كتب: عبد المنصف الشلوي – الخبير النفطي والاقتصادي
قرأت ما كتبه أحد الأصدقاء حول الأرباح القياسية التي حققتها كبرى شركات النفط العالمية، وأتفهم تماماً الفكرة التي يريد الوصول إليها، وهي أن ارتفاع أسعار النفط وتحسن إيراداته لا يكفيان وحدهما لصناعة اقتصاد سليم إذا رافقهما سوء في إدارة المال العام أو ضعف في الحوكمة والكفاءة.
وهذه، في تقديري، قضية تستحق النقاش.
لكنني، وبعد نحو أربعة عقود قضيتها داخل هذا القطاع، أعتقد أن من المهم ألا تقودنا صحة جزء من التشخيص إلى مقارنة غير متكافئة بين المؤسسة الوطنية للنفط وبين إكسون موبيل وشيفرون وشل وBP وتوتال إنرجيز.
الأرقام المنشورة عن الربع الثاني من 2026 صحيحة في اتجاهها العام؛ فقد حققت هذه الشركات مجتمعة أرباحاً تقارب 47 إلى 48 مليار دولار، كما سجلت تدفقات نقدية استثنائية مستفيدة بدرجة كبيرة من ارتفاع أسعار النفط والغاز وهوامش التكرير والتجارة إثر الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومضيق هرمز.
لكن هذه شركات تجارية عالمية متكاملة، تعمل في عشرات الأسواق والدول، وتملك حقولاً ومصافي ومصانع وناقلات وأذرعاً ضخمة لتجارة النفط والغاز والـLNG والمنتجات البترولية، وتتمتع باستقلال مالي وقدرة واسعة على الاقتراض والاستثمار وبيع الأصول وإعادة توزيع رأس المال.
أما المؤسسة الوطنية للنفط فهي في الأساس ذراع الدولة الليبية في إدارة واستثمار المورد النفطي السيادي. ما تحققه من مبيعات ليس رصيداً حراً تحتفظ به المؤسسة لتتصرف فيه كما تفعل الشركات العالمية؛ فالإيرادات النفطية تدخل المنظومة السيادية للدولة، بينما تعود المؤسسة ذاتها لطلب الميزانيات التشغيلية والاستثمارية اللازمة للصيانة والحفر وزيادة الإنتاج. وهذه وحدها تجعل المقارنة المباشرة بين «التدفق النقدي الحر لشيفرون» و«الوضع المالي للمؤسسة الوطنية للنفط» مقارنة غير صحيحة محاسبياً ومؤسسياً.
أنا هنا لا أدافع عن أحد، ولا أقول إن المؤسسة أو شركاتها لا تخطئ أو أنها فوق النقد والمساءلة. على العكس؛ مؤسسة تدير المورد الرئيسي لليبيا يجب أن تخضع لأعلى درجات الحوكمة والشفافية والرقابة والكفاءة.
لكن الدفاع عن المؤسسة ككيان وطني شيء، والدفاع عن الأشخاص شيء آخر تماماً.
ومن غير المنصف أيضاً أن نحمل المؤسسة الوطنية للنفط وحدها اختلالات المالية العامة، أو سعر الصرف، أو تضخم الإنفاق، أو فاتورة المرتبات والدعم، أو كيفية إنفاق الدولة لإيراداتها النفطية. هذه مسؤوليات منظومة دولة كاملة، وقد أكد صندوق النقد في تقييمه الأخير أن جوهر الضغوط الاقتصادية الليبية يرتبط أساساً بمسار المالية العامة والإنفاق وعدم الاستدامة المالية.
بل إن المفارقة أن المؤسسة، وسط هذه البيئة شديدة التعقيد، استطاعت في يونيو الماضي الوصول بإجمالي إنتاج الخام والمكثفات إلى قرابة 1.49 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى معلن منذ أكثر من عقد. ولا أورد هذا الرقم لتوزيع شهادات نجاح، وإنما لأن الإنصاف يقتضي أن نقيس الأداء بالأرقام كما نقيس الإخفاق بالأرقام أيضاً.
نعم، في ليبيا مشاكل إدارة وحوكمة، ونعم، لدينا هدر وتشوهات اقتصادية تستوجب الإصلاح، ولا يجوز أن تتحول الوفرة النفطية المؤقتة إلى مبرر لمزيد من الإنفاق غير المنتج.
ولكن عندما نناقش «أين الخلل؟» علينا أن نضع كل مسؤولية في مكانها.
أما تعميم أوصاف من قبيل انعدام الأمانة أو قلة الوطنية، فأرى أنها لا تخدم النقاش الاقتصادي والفني؛ فهذه أمور لا تقاس بالانطباعات وإنما بالوقائع والتقارير والرقابة والمساءلة.
وبالنسبة لي، سيظل نقد المؤسسة من الداخل والخارج مطلوباً، وسيظل إصلاحها وتطويرها واجباً، لكن لن يكون من الإنصاف أن تتحول القلعة النفطية التي حافظ الليبيون من خلالها على موردهم الرئيسي لعقود إلى شماعة نعلق عليها جميع اختلالات الدولة الليبية.
المطلوب ليس إعفاء المؤسسة من المسؤولية، بل تحديد مسؤوليتها بدقة.
وهذا، في رأيي، هو الفارق بين الدفاع عن الأشخاص والدفاع عن مؤسسة وطنية يجب أن تبقى قوية، مستقلة مهنياً، خاضعة للرقابة، وقادرة على إنتاج الثروة التي تقوم عليها الدولة الليبية.




