Skip to main content
|

“منذر الشحومي”: إصلاح الدعم في ليبيا.. بين فخ الاستحالة وكلفة عدم التغيير

كتب: منذر الشحومي / الخبير المصرفي والمالي

يُنسب إلى أينشتاين قوله إن التعليم ليس تعلّم الحقائق، بل تدريب العقل على التفكير. وأجد نفسي أعود إلى هذه العبارة كلما فُتح نقاش إصلاح الدعم في ليبيا، فيتحول سريعاً إلى جردٍ لأسباب الاستحالة.

في عام 1798 كتب توماس مالتوس، أحد أبرز رواد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، أن السكان يتزايدون بمتوالية هندسية والغذاء بمتوالية حسابية، وأن المجاعة قدرٌ حسابي لا مفر منه.

وعلى هذا الأساس دعا إلى إلغاء قوانين إعانة الفقراء في بلاده تدريجياً، لأن الإعانة في حسابه تزيد المشكلة ولا تحلها. وبعد قرن وسبعين عاماً، في 1968، أعاد عالم الأحياء بول إيرليك المعادلة نفسها في كتابه “القنبلة السكانية”، وتنبأ بأن مئات الملايين سيموتون جوعاً في السبعينيات، ورأى أن الهند تسير نحو مجاعة محتومة.

ما حدث فعلاً أن المعادلة لم تُدحض بحجة مضادة، بل تحرّك أحد طرفيها. عالم زراعة اسمه نورمان بورلوغ طوّر أصنافاً قصيرة من القمح كادت تضاعف إنتاج الهند وباكستان خلال سنوات قليلة، وتحولت الهند من بلد يعيش على شحنات الغذاء إلى بلد مكتفٍ ذاتياً ثم مصدّر. الطرف الذي افترض مالتوس وإيرليك أنه ثابت هو الذي تغيّر. وحين راهن الاقتصادي جوليان سايمون إيرليك عام 1980 على أن أسعار المعادن ستنخفض خلال عقد لا ترتفع، خسر إيرليك الرهان ودفع ثمنه بشيك عام 1990.

لم يكن خطأ مالتوس وإيرليك في الحساب، بل في افتراض أن قيود اللحظة قوانين ثابتة، وأن البشر لن يغيّروا شيئاً في المعادلة. حسبوا المستقبل بأدوات الحاضر، ونسوا أن التغيير هو المتغير الوحيد المؤكد.

النقاش حول استبدال دعم المحروقات في ليبيا يعيد المنطق نفسه بثوب جديد: لا إحصاء، لا دولة رقمية، لا ثقة، لا سيولة، إذن ننتظر. وكل قيد من هذه القيود حقيقي. لكن جمعها في معادلة واحدة والخروج منها بـ “لا يمكن” ليس تحليلاً، بل هو الفخ المالتوسي نفسه: تثبيت الحاضر ثم إثبات أن المستقبل مستحيل.

والأهم أن “عدم التغيير” ليس خياراً محايداً. هو قرار، له كلفة تُدفع كل يوم: وقود يُهرَّب عبر الحدود، دعم يذهب أكثره لمن لا يحتاجه، وخزينة تنزف لتمويل الاثنين. من يرفض الإصلاح لأن الظروف غير مكتملة لا يحمي المواطن من المخاطرة، بل يختار بالنيابة عنه أن يبقى الوضع كما هو.

التجربة السعودية في “حساب المواطن” لا يُستشهد بها لتُنسخ، بل لأنها تُظهر الطريقة: بدأ البرنامج ناقصاً، عُدّلت معاييره مراراً، صُرفت تعويضات لتصحيح أخطاء الاستهداف، وصُرفت الدفعة الأولى قبل رفع الأسعار لا بعده. لم يُبنَ النظام المثالي أولاً، بل بُني النظام الممكن ثم طُوِّر أثناء التشغيل. الثقة جاءت نتيجةً للدفع المنتظم، لا شرطاً مسبقاً له.

وأخيراً، ثمة عادة تستحق المراجعة: أن يُقابَل كل مقترح تغيير يأتي من خارج تخصص الاقتصاد بالرفض لأن صاحبه “ليس اقتصادياً”. التاريخ لا يسند هذه العادة. الفخ المالتوسي لم يُكسر بنقاش اقتصادي، بل بحقل قمح لم يكن في معادلة أحد. من ينظر من خارج التخصص قد يرى متغيراً لا تراه المعادلة، ومن ينظر من داخله قد يرى، كما رأى سايمون، أن زملاءه ثبّتوا ما لا يثبت. لم يكن التخصص هو ما فرّق بين من أصاب ومن أخطأ، بل من سأل “كيف” ومن انشغل بإثبات “لماذا لا”. التخصص ضروري لتصميم التغيير وإدارة مخاطره، لا لمنح حق النقض عليه.

ذلك هو الفرق بين تعلّم الحقائق وتدريب العقل على التفكير.

مشاركة الخبر