Skip to main content
|

“الشلوي”: اكتشافات الغاز في بحر السلام فرصة طاقوية جديدة لليبيا بين الجيولوجيا والاقتصاد السياسي للطاقة

كتب: الخبير النفطي “عبدالمنصف الشلوي”

في صناعة الطاقة، ليست قيمة الاكتشافات في الرقم الذي تعلنه الشركات بقدر ما تكمن في المنظومة الاقتصادية والمؤسسية القادرة على تحويل المورد الطبيعي إلى قيمة مستدامة.. من هذا المنطلق، فإن إعلان شركة إيني الإيطالية عن اكتشافين جديدين للغاز الطبيعي في المنطقة البحرية الليبية، بإجمالي موارد تقديرية تتجاوز تريليون قدم مكعب، يمثل تطورًا مهمًا في الجغرافيا الطاقوية لليبيا يستحق قراءة أعمق.

يقع الاكتشافان في تركيبي Bahr Essalam South 2 و Bahr Essalam South 3 ضمن الحوض البحري شمال غرب ليبيا، وعلى مسافة تقارب (85) كيلومترًا من الساحل، وفي عمق مائي يقارب (650) قدمًا، وقد أكدت البيانات الأولية وجود طبقات غازية منتجة ضمن تكوين المتلوي (Metlaoui Formation)، وهو الخزان الجيولوجي الذي يشكل العمود الفقري للإنتاج الغازي البحري في المنطقة منذ بدء تشغيل حقل بحر السلام في عام 2005.

من الناحية الجيولوجية، فإن الاكتشاف يعزز الفرضية التي يتبناها الجيولوجيون منذ سنوات بأن الأحواض البحرية في غرب ليبيا لا تزال تحتوي على نظام بترولي نشط وقابل للتوسع، وأن الموارد الغازية في تلك المنطقة لم تُستنفذ بعد رغم عقود من النشاط الاستكشافي.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا الاكتشاف لا تكمن فقط في حجمه التقديري، بل في موقعه الاستراتيجي داخل بنية تحتية إنتاجية قائمة.. الاكتشافان يقعان على بعد نحو (16) كيلومترًا فقط من حقل بحر السلام، أكبر حقل غاز بحري في ليبيا، ما يتيح إمكانية تطويرهما عبر ربطهما بالمنشآت البحرية الحالية.

باقتصاديات الغاز البحري، غالبًا ما يكون القرب من البنية التحتية القائمة هو العامل الأكثر تأثيرًا في الجدوى الاقتصادية. فتكاليف إنشاء المنصات وخطوط الأنابيب البحرية يمكن أن تمثل الجزء الأكبر من الاستثمار الرأسمالي لأي مشروع غازي. لذلك فإن الاكتشافات القريبة من الحقول المنتجة عادة ما تتحول إلى إنتاج فعلي بسرعة أكبر وتكلفة أقل مقارنة بالاكتشافات المعزولة.

لكن القراءة المهنية للخبر تقتضي أيضًا وضع حد للمبالغة في تفسير الأرقام.. فالتقدير المعلن، أكثر من تريليون قدم مكعب، هو في الواقع يمثل تقديرا أوليا للموارد الغازية في المكمن، وليس احتياطيًا مؤكدًا قابلا للإنتاج الفوري، في صناعة النفط والغاز، تمر الاكتشافات عادة بمراحل تقييم فني واقتصادي معقدة قبل أن تتحول إلى احتياطي تجاري معتمد، بالتالي فإن الرقم المعلن يجب أن يُقرأ باعتباره مؤشرا على الإمكانات الجيولوجية وليس تعبيرا مباشرا عن إنتاج وشيك.

مع_ذلك، تشير التقديرات الأولية إلى أن تطوير الاكتشافين قد يضيف نحو (130) مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز إلى منظومة الإنتاج الليبية عند دخولهما الخدمة.. ورغم أن هذا الرقم قد يبدو متواضعًا على المستوى العالمي، فإنه يحمل أهمية كبيرة في السياق الليبي، حيث تواجه منظومة الطاقة المحلية منذ سنوات تحديات في توازن إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء والصناعات، من هذا المنظور، فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية للاكتشاف قد تظهر أولا في تعزيز أمن الطاقة المحلي قبل أن تظهر في ميزان الصادرات.

هذا الاكتشاف لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الأوسع في جغرافيا الطاقة في البحر المتوسط.. فالقارة الأوروبية منذ أزمة الطاقة العالمية في عام 2022، تسعى إلى إعادة تشكيل خريطة إمدادات الغاز عبر تنويع مصادرها والحد من الاعتماد على الموردين التقليديين.. في هذا السياق؛ اكتسبت منطقة جنوب المتوسط بما فيها ليبيا أهمية متزايدة في معادلة أمن الطاقة الأوروبي.

تحتل إيطاليا موقعا محوريا في هذه المعادلة، ليس فقط كمستهلك للطاقة، بل أيضًا كمركز عبور وتوزيع للغاز نحو أوروبا.. من هنا تكتسب العلاقة الطاقوية بين ليبيا وإيطاليا عبر شركة إيني وخط أنابيب (غرين ستريم) بعدا يتجاوز التجارة الثنائية ليصبح جزءا من التوازنات الطاقوية في البحر المتوسط.

غير أن الأبعاد الجيوسياسية للاكتشاف لا يجب أن تطغى على البعد الأهم، وهو الإدارة الاقتصادية للمورد داخل ليبيا نفسها.. فالتجربة التاريخية لقطاع الطاقة في العديد من الدول المنتجة تثبت أن الاكتشافات الكبيرة لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب اقتصادية، ما لم تُدار ضمن إطار مؤسسي فعال.

في الحالة الليبية تحديدا؛ فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الموارد، باعتبار أن ليبيا تمتلك واحدا من أكبر الاحتياطيات الهيدروكربونية في أفريقيا، بل في القدرة المؤسسية على تسريع تطوير الاكتشافات وتحويلها إلى إنتاج مستقر.

هنا يظهر عامل حاسم آخر، وهو الحوكمة المؤسسية لقطاع الطاقة.. ففي معظم الدول المنتجة، يُعد إعلان الاكتشافات النفطية والغازية مسألة سيادية تُعلن عادة عبر المؤسسة الوطنية للنفط أو ببيان مشترك مع الشريك الأجنبي، ليس فقط لأسباب بروتوكولية، بل لضبط الرسائل الموجهة إلى الأسواق الدولية و لضمان دقة المعلومات المتعلقة بالموارد الوطنية.

لكن هذه الاعتبارات المؤسسية، رغم أهميتها، لا تقلل من حقيقة أن الاكتشاف يمثل إشارة إيجابية لعودة النشاط الاستكشافي إلى المياه الليبية بعد سنوات من التباطؤ بسبب الظروف السياسية والاقتصادية.

بنهاية المطاف، فإن قيمة هذا الاكتشاف لن تتحدد بالرقم الذي أعلنته “إيني” اليوم، بل بمدى قدرة ليبيا على تحويله إلى قصة نجاح إنتاجية واقتصادية خلال السنوات القادمة.

بعالم الطاقة، لا تصنع الثروة الجيولوجية وحدها الفارق، الذي يصنع الفارق الحقيقي هو القرار الاقتصادي والمؤسسي الذي يحول الموارد الطبيعية إلى قيمة مستدامة.

إذا نجحت ليبيا في تطوير هذا الاكتشاف بسرعة وكفاءة، فقد يمثل خطوة إضافية نحو تعزيز أمنها الطاقوي واستعادة موقعها كأحد الفاعلين المهمين في سوق الغاز المتوسطي.

أما إذا تعثر المسار المؤسسي أو تأخر التطوير، فسيبقى الاكتشاف مجرد رقم واعد في تقارير الشركات، دون أن يتحول إلى أثر ملموس في الاقتصاد الوطني، بصناعة الطاقة، كما يقول خبراؤها دائمًا، الثروة تحت الأرض تفتح الباب فقط، لكن النجاح الحقيقي يبدأ فوق سطح القرار.

مشاركة الخبر