كل دينار يتم ضخه في الاقتصاد مغطى بعملية مقابلة لسحب الدينار من السوق عبر بيع العملات الأجنبية، وإلا فإن التضخم والفجوة السعرية سيبقيان النتيجة الحتمية لأي توسع مالي غير منضبط.

“أبوسيف اغنيه” يكتب: نداء وطني لاستحداث منظومة الدعم النقدي المباشر في ليبيا

كتب: د. أبوسيف الزروق اغنيه / الخبير المالي والاقتصادي الدولي ورئيس صندوق ليبيا للتنمية الصناعية

أخي المواطن الكريم، أختي المواطنة الكريمة، الإخوة والأخوات المهتمين بالشأن العام والاقتصادي في ليبيا..

في ظل انسداد قنوات التواصل المؤسسي التقليدية وصعوبة إيصال المقترحات الهيكلية عبر المسارات الدولية البيروقراطية المعتادة، اخترت أن أشارككم من خلال هذا المنبر الرقمي الحر رؤية ومبادرة وطنية تم صياغتها استناداً إلى عقود من الخبرة الدولية في المجال الاقتصادي والمالي والحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر. إن هذا المنبر يمثل اليوم وسيلتنا المباشرة لكسر طوق الصمت، وطرح بدائل حقيقية تسهم في معالجة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تمس حياة كل مواطن.

أكتب إليكم اليوم لا بصفتي خبيراً عاصر تجارب الإصلاح والتطوير والتنمية في أكثر من 57 دولة حول العالم فحسب، بل بصفتي أخاً محباً يتألم لما تمرون به، وقلباً كبيراً يريد الخير لكل عائلة وكل فرد في هذا الوطن المعطاء.

عزيزي، عزيزتي، هل تعلمون أين تذهب ثرواتكم؟

دعونا نتحدث بلغة الأرقام الصادقة التي لا تجامل؛ عائلتك المكونة من 6 أفراد تكلف الدولة الليبية حالياً (مايو 2026) ما يقارب 6,000 دينار شهرياً لتغطية ميزانية الطاقة والمحروقات. السؤال الكبير الذي يجب أن نطرحه جميعاً: أين تذهب هذه الأموال؟ وكم يصل منها فعلياً إلى جيبك ليدعم أسرتك ويسهل حياة أولادك؟

الحقيقة المرة هي أن الدعم العيني الحالي (البنزين الرخيص، الكهرباء المهدورة) لا يستفيد منه المواطن البسيط بالشكل العادل؛ المستفيد الأكبر هو شبكات التهريب الدولية والعابرة للحدود، وأصحاب المصالح في السوق السوداء. نحن ندعم وقوداً يُهرب لدول الجوار، بينما يقف المواطن الليبي الشريف في طوابير محطات البنزين! لقد حان الوقت لننتقل من هذه المنظومة التقليدية الفاشلة إلى منظومة الدعم النقدي المباشر وفق خطة مبتكرة تضمن دخول الأموال إلى جيوب الليبيين البسطاء مباشرة.

ملامح الخطة المبتكرة لاستبدال الدعم: أموالك في جيبك أولاً

التحول الرقمي الشامل (حساب المواطن الليبي): الربط الفوري بالرقم الوطني عبر إنشاء منصة رقمية موحدة مرتبطة مباشرة بمنظومة الأحوال المدنية، لضمان أعلى درجات الامتثال والنزاهة، ومحاربة التزوير، وضمان وصول كل درهم لمستحقيه الفعليين.

المحافظ الإلكترونية الذكية: تحويل القيمة النقدية (الـ 6,000 دينار شهرياً، أو ما تحدده الدراسات بدقة وبعدد أفراد كل أسرة) مباشرة إلى الحسابات المصرفية والمحافظ الرقمية للهواتف (سداد، تداول، موني، وغيرها)، بلا طوابير، بلا وساطة، وبلا تأخير.

التدرج الذكي لمنع الصدمات والتضخم

المرحلة الأولى (وقود السيارات): الرفع التدريجي لأسعار الوقود على مدار 18 إلى 24 شهراً؛ فالرفع الفجائي بنسبة 100% هو انتحار اقتصادي لن نسمح به.

الدفع المسبق (Cashback): يستلم المواطن القيمة النقدية في حسابه أولاً، ثم يتم تحريك أسعار الوقود في المحطات لاحقاً (بعد 3 أشهر)، لضمان عدم حدوث أي هزة في القدرة الشرائية.

مؤشر مرن لغلاء المعيشة: ربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم وأسعار السوق لحماية الطبقات الهشة بشكل مستمر ومدروس.

ابتكار بطاقة الطاقة الذكية (مكافأة الترشيد)

لتجنب ضخ سيولة كاش ضخمة قد تسبب تضخماً، تقسم القيمة إلى قسمين:

50% دعم نقدي مباشر: يدخل الحساب المصرفي للتصرف فيه بحرية.

50% رصيد في بطاقة طاقة ذكية: مخصصة حصرياً لشراء البنزين، الديزل، دفع فواتير الكهرباء، أو غاز الطهي.

المفاجأة؟ إذا نجحت العائلة في ترشيد استهلاكها ولم تستهلك كامل الرصيد، يتم تحويل المتبقي تلقائياً إلى كاش في حسابهم نهاية الشهر كمكافأة ترشيد.

حماية قطاع النقل والخدمات (العمود الفقري للأسعار)

لحماية أسعار السلع والخدمات من الارتفاع:

تخصيص جزء من وفورات الدعم لدعم وقود شاحنات نقل البضائع، سيارات الإسعاف، والخدمات العامة.

توجيه استثمارات فورية لإنشاء شبكة نقل عام حديثة ومتطورة (ترامواي) بكل من طرابلس وربطها بالزاوية، وبنغازي، وسبها، ومصراتة، والبيضاء، وتعميم هذه الوسيلة على المدن الكبيرة بليبيا لاحقاً.

بالأرقام والحقائق.. كيف ستتغير حياتك اليومية؟

عند تطبيق هذه الرؤية المستلهمة من أفضل الممارسات الدولية، سنشهد نتائج ملموسة على كافة الأصعدة:

توجيه ضربة قاضية للتهريب: عندما يصبح سعر الوقود الليبي مساوياً للسعر العالمي، سيتوقف التهريب فوراً؛ فلن يجد المهرب هامش ربح يدفعه للمخاطرة.

عدالة اجتماعية حقيقية: العائلة البسيطة التي تملك سيارة واحدة (أو لا تملك) ستتساوى في قيمة الدعم مع العائلة الميسورة التي تملك أسطول سيارات، مما يعيد توزيع الثروة بعدالة.

إنعاش المنظومة المصرفية والقضاء على أزمة السيولة: ضخ هذه المليارات عبر القنوات الرقمية والمصرفية سيقضي على أزمة السيولة المزمنة في المصارف الليبية نهائياً.

إعادة بناء البنية التحتية: الأموال الضخمة التي كانت تذهب هباء في قاع التهريب، ستُوجه لترميم قطاعات الصحة، التعليم، صيانة شبكة الكهرباء المتهالكة لضمان توفر الطاقة 24 ساعة، وتقليل الحوادث المرورية عبر صيانة الطرق.

شرط النجاح الحاسم: الثقة والأمان

من واقع خبرتي الدولية، لن يكتب النجاح لهذه الخطة إلا بشرط واحد ووحيد: بناء جسر من الثقة المطلقة بين المواطن والدولة. يجب أن يرى المواطن الأموال في حسابه المصرفي بانتظام وبشكل مسبق وقبل أي خطوة لرفع الأسعار.

هل نتوقع معارضة؟ نعم، وبشدة! ولكن اعلموا يا إخوتي أن هذه المعارضة لن تكون من المواطن البسيط الذي يريد ستر عائلته، بل ستكون من المتنفذين والمهربين الذين يقتاتون ويتقاتلون على ثرواتكم ويستفيدون من فرق أسعار النفط والكهرباء وغيرها.

والله إني لكم ناصح أمين، أضع خبرة السنين بين أيديكم غيرة على هذا الوطن. تكرموا بالتعميم والمشاركة إن كنتم تشاركونني الرأي، وتكرموا بالتعليق والتعميم أيضاً إن كنتم تختلفون معي، لنثري الحوار ونتعرف على حلول بديلة وآراء ابتكارية تخدم ليبيا.