Skip to main content

الوسم: الاقتصاد الليبي

“حسني بي”: الأزمة الاقتصادية لا تُحل أمنياً.. وتنظيم سوق الصرف حان وقته

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

حول أسباب الفجوة السعرية والتضخم والطلب على العملة الأجنبية والمضاربة: في إطار النقاش العام حول تطورات سعر الصرف واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، نؤكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تشخيصاً اقتصادياً دقيقاً يميز بين أسباب التضخم من جهة، وآليات توسع الطلب على العملة الأجنبية والمضاربة من جهة أخرى.

إن القاعدة الاقتصادية الأساسية تؤكد أن السعر يتحدد في النهاية عند نقطة التقاء العرض والطلب، وأن السعر التعادلي لا يتحقق إلا عندما تتوازن الكميات المعروضة مع الكميات المطلوبة عند سعر مقبول من الطرفين. وعليه، فإن وجود سعر عرض للعملة الأجنبية أقل بكثير من سعر الطلب في السوق يخلق حافزاً مباشراً للمضاربة، ويحول العملة الأجنبية من وسيلة لتغطية احتياجات حقيقية إلى فرصة ربح مضمونة تقريباً.

فما دام هناك عرض للدولار بسعر يعادل 12,600 دينار لكل 2,000 دولار، في مقابل وجود طلب في السوق عند مستويات تقارب 14,600 إلى 15,100 دينار، أو أكثر، لذات المبلغ، فإن الفارق السعري يصبح بذاته مولداً لطلب إضافي على الدولار. هذا الفارق لا يعكس فقط حاجة اقتصادية فعلية، بل يخلق طلباً مضارباً يستهدف شراء الدولار الرخيص وإعادة بيعه أو توظيفه بسعر أعلى.

وبالتالي، فإن زيادة حجم الضخ الشهري من العملة الأجنبية، سواء كان في حدود 3 مليارات دولار أو 4 مليارات أو حتى 5 مليارات دولار شهرياً، لن تكون كافية وحدها لإغلاق الفجوة السعرية إذا ظل السعر المعروض أقل بكثير من السعر الذي يقبل به المشترون في السوق، حيث اقتصادياً المحدّد الأول للأسعار هو سعر الطلب وليس سعر البيع. ففي ظل وجود هامش ربح واضح، سيتوسع الطلب على الدولار لا من داخل السوق المحلي فقط، بل قد يمتد إلى أطراف من دول الجوار والأسواق الخارجية؛ لأن الفرصة السعرية تصبح جاذبة للمضاربة العابرة للحدود، حيث الفارق يتعدى 6 مليارات دولار سنوياً مما يسيل لعاب كل مضارب في العالم.

إن المشكلة لا تكمن في حجم العرض وحده، بل في طبيعة التسعير والسياسات المنظمة للحصول على العملة الأجنبية. فعندما تكون هناك قيود ضيقة على الأغراض الشخصية، مثل تحديد السقف عند 2,000 دولار، مع وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي أو شبه الرسمي والسعر الموازي، فإن ذلك يؤدي عملياً إلى زيادة عدد طالبي العملة، وتوسيع قاعدة المضاربة، وخلق طلب مصطنع يفوق الطلب الحقيقي على الاستيراد أو السفر أو العلاج أو الدراسة.

وفي هذا السياق، يجب التأكيد على أن المصدر الأساسي للتضخم في أي اقتصاد يظل مرتبطاً بخلق النقود وتمويل الإنفاق العام بالعجز، خصوصاً عندما يتوسع الإنفاق دون غطاء إنتاجي أو إيرادي حقيقي. غير أن دور السياسة النقدية لا يتوقف عند توصيف التضخم، بل يمتد إلى إدارة أثره على سعر الصرف، والاعتراض على التمويل بالعجز متى كان ذلك ممكناً، أو اعتماد سياسة سعر صرف واقعية تعكس العلاقة بين إيرادات النفط بالدولار وحجم الإنفاق العام بالدينار.

إن المعادلة الجوهرية في الاقتصاد الليبي تقوم على أن إيرادات النفط بالدولار، مضروبة في سعر الصرف، تمثل المصدر الرئيسي لتغطية الجزء الأكبر من الإنفاق العام بالدينار. وعندما لا تعكس سياسة سعر الصرف هذه الحقيقة، تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وتتكرر الاختلالات التي عرفها الاقتصاد الليبي في مراحل تاريخية متعددة، من بينها فترات ما بين 1982 و2004، ومن 2015 إلى 2020، ومن 2023 إلى اليوم.

وعليه، فإن استمرار بيع العملة الأجنبية بسعر يقل كثيراً عن سعر الطلب الفعلي في السوق لن يؤدي إلى استقرار مستدام، بل سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وتغذية المضاربة، واستنزاف الاحتياطيات، وتوسيع الفجوة السعرية. كما أن إنكار أثر هامش المضاربة، أو حصر المشكلة فقط في حجم الضخ، يمثل تبسيطاً مخلّاً لطبيعة الأزمة.

إن المطلوب اليوم هو حزمة سياسات متكاملة تشمل ضبط الإنفاق العام، وقف التوسع النقدي غير المغطى، توحيد أو تقريب أسعار الصرف، مراجعة سياسات الأغراض الشخصية، تقليص فرص التحكيم السعري، وتعزيز الشفافية في بيانات العرض والطلب على العملة الأجنبية.

فالاستقرار لا يتحقق بمجرد ضخ المزيد من الدولارات، بل يتحقق عندما تختفي فرصة الربح الناتجة عن الفارق بين سعرين، وعندما يصبح الحصول على العملة الأجنبية مرتبطاً بالحاجة الاقتصادية الحقيقية لا بالمضاربة على فرق السعر.

تعليقا على مقال لـ”الصافي”.. “حسني بي”: المصالحة الاقتصادية فرصة حقيقية لليبيا لكنها قد تكون فخاً خطيراً

أثار المقال الأخير للخبير الاقتصادي “محمد الصافي” والذي تناول فيه أبعاد “المصالحة الاقتصادية” والإنفاق الموحد في ليبيا، ردود أفعال واسعة في الأوساط الاقتصادية؛ حيث قدّم رجل الأعمال “حسني بي تحليلاً على ما جاء في المقال، مستعرضاً نقاط القوة والضعف، ومحذراً من تحول الاتفاقات المالية إلى مجرد “تقاسم للموارد”.

خلاصة رؤية “محمد الصافي” حول المصالحة الاقتصادية

في مقاله المعنون بـ “المصالحة الاقتصادية في ليبيا”، طرح الخبير الاقتصادي “محمد الصافي” مقاربة مغايرة للمسار التقليدي للأزمة الليبية؛ حيث يرى أن المحاولات “الخطية” التي تبدأ بالحل السياسي ثم الاجتماعي وصولاً للاقتصادي قد فشلت، ما دفع مصرف ليبيا المركزي “وبدعم دولي” إلى تقديم “المصالحة الاقتصادية” كبوابة للحل عبر ملف الميزانية والإنفاق الموحد.

وأشار “الصافي” إلى أن تغيير قيادة المصرف المركزي وعودته للعمل بمجلس إدارة متكامل أعطاه المرونة للعب دور الوسيط.

وحدد “الصافي” ثلاثة أسباب للتفاؤل؛ “الاهتمام المحلي والدولي غير المسبوق بالميزانية، وضغط الشارع لكبح التضخم، ووقوع السياسيين في فخ تكلفة المشهد أمام الجمهور”، وفي المقابل؛ حدد ثلاثة أسباب كذلك للحذر؛ وهي غياب ملف الإيرادات عن النقاش، وضبابية ضمانات توحيد الإنفاق، والسرية المحيطة بالاتفاق.

وختم “الصافي” حديثه بالقول إن “توحيد الإنفاق بدون ضبطه ليس إصلاحاً اقتصادياً، إنما المصالحة الاقتصادية الحقيقية هي بتوحيد الإنفاق وترشيده”.

وتعليقا على ما ذكره “الصافي”؛ كتب رجل الأعمال “حسني بي” تحليلا مستقلا لمقال “المصالحة الاقتصادية في ليبيا” قال فيه:

أولاً: الفكرة الأساسية للمقال
المقال يطرح فكرة مهمة وهي أن ليبيا ربما لم تعد قادرة على انتظار الحل السياسي الشامل قبل البدء في الإصلاح الاقتصادي. الكاتب يرى أن النموذج التقليدي الذي يقول إن الحل يجب أن يبدأ بـ:
مصالحة سياسية
ثم مصالحة اجتماعية
ثم إصلاح اقتصادي
لم يعد عملياً، لأنه جُرّب لسنوات طويلة دون نتائج حقيقية.
لذلك، يقترح المقال أن ما يحدث الآن هو محاولة لعكس هذا المسار: أي البدء من المصالحة الاقتصادية، تحديداً عبر ملف الإنفاق العام والميزانية الموحدة، على أمل أن يؤدي ذلك لاحقاً إلى تهدئة سياسية واجتماعية أوسع.
هذه فكرة قوية ومهمة، لأن الاقتصاد في ليبيا لم يعد مجرد ملف فني، بل أصبح في قلب الصراع السياسي.

ثانياً: دور المصرف المركزي في المقال
الكاتب يعطي للمصرف المركزي دوراً محورياً. فهو يرى أن المصرف المركزي، بعد تغيير قيادته وعودة العمل بمجلس إدارة، أصبح قادراً على لعب دور الوسيط بين الأطراف السياسية المختلفة.
بمعنى آخر، المقال يصور المصرف المركزي وكأنه أصبح مؤسسة فوق الانقسام، أو على الأقل مؤسسة قادرة على جمع المتخاصمين حول طاولة واحدة لمناقشة المال العام.
وهنا توجد نقطة مهمة:
في ليبيا، من يسيطر على المال العام يمتلك تأثيراً سياسياً كبيراً. لذلك فإن الحديث عن الميزانية ليس حديثاً محاسبياً فقط، بل هو حديث عن السلطة والنفوذ وتوزيع الموارد.

ثالثاً: نقاط القوة في المقال

المقال واقعي في تشخيص فشل المسار السياسي
من أهم نقاط قوة المقال أنه لا يكرر الخطاب التقليدي عن ضرورة انتظار الحل السياسي الكامل. الكاتب يدرك أن هذا الانتظار طال كثيراً، وأن البلد لا يستطيع البقاء رهينة لتعثر السياسة.
هذه نقطة واقعية جداً؛ فالدولة لا تستطيع أن توقف علاج التضخم، والفساد، وتدهور القوة الشرائية، فقط لأن السياسيين لم يتفقوا بعد.

المقال يربط الاقتصاد بالاستقرار الاجتماعي
الكاتب محق عندما يشير إلى أن التضخم والفقر قد يصبحان أخطر على السياسيين من خصومهم السياسيين. المواطن العادي قد يصبر على الخلافات السياسية فترة، لكنه لا يصبر طويلاً على انهيار دخله وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات.
لذلك، فإن ضبط الإنفاق ليس مجرد إجراء مالي، بل هو شرط لحماية الاستقرار الاجتماعي.

المقال يميز بين توحيد الإنفاق وضبط الإنفاق
هذه أهم نقطة في المقال. الكاتب يقول بوضوح إن توحيد الإنفاق وحده لا يكفي؛ فقد تكون هناك ميزانية موحدة، لكنها ضخمة وفاسدة وغير منضبطة.
بالتالي، الإصلاح الحقيقي ليس في أن تتفق الأطراف على الصرف فقط، بل في أن تتفق على تقليل الهدر، وترشيد النفقات، ووضع سقوف واضحة، ومنع استخدام المال العام كأداة سياسية.
هذه نقطة دقيقة جداً، لأن كثيراً من الاتفاقات في ليبيا قد تتحول إلى تقاسم للموارد لا إلى إصلاح حقيقي.

رابعاً: نقاط الضعف أو النقص في المقال

المقال لا يقدم تصوراً واضحاً لكيفية ضبط الإنفاق
رغم أن الكاتب يطالب بترشيد الإنفاق، إلا أنه لا يشرح بالتفصيل كيف يمكن فعل ذلك. مثلاً:
هل يبدأ الإصلاح من بند المرتبات؟
هل يتم ضبط الدعم؟
هل يتم وقف الإنفاق الموازي؟
هل يتم توحيد الحسابات الحكومية؟
هل تُراجع أبواب التنمية؟
هل توضع قيود قانونية على الحكومتين؟
من يراقب التنفيذ؟
المقال يطرح المشكلة بشكل جيد، لكنه لا يقدم خريطة عملية كافية للحل.

جانب الإيرادات ضعيف في النقاش
الكاتب نفسه يلاحظ أن الحديث كله يدور حول الإنفاق، بينما الإيرادات غائبة. وهذه نقطة جوهرية.
لا يمكن الحديث عن ميزانية ناجحة دون سؤال: من أين ستأتي الأموال؟
إذا كانت إيرادات النفط بالكاد تكفي، وإذا بقي الاقتصاد الليبي معتمداً على النفط فقط، فإن أي اتفاق على الإنفاق قد يتحول إلى عبء جديد. وقد تلجأ الدولة إلى الدين العام، أو استنزاف الاحتياطيات، أو الضغط على سعر الصرف.
لذلك، لا توجد مصالحة اقتصادية حقيقية دون إصلاح جانب الإيرادات أيضاً، مثل:
تحسين تحصيل الإيرادات السيادية؛
مكافحة التهريب؛
مراجعة الدعم؛
تنشيط القطاعات غير النفطية؛
ضبط الإنفاق على النقد الأجنبي؛
تقوية الرقابة على المال العام.

المقال لا يناقش بما يكفي خطر شرعنة الوضع القائم
الكاتب يلمح إلى هذا الخطر، لكنه يستحق مساحة أكبر. فهناك احتمال أن تتحول “المصالحة الاقتصادية” إلى غطاء جديد لاستمرار الانقسام السياسي.
بمعنى: قد تتفق الأطراف على ميزانية موحدة لا لأنها تريد إصلاح الدولة، بل لأنها تريد ضمان حصتها من الإنفاق العام.
وهنا يصبح الاتفاق الاقتصادي خطيراً، لأنه يعطي مظهراً من الاستقرار بينما يثبت جوهر الأزمة.

خامساً: رأيي المستقل في المقال
رأيي أن المقال مهم وقوي من حيث الفكرة العامة، لكنه يحتاج إلى مزيد من الصرامة في التفريق بين التسوية المالية والإصلاح الاقتصادي.
ما يحدث في ليبيا قد يكون مصالحة اقتصادية حقيقية، وقد يكون مجرد اتفاق بين أطراف متنافسة على كيفية توزيع المال العام. الفرق بين الاثنين كبير جداً.
المصالحة الاقتصادية الحقيقية يجب أن تعني:
ميزانية واحدة؛
إنفاقاً واضحاً ومعلناً؛
سقفاً للإنفاق لا يتم تجاوزه؛
رقابة مستقلة؛
شفافية أمام الناس؛
حماية الاحتياطيات؛
منع التمويل بالعجز؛
ربط الإنفاق بأولويات حقيقية لا بولاءات سياسية؛
تقليل الفساد والهدر؛
إصلاح الدعم والمرتبات والتنمية تدريجياً.
أما إذا كان المقصود فقط هو أن تجلس الأطراف وتتفق على رقم كبير للإنفاق، ثم يتم تمويله بأي طريقة، فهذا ليس إصلاحاً. هذا مجرد توحيد للفوضى.

سادساً: أين أختلف مع المقال؟
أختلف جزئياً مع درجة التفاؤل الموجودة في المقال. نعم، هناك أسباب للتفاؤل، لكنني أرى أن الخطر أكبر مما يوحي به المقال.
السبب أن المشكلة في ليبيا ليست فقط غياب الاتفاق على الميزانية، بل غياب الثقة والمؤسسات وآليات التنفيذ. حتى لو تم الاتفاق، السؤال الأهم هو: من يضمن الالتزام؟
في دولة منقسمة، الاتفاقات قد تُوقّع بسهولة، لكنها تُخرق بسهولة أيضاً. وإذا لم تكن هناك عقوبات واضحة، ورقابة حقيقية، وشفافية كاملة، فإن أي اتفاق مالي قد يصبح حبراً على ورق.
كما أن الاعتماد على المصرف المركزي وحده لحل أزمة سياسية واقتصادية بهذا الحجم قد يكون تحميلاً له فوق طاقته. المصرف المركزي يمكنه أن يضغط، وينظم، وينبه، ويدير السياسة النقدية، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح المالية العامة إذا بقيت الحكومات والأجسام السياسية تستخدم الإنفاق كأداة للنفوذ.

سابعاً: أين أتفق مع المقال؟
أتفق بقوة مع العبارة الأخيرة في المقال:
توحيد الإنفاق بدون ضبطه ليس إصلاحاً اقتصادياً.
هذه هي الخلاصة الصحيحة. ليبيا لا تحتاج فقط إلى ميزانية موحدة، بل تحتاج إلى ميزانية عاقلة. لا تحتاج فقط إلى اتفاق على الصرف، بل إلى اتفاق على تقليل الصرف غير المنتج.
وأتفق أيضاً مع فكرة أن التضخم سيكون أحد أخطر التحديات القادمة، لأن التضخم يضرب الجميع، وخصوصاً الطبقات الضعيفة والمتوسطة. وهو أيضاً يضعف الثقة في العملة، وفي الدولة، وفي المصرف المركزي، وفي السياسيين.

ثامناً: ما الذي يجب أن يحدث حتى تنجح المصالحة الاقتصادية؟
في رأيي، نجاح المصالحة الاقتصادية يحتاج إلى خمسة شروط:

إعلان واضح للرأي العام: لا يجوز أن تبقى الاتفاقات المالية الكبرى سرية. يجب أن يعرف المواطن: ما هو الاتفاق؟ ما حجم الإنفاق؟ ما مصادر التمويل؟ ما القيود؟ من يراقب؟ ما العقوبات عند الإخلال؟ فالسرية في ملفات المال العام تخلق الشك، لا الثقة.

سقف إنفاق ملزم: أي اتفاق بلا سقف إنفاق واضح سيكون ناقصاً. يجب تحديد رقم واقعي لا يتجاوز قدرة الإيرادات، ولا يضغط على الاحتياطيات أو سعر الصرف.

رقابة مستقلة: لا بد من وجود رقابة من ديوان المحاسبة، والجهات الرقابية، وربما لجنة فنية مستقلة تنشر تقارير دورية للرأي العام.

حماية الاحتياطيات: يجب منع استخدام الاحتياطيات أو أصول الدولة كحل سهل لتمويل الإنفاق السياسي. الاحتياطيات ليست صندوقاً مفتوحاً لتأجيل الأزمة.

ربط الإنفاق بالأولويات: يجب أن يذهب الإنفاق إلى الخدمات الأساسية؛ الكهرباء، الصحة، التعليم، البنية التحتية، دعم الاستقرار النقدى، ومشاريع إنتاجية حقيقية، وليس إلى توسيع الزبائنية السياسية أو شراء الولاءات.

تاسعاً: التقييم النهائي
المقال جيد جداً من حيث التشخيص العام، وذكي في التقاط التحول من المصالحة السياسية إلى المصالحة الاقتصادية. كما أنه يضع يده على نقطة جوهرية: أن الأزمة الاقتصادية قد تجبر السياسيين على التفاهم حتى لو فشلوا في السياسة.
لكن المقال يحتاج إلى مزيد من التفصيل في آليات التنفيذ، ومزيد من الحذر من احتمال أن تتحول المصالحة الاقتصادية إلى مجرد تقاسم جديد للإنفاق.

رأيي النهائي هو:
المصالحة الاقتصادية قد تكون فرصة حقيقية لليبيا، لكنها أيضاً قد تكون فخاً خطيراً. إذا أدت إلى توحيد الإنفاق وترشيده وفرض الشفافية، فهي خطوة إصلاحية مهمة. أما إذا أدت فقط إلى ميزانية موحدة ضخمة تُرضي الأطراف السياسية وتُحمّل المواطن كلفة التضخم والدين واستنزاف الاحتياطيات، فهي ليست مصالحة اقتصادية بل إعادة تدوير للأزمة بغطاء جديد.

بعد إعلان مصر استبدال الدعم نقدا.. “حسني بي”: الوقت قد حان لإعادة تقييم سياسات الدعم في ليبيا وتحويلها إلى الدعم النقدي

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

​كل الثناء على الخطوة المهمة التي اتخذتها جمهورية مصر العربية، في الاعتراف الصريح بتشوهات منظومة الدعم السلعي والطاقة، والعمل على إعادة هيكلتها بصورة أكثر شفافية وكفاءة وعدالة اجتماعية، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحافظ في ذات الوقت على دعم الشعب عامة، والفئات محدودة الدخل خاصة.

​إن إعلان رئيس الحكومة المصرية في لقاء صحفي عن عزم حكومته “الاستبدال النقدي للدعم”، مشيراً إلى حجم مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في موازنة العام المالي 2025/2026، والتي بلغت نحو 732.6 مليار جنيه مصري (بما يعادل قرابة 14.5 مليار دولار أمريكي)، يمثل خطوة متقدمة في مسار الإصلاح الاقتصادي وترشيد الإنفاق العام والقضاء على الجريمة المنظمة.

​وأوضح البيان الصادر عن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس وزراء مصر، أن مكونات الدعم في مصر شملت:
​دعم المواد البترولية والمحروقات: نحو 75 مليار جنيه.
​دعم الكهرباء: نحو 75 مليار جنيه.
​دعم الغاز المنزلي: نحو 3.5 مليار جنيه.
​دعم الخبز والسلع التموينية: نحو 160 مليار جنيه.

​ونؤكد أن التجربة المصرية تعكس إدراكاً متنامياً وإن جاء متأخراً، بأن الدعم السعري والشامل غير الموجه يخلق تشوهات اقتصادية ومالية، وينتج فساداً وإهداراً للموارد، ويؤدي إلى استنزاف الموارد العامة؛ في حين أن الدعم النقدي والذكي والموجه للفئات المستحقة يحقق العدالة الاجتماعية بكفاءة أعلى تخدم المواطن والوطن.

​وأضيف أن المقارنة مع الحالة الليبية تكشف حجم الاختلال القائم؛ حيث يتجاوز عدد سكان مصر 120 مليون نسمة، بينما لا يتجاوز عدد سكان ليبيا 9 ملايين نسمة كحد أقصى، ومع ذلك فإن فاتورة الدعم في ليبيا خلال عام 2025 تقدر بما لا يقل عن 17 مليار دولار أمريكي، أي أعلى من إجمالي فاتورة الدعم المصرية تقريباً، رغم الفارق الهائل في عدد السكان وحجم الاقتصاد.

​وأشير إلى أنه قد حان الأوان للاعتراف بالحقيقة، وإلى أن هذا الواقع يستوجب وقفة وطنية وشعبية ونخبوية جادة لإعادة تقييم سياسات الدعم في ليبيا وتحويلها إلى “الدعم النقدي”، ووضع آليات أكثر عدالة وشفافية وكفاءة، بما يضمن:
​الحد من الهدر والتهريب والفساد.
​توجيه الدعم مباشرة للمواطن، وترك الحرية له في توظيف حقوقه حسب أولوياته.
​تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية من خلال نمو الطلب على الخدمات.
​تعزيز الاستقرار المالي للدولة الليبية.
​توظيف الموارد النفطية لصالح التنمية المستدامة.

​وفي الختام، أؤكد على أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يعني رفع الدعم عن المواطن، بل يعني القضاء على التشوهات التي تسمح باستنزاف ثروات الشعوب دون تحقيق تنمية حقيقية أو عدالة اجتماعية، داعياً إلى قرار حكومي مدعوم من البرلمان ومجلس الدولة، وحوار وطني اقتصادي شامل حول مستقبل منظومة الدعم في ليبيا لإيقاف النزيف.

“حلمي القماطي”: بيان المصرف المركزي الأخير يكشف اختلالًا هيكليًّا في إدارة التوازن بين الموارد والاستخدامات

كتب: د. حلمي القماطي/ رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي

ما أورده مصرف ليبيا المركزي في بيانه الأخير يستحق قراءة تحليلية هادئة ولكن صارمة، لأن الأرقام “في جوهرها” لا تعكس مجرد تطور مالي ظرفي بل تكشف عن اختلال هيكلي في إدارة التوازن بين الموارد والاستخدامات.
من منظور اقتصادي علمي، المشكلة ليست في العجز ذاته، بل في طبيعته ومصدره فعندما تبلغ الإيرادات النفطية المحوّلة نحو 2.2 مليار دولار، مقابل استخدامات للنقد الأجنبي تصل إلى 4.2 مليار دولار خلال فترة زمنية قصيرة، فإننا أمام فجوة تمويلية تقارب 2 مليار دولار. هذه الفجوة لم تُغطَّ من تدفقات حقيقية، بل من خلال السحب من الأصول الأجنبية، وهو ما يعكس انتقال السياسة النقدية من إدارة التدفقات (Flow Management) إلى إدارة المخزون (Stock Financing).

هذا التحول يُعد مؤشرًا على ضعف القدرة على ضبط الطلب على النقد الأجنبي، وليس مجرد انعكاس لارتفاعه.

1-اختلال هيكل الطلب على النقد الأجنبي
اقتصاديًا الطلب على العملة الأجنبية في حالة ليبيا لا يرتبط فقط بالنشاط الاقتصادي الحقيقي بل يتداخل مع:
• الطلب الاستهلاكي المرتفع (بفعل الإنفاق العام).
• الطلب التحوطي (نتيجة فقدان الثقة في العملة المحلية).
• الطلب المضاربي (بسبب فجوة سعر الصرف).
غياب تفصيل استخدامات الـ4.2 مليار دولار يجعل من الصعب تقييم كفاءة التخصيص، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى قصور في الشفافية التحليلية وهي عنصر أساسي في إدارة التوقعات (Expectations Management).

2-مفارقة ارتفاع الاحتياطيات مع وجود عجز
الإشارة إلى ارتفاع الأصول الأجنبية إلى 103 مليار دولار قد تبدو إيجابية ظاهريًا، لكنها لا تنفي وجود خلل ديناميكي.
فالاحتياطيات هنا لا تُستخدم كأداة استقرار احترازي فقط، بل كوسيلة تمويل مباشر للعجز، وهو ما يضعف دورها كـ”خط دفاع” في مواجهة الصدمات الخارجية.
بعبارة أدق:
ارتفاع الرصيد لا يعني سلامة التدفق.

3-غياب التنسيق بين السياستين النقدية والمالية
تشير البيانات إلى أن الإنفاق العام بلغ 6.5 مليار دينار، منها 5.8 مليار للمرتبات، دون أي إنفاق تنموي يُذكر.
هذا النمط يعكس هيكل إنفاق جاري (Current Expenditure Dominance)، وهو ما يؤدي إلى:
• تغذية الطلب الاستهلاكي.
• زيادة الواردات.
• الضغط على ميزان المدفوعات.
في هذه الحالة يصبح من الصعب على السياسة النقدية تحقيق الاستقرار دون دعم من سياسة مالية انضباطية.
وهنا يظهر غيابًا واضحًا للتنسيق المؤسسي.
4- فجوة سعر الصرف كمؤشر على عدم التوازن
اتساع الفارق بين السعر الرسمي (6.30) وسعر السوق الموازية (نحو 10.77) يعكس وجود اختلال في توازن العرض والطلب على العملة الأجنبية.
اقتصاديًا، هذا الفارق يشير إلى أحد أمرين:
• إما أن السعر الرسمي أقل من قيمته التوازنية.
• أو أن قنوات توزيع النقد الأجنبي لا تصل بكفاءة إلى السوق الحقيقي.
وفي كلا الحالتين، فإن النتيجة هي:
تشوهًا في الإشارات السعرية (Price Signals Distortion).

5-التقدم في الدفع الإلكتروني: أثر محدود على الاستقرار الكلي
التوسع في أدوات الدفع الإلكتروني (نقاط البيع، البطاقات الدفع الفوري) يمثل تطورًا مهمًا على المستوى التشغيلي، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة، لأن:
• هذه الأدوات تحسن كفاءة التداول المحلي.
• لكنها لا تقلل بالضرورة من الطلب على النقد الأجنبي.
بل قد تسرّع من دوران السيولة، مما يعزز الطلب على الواردات في اقتصاد غير منتج.

التقييم العام
وفق التحليل السابق يمكن توصيف الوضع الحالي كالتالي:
• عجز في التدفقات الخارجية رغم استقرار الإيرادات النفطية.
• اعتماد متزايد على الاحتياطيات كمصدر تمويل.
• هيمنة الإنفاق الجاري على المالية العامة.
• تشوه في سوق الصرف يعكس ضعف فعالية السياسة النقدية.
ما كان ينبغي توضيحه
من الناحية المهنية كان من المتوقع أن يتضمن بيان مصرف ليبيا المركزي:
• تفصيلًا قطاعيًا لاستخدامات النقد الأجنبي.
• تفسيرًا لارتفاع الطلب خلال الفترة.
• إجراءات محددة لضبط السوق.
• إطارًا واضحًا لإدارة فجوة سعر الصرف.
غياب هذه العناصر يجعل البيان أقرب إلى عرض بيانات منه إلى تقرير سياسات.

ليبيا لا تواجه أزمة موارد بقدر ما تواجه أزمة إدارة اقتصادية كلية (Macroeconomic Management).
ففي ظل اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، يصبح الحفاظ على التوازن بين الإيرادات والاستخدامات مسألة حوكمة وسياسات، لا مسألة موارد.
وعليه، فإن استمرار هذا النمط – دون تدخلات هيكلية – قد يؤدي تدريجيًا إلى:
• تآكل فعالية الاحتياطيات.
• اتساع فجوة سعر الصرف.
• زيادة الضغوط التضخمية.
وهي نتائج يمكن تجنبها، إذا ما تم الانتقال من إدارة رد الفعل إلى إدارة استباقية قائمة على التحليل والتنسيق والسيطرة على الطلب.

“الشلوي”: بعد تجاوز سعر النفط 90 دولار للبرميل.. قراءة هادئة بالأرقام لما يعنيه ذلك لليبيا

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

مع تجاوز سعر النفط 90 دولار للبرميل في الأسواق العالمية، يتكرر السؤال في الداخل الليبي: هل يعني ذلك أن ليبيا تحقق عائدات ضخمة؟

الإجابة تحتاج إلى قراءة واقعية بالأرقام، لأن الإنتاج الكلي ليس هو نفسه الإيراد الفعلي..

1/ حجم الإنتاج
يتراوح إنتاج ليبيا خلال الفترة 2025–2026 بين 1.15 و1.25 مليون برميل يومياً، ويمكن اعتماد متوسط يقارب 1.2 مليون برميل يومياً في الظروف المستقرة، لكن ليس كل هذا الإنتاج يتحول إلى صادرات نقدية..

2/ ما الذي يُخصم من الإنتاج؟
قبل الوصول إلى رقم الإيرادات يجب مراعاة ثلاثة عوامل رئيسية :
أ/ الاستهلاك المحلي في محطات الكهرباء والمصافي.
ب/ حصة الشركاء الأجانب في بعض الحقول والمشاريع.
ج/ الكميات التي تذهب للتكرير المحلي.
لهذا فإن الصادرات الفعلية غالباً ما تكون في حدود “900 ألف إلى مليون برميل يومياً”.

3/ الإيرادات عند سعر “90 دولار”
إذا افترضنا متوسط صادرات يقارب 950 ألف برميل يومياً:
أ/ الصادرات اليومية: 950 ألف برميل.
ب/ سعر البرميل: 90 دولار.
ج/ الإيراد اليومي: حوالي 85 مليون دولار.
أي أن الإيرادات السنوية قد تكون في حدود “30 إلى 31 مليار دولار”.

4/ كم يعادل ذلك بالدينار الليبي؟
بحساب تقريبي وفق سعر صرف يقارب 6.34 دينار للدولار؛ فإن العائدات النفطية قد تصل إلى حوالي 193 إلى 200 مليار دينار ليبي سنوياً، تدخل إلى المصرف المركزي لتمويل الميزانية العامة.

5/ تكلفة إنتاج النفط في ليبيا
من النقاط الإيجابية أن النفط الليبي من الأقل تكلفة في العالم نسبياً، حيث تقدّر تكلفة إنتاج البرميل في أغلب الحقول بين 10 و15 دولار للبرميل، وهو ما يمنح ليبيا هامشاً جيداً عند ارتفاع الأسعار.

6/ تكلفة دعم الطاقة داخلياً
في المقابل؛ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن تكلفة دعم الوقود والكهرباء في ليبيا قد تتجاوز 40 إلى 45 مليار دينار سنوياً، أي أن جزءاً كبيراً من العائدات النفطية يعود مرة أخرى للاستهلاك المحلي في شكل دعم للطاقة.

معلومة نفطية سريعة
لو حافظت ليبيا على إنتاج 1.2 مليون برميل يومياً وسعر 90 دولار للبرميل لمدة سنة كاملة، فإن إجمالي قيمة النفط المنتج قد يتجاوز 39 مليار دولار، لكن بعد خصم حصة الشركاء، والاستهلاك المحلي، والدعم الكبير للطاقة، يتضح أن الجزء الذي يتحول فعلياً إلى موارد مالية للدولة أقل بكثير من الرقم الذي يظهر في حسابات الإنتاج الخام.

الخلاصة
عند سعر يقارب 90 دولار للبرميل قد تحقق ليبيا إيرادات في حدود:
• 30 مليار دولار سنوياً.
• أو نحو 190 مليار دينار ليبي.
لكن جزءاً مهماً من هذه الإيرادات يذهب إلى الدعم والاستهلاك المحلي قبل أن يصل إلى الاستثمار والتنمية.
أما ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية فغالباً ما يرتبط بحساسية الإمدادات العالمية وبعض التوترات في الممرات البحرية الرئيسية، وهي عوامل قد تدفع الأسعار للصعود لكنها تظل متغيرة بطبيعتها.
لذلك تبقى الحقيقة الاقتصادية الأهم:
استقرار إنتاج النفط وإدارة عائداته بكفاءة هو ما يصنع الفرق الحقيقي للاقتصاد الليبي، وليس السعر المرتفع وحده.

“حسني بي”: إدارة الندرة في الاقتصاد الليبي.. كيف نُحوّل فرق سعر الدولار إلى منفعة عامة؟

كتب: رجل الأعمال “حسني بي”

الاقتصاد في جوهره هو علم إدارة الندرة، أي إدارة الموارد المحدودة وفق الواقع، بعيدًا عن التأملات والأمنيات، لذلك فإن أي نقاش اقتصادي جاد يجب أن ينطلق من قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

المشكلة الاقتصادية في ليبيا اليوم ترتبط بحجم الإنفاق العام وهيكله، فالتقديرات تشير إلى إنفاق يقارب:
نحو 70 مليار دينار مرتبات، وحوالي 14 مليار دينار مصروفات تسييرية، وما يقارب 98 مليار دينار دعم للمحروقات، إضافة إلى نحو 18 مليار دينار للدعم، وبرامج تنمية تتجاوز 70 مليار دينار، أي بإجمالي 270 مليار دينار “إجمالي قيمة الإنفاق العام”.

وفي ظل عدم توريد كامل إيرادات مبيعات النفط إلى الخزانة العامة “36 مليار دولار” كامل حصة ليبيا من إنتاج نفط “31 مليار دولار خام نفطي وغاز 5 مليار دولار”، مع وجود آليات مثل المقايضة الداخلية والخارجية وتفويض الدفع بالإنابة، للأسف أصبحت الصورة المالية غير مكتملة، وابتعدت الحسابات العامة عن مسارها الطبيعي، ويلقى اللوم على غير أهله.

نتيجة لذلك أصبح الإنفاق بالعجز أمرًا شبه حتمي، خاصة في ظل عدم إقرار ميزانية عامة واحدة أو موحدة، إلى جانب استمرار سياسات سعر الصرف الثابت التي أثبتت التجربة فشلها على مدى عقود طويلة.

في هذا السياق، يبرز أثر تعدد أسعار الصرف (إداري، رسمي، سوق نقدي، حرق صكوك)، وفارق سعر الدولار، والذي يمثل تكلفة حقيقية يتحملها المواطن في النهاية، من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، (الحكومات والإدارات لا تخسر ولا تربح، الخاسر دوما المواطن مالك الريع أو الثروة).

وهنا يطرح السؤال المهم:
كيف يمكن تحويل فرق سعر الدولار (الضريبة المستترة) من منفعة خاصة لفئة محدودة إلى منفعة عامة يستفيد منها جميع المواطنين؟

لفهم ذلك، علينا أولًا النظر إلى واقع السوق. فجزء كبير من السلع المتداولة اليوم تم استيراده خلال الأشهر الستة الماضية باستخدام الدولار الذي بيع في عام 2025 بقيمة تقارب 25 مليار دولار.
لكن رغم أن السعر الرسمي للدولار يبلغ 6.30 دينار، فإن كثيرًا من السلع يتم تسعيرها في السوق وفق سعر أعلى بكثير. وهذا الفرق في التسعير يخلق فجوة يتحملها المواطن عند شراء السلع والخدمات.

وبحساب تقريبي لهذه الفجوة يمكن ملاحظة الآتي:
إذا تم التسعير على أساس 8 دنانير للدولار، فإن فرق السعر يبلغ 1.7 دينار لكل دولار، أي نحو 42.5 مليار دينار.
وإذا كان التسعير على أساس 9 دنانير للدولار، فإن الفرق يصل إلى 2.7 دينار لكل دولار، أي حوالي 67.5 مليار دينار.
أما إذا بلغ التسعير 10 دنانير للدولار، فإن الفارق يصبح 3.7 دينار لكل دولار، أي ما يقارب 92.5 مليار دينار.
وفي حال التسعير عند 11 دينارًا للدولار، يصل الفرق إلى 4.7 دينار لكل دولار، أي نحو 117.5 مليار دينار.
بمعنى آخر، دفع المواطن الليبي فعليًا ضريبة غير مباشرة تتراوح بين 42.5 مليار و117.5 مليار دينار نتيجة الفرق بين السعر الرسمي وسعر السوق.

المشكلة لا تكمن في وجود هذا الفرق فقط، بل في وجهة الاستفادة منه. فهذه الأموال لم تتحول إلى إيرادات عامة للدولة، بل أصبحت أرباحًا إضافية لمن تمكنوا من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي، سواء عبر الاعتمادات التجارية الكبيرة بالملايين أو عبر المخصصات الشخصية 2000 دولار.
وهنا يظهر السؤال الجوهري:
إذا كان المواطن قد دفع هذه “الضريبة” عبر الأسعار المرتفعة، فكيف يمكن تحويلها من منفعة لفئة محدودة إلى منفعة لجميع المواطنين الذين يتجاوز عددهم 9.2 مليون مواطن؟

الحل الواقعي
معالجة هذه المشكلة لا تكون بتجاهلها أو من خلال طرح الأماني، بل بإدارتها بشكل شفاف وعادل من خلال خطوات عملية واضحة:
أولًا: تقريب سعر الصرف من الواقع السوقي، توحيد أو تقريب سعر الصرف يحد من المضاربة ويقلل من الأرباح غير المبررة الناتجة عن الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق.
ثانيًا: تحويل فرق السعر إلى إيراد عام واضح، بدلًا من أن يتحول الفرق إلى أرباح خاصة. يمكن فرض رسم رسمي على بيع الدولار يدخل مباشرة إلى الخزانة العامة للدولة.
ثالثًا: إعادة توجيه العائد لصالح المواطن، يمكن استخدام هذه الإيرادات لدعم المواطن مباشرة بالجزء الأكبر، والمتبقي يذهب لتحسين الخدمات العامة.

شخصيا أفضل التوزيع المباشر على المواطنين إن كان الايراد من فارق السعر أو من خلال الاستبدال النقدي لـ98 مليار محروقات .
بهذه الطريقة يتحول فرق سعر الصرف والمحروقات من عبء خفي يتحمله المواطن إلى مورد اقتصادي يخدم المجتمع بأكمله.
إن إدارة الواقع الاقتصادي لا تعني الاستسلام له، بل تعني تحويل التحديات القائمة إلى فرص لبناء سياسات اقتصادية أكثر عدالة وكفاءة.

“المنفي” يناقش مع أعضاء لجنة الخبراء الاقتصاديين سبل حلّ القضايا الاقتصادية ذات الاستحقاق العاجل

ناقش رئيس المجلس الرئاسي “محمد المنفي” خلال اجتماعه مساء الأحد مع أعضاء لجنة الخبراء الاقتصاديين المشكلة من قبله، آراء أعضاء اللجنة حول القضايا الاقتصادية ذات الاستحقاق العاجل، وسُبل اتخاذ ما يلزم من إجراءات تجاهها.

وأكد رئيس المجلس الرئاسي خلال الاجتماع لأعضاء اللجنة على ضرورة العمل باستقلالية ومهنية تامة لتحقيق الأهداف الوطنية التي أنشأت اللجنة من أجلها.

“رجب خليل”: نحن في أزمة سياسية وأمنية نتج عنها أزمة اقتصادية حادة أفقرتنا وهذا هو الحل للخروج من هذه الأزمة..

كتب: رجب خليل / وكيل وزارة الاقتصاد سابقا

الدولار سلعة نشتريها نحن والحكومة بالدينار وهي سلعة محتكرة من الدولة تقريباً لا يوجد مصدر لدولار في السوق الليبي إلا الذي تعرضه الدولة وهو سبب الصراع غير الأخلاقي على السلطة في ليبيا بالإضافة إلى الصراع القبلي والجهوي العبيط.

واحتكار الدولة لهذه السلعة ليس رغبة وإنما هو تحصيل حاصل لان المصدر ريعي اي انه هبة من الله (مورد طبيعي) واحتسابه كدخل ليس بالأمر المعقد بل ينبغي ان يكون شفاف وواضح اكثر من الوضوح ( عقود استكشاف واستخراج عالمية والمفترض انها علنية وتكلفة إنتاج محصورة العناصر، وعقود بيع مراقبة ومسجلة عالمياً وسعر بيعة أيضاً معروف عالمياً )

فرص الوصول لهذه السلعة (الدولار) هو لب المشكلة الاقتصادية، وهو لب الصراع وهو سبب هذا الزخم من الفساد والضجيج الإعلامي من قبل الأكاديميين وأشباه الأكاديميين ورجال الأعمال وأشباه رجال الأعمال والمسؤولين وأشباه المسؤولين.

المشكلة ببساطة هل يتم استخدام هذه السلعة المحدودة نسبياً في الانفاق الاستثماري والتنمية ومحاربة الفقر ام استهلاكها سلع وبضائع ورشاوي شعبوية ساذجة بنزين مدعوم وطاقة مدعومة وحج ببلاش وسفارات لدولة فاشلة على حساب المدارس والجامعات والمواني والمطارات والطرق الآمنة ومحطات التحلية ومحطات وشبكات الصرف الصحي والمخططات الحديثة والمناطق الحرة والمناطق الصناعية الحديثة وأدوات الانتاج الفعلية إن كان هناك فعلاً فرصة للإنتاج والمنافسة.

قد يقول منتبه وماذا عن الدينار؟ العملة الوطنية رمز من رموز السيادة مثل العلم والنشيد اما ما يحدث الان فالدينار وسيط تافه يتم خلقه من عدم مثل ان يكون لك دفتر صكوك به خمسون صك كل صك تستطيع ان تكتب به الف دينار فيولد الوهم داخلك كالاطفال بأن لديك خمسون الف لكن رصيدك بالمصرف فعلياً به عشرة الاف فقط وفي هذه الحالة يمكنك اعطاء صكوك بدون رصيد وانتظر العواقب الوخيمة وهذا ما تقوم به الحكومتان غير الرشيدتان.

نحن في أزمة سياسية وأمنية نتج عنها أزمة اقتصادية حادة أفقرتنا وللخروج من هذه الأزمة و بالشكل الذي يحرج المتصارعين والذين يدعون الوطنية منهم تخصيصاً هو تكوين مجلس أعلى للسياسات الاقتصادية ( مالية ونقدية وتجارية ) لا يوجد به سياسيين يكون مستقل كاستقلال المجلس الأعلى للقضاء له سلطة مطلقة على أدوات الانفاق وزارتي التخطيط والمالية وايضاً يحد من تفرد المصرف المركزي في التصرف الاحادي في هذه السلعة (الثروة او الصرة من الدولارات )

كما يناط لهذا المجلس اعتماد الميزانية العامة للدولة ويسحب هذا الاختصاص من البرلمان نظراً لتهالكه واهترائه نتيجة لتقادمه.

برعاية وزارة المالية.. مؤسسة خبراء فرنسا تطلق “مشروع استثمر من أجل ليبيا” بتمويل من الاتحاد الأوروبي

أطلقت مؤسسة “خبراء فرنسا” اليوم الاثنين مشروع “استثمر من أجل ليبيا”، برعاية من وزارة المالية بحكومة الوحدة الوطنية وتمويل من الاتحاد الأوروبي.

ويهدف المشروع إلى تحفيز الاقتصاد الليبي وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الشفافية ودعم الاستثمار، وتطوير منظومة ريادة الأعمال للمشروعات الصغرى والمتوسطة.

“عمران الشائبي” يكتب: المراحل الستة لتآكل القوة الشرائية وانهيار العملة

كتب: د.عمران الشائبي/ الخبير المصرفي

‎يمكن تتبع الدورة الاقتصادية لانهيار العملة المحلية من خلال مراقبة الفجوات السعرية وتوفر السيولة عبر المراحل التالية:

1. مرحلة التطابق الكامل: تتميز باستقرار تام، حيث يتطابق سعر الصرف الرسمي مع الفعلي. تتساوى قيمة النقد (الكاش) مع الأدوات المصرفية (صكوك/بطاقات)، وتتوفر العملة الأجنبية نقداً وحوالات بلا قيود.

2. مرحلة الازدواجية السعرية: يبدأ الانفصال بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي. ورغم اختلاف سعر الصرف، تظل قيمة “أداة الدفع” متساوية، فلا فرق بين الدفع نقداً أو عبر التحويل البنكي.

3. مرحلة تمايز وسائل الدفع: تتسع الفجوة، وتظهر سوق متعددة المستويات. يختلف السعر الرسمي عن الموازي، وفي الموازي نفسه تصبح قيمة “الكاش” أعلى من قيمة “الصكوك” أو التحويلات (خصم قيمة مقابل تسييل الأموال).

4. مرحلة الانحصار النقدي: تتعطل وظيفة المصارف في صرف النقد الأجنبي، ويقتصر دورها على الحوالات والبطاقات. ينحصر توافر “الكاش” الأجنبي حصرياً في السوق الموازي، مع اتساع الهوة بين سعر النقد وسعر الصكوك.

5. مرحلة التسعير الأجنبي الجزئي: يبدأ التجار بتسعير السلع المستوردة (كالإلكترونيات) بالدولار. يُقبل الدفع بالعملة المحلية بناءً على سعر السوق الموازي المتغير لحظياً، والذي يتفاوت بشدة بناءً على طريقة الدفع (نقد/شيك) واسم المصرف المسحوب عليه.

6. مرحلة الدولرة الشاملة: تفقد العملة المحلية وظيفتها تماماً، ويتم تسعير كافة السلع والخدمات بالدولار. يُرفض التعامل بالنقد المحلي إلا في المعاملات الحكومية الرسمية. تنتهي هذه المرحلة عادةً باعتراف رسمي بالانهيار وتعديل سعر الصرف ليعادل الأرقام الفلكية للسوق الموازي.

بين كل مرحلة ومرحلة يتم تغيير سعر الصرف الرسمي ويكون الانتقال بين مرحلة واخرى قريب بسبب عدم تناغم السياسة النقدية مع السياسة المالية والاقتصادية

والحل الوحيد للتراجع هو في توحيد المؤسسات الحكومية وتناغم السياسات الثلاثة وميزانية موحدة لحكومة واحدة.

حيث نلاحظ ان تجار الالكترونات بالفعل بدءوا بتسيعر بضائعهم بالدولار مما يعني أننا قد دخلنا المرحلة الخامسة.