Skip to main content
|

“الشلوي”: هل حان وقت مراجعة نمط التعاقد النفطي في ليبيا؟.. قراءة في مستقبل عقود الاستكشاف والإنتاج

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

منذ اكتشاف النفط في ليبيا أواخر خمسينيات القرن الماضي، ظل القطاع النفطي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومصدر القوة المالية والسيادية للدولة الليبية. وعلى الرغم من التحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي مرت بها البلاد، بقيت المؤسسة الوطنية للنفط إحدى المؤسسات القليلة التي حافظت – بدرجات متفاوتة – على قدر من المهنية والاستمرارية الفنية والتشغيلية.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة ليس فقط: كيف نرفع الإنتاج؟ بل أيضاً:
هل ما يزال الإطار التعاقدي الحالي، المعروف بعقود EPSA بصيغتها الأخيرة، قادراً على مواكبة التحولات العالمية والإقليمية؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر فيه بصورة شاملة ومتوازنة تحفظ سيادة الدولة وتجذب الاستثمار في آن واحد؟

أولاً: ما هي أنماط التعاقد النفطية المعروفة عالمياً؟

صناعة النفط عالمياً تعتمد على عدة نماذج تعاقدية بين الدول المالكة للموارد والشركات النفطية العالمية، أهمها:

نظام الامتيازات التقليدية (Concession Agreements)
وهو النموذج الأقدم، حيث تمنح الدولة شركة أجنبية حق الاستكشاف والإنتاج مقابل ضرائب وإتاوات ورسوم.
هذا النموذج كان شائعاً قبل موجة التأميمات في الستينيات والسبعينيات، وكان يُنظر إليه في كثير من الدول المنتجة على أنه يمنح الشركات الأجنبية نفوذاً واسعاً على الموارد الوطنية.

عقود المشاركة في الإنتاج (Production Sharing Agreements – PSA)
وهو النموذج الأكثر انتشاراً اليوم، خاصة في الدول النامية والمنتجة حديثاً.
فيه تتحمل الشركة الأجنبية مخاطر الاستكشاف والتمويل، وعند الاكتشاف يتم استرداد التكاليف من جزء من الإنتاج، ثم يتم تقاسم الأرباح بين الدولة والشركة وفق نسب متفق عليها.

عقود الخدمة (Service Contracts)
تقوم الشركة بتنفيذ أعمال الاستكشاف أو التطوير مقابل أجر مالي ثابت أو مرتبط بالأداء، بينما تبقى ملكية النفط كاملة للدولة.
ويستخدم هذا النموذج في دول مثل العراق والكويت بدرجات مختلفة.

النماذج الهجينة والمرنة
خلال العقدين الأخيرين ظهرت صيغ أكثر مرونة تجمع بين المشاركة والخدمة والحوافز الضريبية، خصوصاً مع ارتفاع مخاطر الاستكشاف وتعقيد المشاريع البحرية وغير التقليدية.

ثانياً: ماذا عن ليبيا؟ وكيف تطورت عقودها النفطية?

مرت ليبيا بعدة مراحل تعاقدية تاريخية:

مرحلة الامتيازات – ما قبل التأميم
خلال الستينيات كانت عقود الامتياز هي السائدة، في ظل حاجة ليبيا آنذاك إلى رأس المال والتكنولوجيا والخبرة.

مرحلة ما بعد التأميم وتعزيز السيادة
بعد السبعينيات اتجهت ليبيا – مثل غالبية الدول المنتجة – إلى تعزيز السيطرة الوطنية على الموارد، وتم تطوير نماذج أكثر صرامة تجاه الشركات الأجنبية.

ظهور عقود EPSA
وهي اختصار لـ: Exploration and Production Sharing Agreement، وقد مرت بعدة إصدارات وتعديلات:
EPSA I
EPSA II
EPSA III
EPSA IV
ويُعد الإصدار الرابع (EPSA IV) الأكثر شهرة واستخداماً في جولات العطاءات الحديثة، خاصة بعد عام 2005.

لماذا اعتُبر EPSA IV ناجحاً في حينه؟
يجب الاعتراف بموضوعية أن EPSA IV جاء في فترة كانت فيها:
أسعار النفط مرتفعة نسبياً.
ليبيا تمتلك مخزوناً واعداً منخفض التكلفة.
المخاطر السياسية محدودة مقارنة باليوم.
الشركات العالمية تتنافس بقوة للدخول إلى السوق الليبية.
الطلب العالمي على النفط في حالة نمو متسارع.

لذلك استطاعت ليبيا آنذاك فرض شروط مالية صارمة نسبياً، وتحقيق حصة مرتفعة للدولة من العوائد. بل إن البعض اعتبر أن ليبيا حصلت ضمن تلك الجولة على واحدة من أفضل الحصص الحكومية عالمياً.
لكن… هل ما نجح بالأمس يصلح لليوم؟
هنا يكمن جوهر القضية؛ فالقطاع النفطي العالمي تغير جذرياً، وليبيا نفسها تغيرت أيضاً.

ثالثاً: لماذا أصبح من الضروري مراجعة نمط EPSA الآن؟

تغير البيئة الاستثمارية العالمية
الشركات النفطية العالمية اليوم أصبحت أكثر انتقائية في استثماراتها بسبب:
التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
الضغوط البيئية وتمويلات المناخ.
ارتفاع تكلفة رأس المال.
المنافسة العالمية على جذب الاستثمار.
تراجع شهية المخاطرة.
بمعنى آخر: رأس المال النفطي العالمي لم يعد يتحرك كما كان قبل 20 عاماً.

ارتفاع المخاطر في ليبيا

أي مستثمر اليوم ينظر إلى:
الاستقرار السياسي.
وضوح التشريعات.
استقرار المالية العامة.
أمن المنشآت.
استقلالية المؤسسة الوطنية للنفط.
استقرار القرار السيادي.
وبالتالي فإن الشروط التعاقدية القديمة التي صُممت في بيئة أكثر استقراراً قد لا تكون كافية لتحفيز الاستثمار اليوم.

المنافسة الإقليمية أصبحت شرسة

دول عديدة حول ليبيا تتحرك بسرعة كبيرة:
الجزائر تطور تشريعاتها النفطية باستمرار.
مصر تقدم حوافز متجددة خاصة للغاز.
دول شرق المتوسط تجذب استثمارات ضخمة.
أفريقيا تشهد سباقاً استكشافياً متسارعاً.
وفي عالم محدود رأس المال الاستثماري، فإن الشركات تقارن بين الفرص باستمرار.

عامل الزمن لم يعد في صالح الدول النفطية التقليدية

هذه نقطة شديدة الأهمية؛ فالعالم يتحدث اليوم عن:
إزالة الكربون.
السيارات الكهربائية.
الطاقة المتجددة.
الهيدروجين الأخضر.
تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
صحيح أن النفط والغاز سيبقيان لعقود قادمة، لكن نافذة الاستفادة القصوى من الاحتياطيات الهيدروكربونية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. ولهذا فإن التأخير في الاستكشاف والتطوير قد يتحول إلى خسارة تاريخية للأجيال القادمة.

رابعاً: هل المطلوب التنازل عن حقوق الدولة؟

قطعاً لا؛ فأي طرح وطني مسؤول لا يمكن أن يدعو إلى التفريط في السيادة أو الثروة الوطنية. لكن الفرق كبير بين: حماية حقوق الدولة، وتجميد القطاع بالكامل بسبب نماذج تعاقدية لم تعد تنافسية.

الحكمة الاقتصادية ليست في التشدد المطلق، بل في تحقيق أعلى قيمة وطنية طويلة الأجل. فأحياناً: حصة أقل من مشروع ناجح، أفضل من حصة كبيرة من مشروع لا يأتي أصلاً.

خامساً: ما الذي يمكن أن تقترحه ليبيا اليوم؟

الأقرب للمنطق الفني والاقتصادي هو: تطوير نموذج تعاقدي ليبي جديد مرن، وليس بالضرورة إلغاء EPSA بالكامل. أي: الحفاظ على السيادة الوطنية مع إدخال مرونة اقتصادية واستثمارية جديدة.

كيف يمكن أن يكون هذا النموذج؟

نظام مالي مرن حسب المخاطر
ليس من المنطقي مساواة حوض سرت منخفض المخاطر، مع المناطق الحدودية أو البحرية العميقة مرتفعة المخاطر؛ لذلك يجب أن تكون الحوافز مرتبطة بدرجة المخاطرة والتكلفة.

عقود ديناميكية مرتبطة بأسعار النفط
عندما ترتفع الأسعار ترتفع حصة الدولة تلقائياً، وعندما تنخفض تُمنح مرونة للشركات، وهذا يحقق توازناً طويل الأمد.

حوافز للاستكشاف الحقيقي
بعض الشركات تحتفظ بالمربعات دون نشاط فعلي؛ ينبغي ربط الاحتفاظ بالمناطق ببرامج عمل إلزامية وجداول زمنية واضحة.

تشجيع تطوير الغاز
العالم يتجه للغاز باعتباره وقوداً انتقالياً، وليبيا تمتلك إمكانات غازية كبيرة لم تُستثمر بعد بالشكل الكافي.

دمج المحتوى المحلي الحقيقي
ليس بالشعارات، بل عبر: تدريب الكوادر، نقل التكنولوجيا، تطوير الخدمات النفطية المحلية، ودعم القطاع الخاص الوطني.

سادساً: هل القوانين الليبية الحالية تسمح بذلك؟

هنا تظهر إحدى أهم الإشكاليّات. القانون النفطي الليبي الأساسي يعود إلى سنة 1955 مع تعديلات لاحقة، ورغم أنه كان متقدماً في زمانه، إلا أن:
البيئة الاقتصادية تغيرت.
الصناعة تغيرت.
التمويل تغير.
معايير الحوكمة تغيرت.
ومتطلبات الشفافية والاستدامة أصبحت مختلفة تماماً.

هل المطلوب تعديل القوانين؟
في تقديري: نعم، ولكن بحذر شديد. المطلوب ليس هدم المنظومة القانونية، بل تحديثها بصورة مدروسة تشمل: قانون النفط، اللوائح التنفيذية, قوانين الاستثمار، قوانين الشراكة، قوانين الضرائب، آليات فض النزاعات، والحوكمة والشفافية.

لكن هل الوضع السياسي يسمح بذلك؟
هذا السؤال مشروع جداً؛ فالبعض يرى أن الوضع الحالي لا يحتمل فتح ملفات استراتيجية كبرى. لكن بالمقابل، هناك رأي اقتصادي وتقني مهم يقول: إن الانتظار الطويل قد يكون أكثر خطورة من الإصلاح التدريجي المدروس، فالقطاع النفطي لا يتحمل الجمود.

سابعاً: ما الذي تحتاجه ليبيا فعلياً اليوم؟

ليبيا لا تحتاج فقط إلى عقود جديدة، بل تحتاج إلى:

رؤية وطنية موحدة للطاقة
تشمل: النفط، الغاز، البتروكيماويات، الطاقة المتجددة، التكرير، والتصدير.

استقرار المؤسسة الوطنية للنفط
بعيداً عن التجاذبات السياسية.

حوكمة واضحة وشفافية
لأن رأس المال يخاف من الغموض أكثر من خوفه من المخاطر نفسها.

تسريع المشاريع المتوقفة
خصوصاً: تطوير الحقول، خطوط النقل، الصيانة، الخزانات، الموانئ، ومشاريع الغاز.

إطلاق جولات استكشاف مدروسة
لكن ضمن إطار تنافسي عصري وجاذب.

الخلاصة

نعم… يبدو أن الوقت قد حان فعلاً لمراجعة نموذج EPSA بصيغته الحالية، ليس لأنه فشل، بل لأنه نجح في زمن مختلف تماماً عن زمن اليوم.

الهدف لا يجب أن يكون إرضاء الشركات الأجنبية، ولا التشدد الشعبوي غير الاقتصادي، بل بناء نموذج وطني ذكي يحقق التوازن بين: سيادة الدولة، جذب الاستثمار، تسريع الاستكشاف، تعظيم العائد، وضمان حقوق الأجيال القادمة.

ليبيا ما تزال تمتلك واحداً من أهم الأحواض النفطية في العالم، وتكلفة إنتاج هي من الأقل عالمياً، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً استثنائياً قريباً من أوروبا والأسواق العالمية. لكن الثروات وحدها لا تكفي؛ فالعالم يتحرك بسرعة، والطاقة تعاد صياغتها عالمياً، والاستثمار النفطي لم يعد ينتظر المترددين.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة إنتاج… بل معركة وقت، وتشريع، وحوكمة، ورؤية وطنية قادرة على تحويل الثروة الطبيعية إلى قوة اقتصادية مستدامة تحفظ لليبيا مكانتها وسيادتها لعقود قادمة.

مشاركة الخبر