كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
الإطار العام للأزمة
يقف مصرف ليبيا المركزي اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد، أقرب ما تكون إلى وضع “بين المطرقة والسندان”، في ظل اختلالات هيكلية عميقة لا يمكن تجاوزها بإجراءات شكلية منها الاستمرار بسياسات “السعر الثابت” والذي ثبت فشله على مدار سبعة عقود.
المطرقة تتمثل في منظومة تمويل عام منفلتة ثلاثية الأبعاد تشمل: بند مرتبات متضخم وغير مرتبط بالإنتاجية “70 مليار دينار” ومنظومة دعم واسعة وغير مستهدفة ومرتفعة الكلفة “98 مليار دينار” محروقات” و”18 مليار” بنود مختلفة من الدعم، وإنفاق تسييري “14 مليار” وتنموي مفتوح السقف يتعدى “60 مليار دينار”.
كل ذلك يُموَّل، في جزء كبير منه لا يقل عن 93%، عبر التوسع في خلق النقود دون غطاء حقيقي من إنتاج أو نمو اقتصادي.
أما السندان فيتمثل في محاولة تغطية هذا الإنفاق الضخم عبر إيرادات دولارية يجب أن تشكل نحو 93% من مصادر تمويل الإنفاق العام، وهي إيرادات أحادية المصدر، شديدة التقلب، ارتفاع تكاليف الإنتاج، وخاضعة لعوامل خارجية لا يمكن التحكم بها داخليًا.
اقتصاديًا، تُعد هذه المعادلة مستحيلة التوازن، إذ لا يمكن تحقيق استقرار مالي أو نقدي في ظل: إنفاق مرتفع ومفتوح، وإيرادات أحادية ومتقلبة، وتمويل نقدي مباشر أو غير مباشر للعجز، وغياب الأدوات النقدية مثل الفوائد.
وفي هذا السياق، لا يُعد تعديل سعر الصرف خيارًا تفضيليًا أو إصلاحًا جذريًا، بل يتحول إلى أداة اضطرارية ملزمة لمحاولة إعادة توازن شكلي بين الإيرادات والإنفاق، دون معالجة جوهر الخلل القائم.
قرار تعديل سعر الصرف نتيجة حتمية لا خيار سياسي
إن خفض سعر صرف الدينار بنحو 14%، من 5.40 إلى 6.35 دينارًا للدولار، مع إلغاء الضريبة المفروضة على النقد الأجنبي، جاء نتيجة طبيعية، وإن كانت متأخرة، لمسار من السياسات المالية غير المستدامة التي طبقت خلال الفترة ما قبل 2004 ومن 2015 إلى 2020، وتكرر عام 2023 والربع الأول من عام 2024، وعلى رأسها اللجوء إلى خلق النقود من العدم لتمويل الإنفاق العام، بدل معالجة الخلل في حينه عبر تصحيح شفاف ومباشر لسعر الصرف.
ورغم ما شهدته الاحتياطيات الأجنبية والذهب من نمو ملحوظ خلال الفترة من 2018 وحتى 2023 ، فإن تراجع القوة الشرائية للدينار أكد حقيقة اقتصادية أساسية مفادها أن: نمو الاحتياطيات لا يعني بالضرورة قوة الاقتصاد، ولا يعكس تلقائيًا متانة العملة الوطنية، إذا لم يكن مدعومًا بسياسات مالية منضبطة وهيكل إنفاق مستدام.
القيمة الحقيقية للدينار لا تُقرر إداريًا، بل يحددها السوق باعتبارها انعكاسًا مباشرًا للسياسات المالية والتجارية، وتحديدًا لمعادلة الإيرادات العامة مقابل الإنفاق العام.
من يتحمّل الكلفة الحقيقية؟
من المهم تصحيح فهم اقتصادي شائع يتم الترويج له في النقاش العام، وهو الاعتقاد بإمكانية تحميل كلفة القرارات الاقتصادية لطرف دون آخر.
الحقيقة الاقتصادية الواضحة هي أن: جميع أوجه الإنفاق، وجميع الضرائب والرسوم سواء كانت إنتاجا أو استهلاك أو مبيعات، وجميع تخفيضات سعر الصرف تتحمل كلفتها النهائية القاعدة العريضة من المواطنين بل جميع المواطنين.
اقتصاديًا: لا توجد حكومة “تخسر” فعليًا على المدى المتوسط والطويل والخاسر دوما هو الشعب، ولا يوجد تاجر يتحمل الخسارة النهائية، ولا توجد فئة محددة من الشعب تدفع الكلفة وحدها دون العامة، فالاقتصاد يعيد توزيع أي عبء عبر آلياته الطبيعية على المجتمع بأكمله وبدون استثناء فرد من خلال: ارتفاع الأسعار، والتضخم، وتآكل القوة الشرائية، وتراجع مستوى المعيشة.
وأي خسارة يتحملها طرف ما، يتم تمريرها تلقائيًا إلى بقية الاقتصاد، لأن السوق في النهاية يعيد تحميلها على الأغلبية.
هوامش بيع العملة (2% أو 4%) “تحديد الدور الحقيقي”
ما يُعرف بهوامش بيع العملة عبر شركات ومكاتب الصرافة يُساء فهمه غالبًا، فهذه الهوامش: ليست سياسة تسعيرية، ولا أداة فعالة لضبط السوق، ولا تمثل إصلاحًا نقديًا بحد ذاتها، بل هي ببساطة تكلفة خدمة مرتبطة بآلية التنفيذ والتوزيع، يبقى السوق، لا الهامش الإداري، هو المحدد الحقيقي للسعر.
وعليه، إذا استمر: اختلال التوازن بين العرض والطلب، أو استمر التوسع في خلق النقود، فلن يمنع أي هامش رسمي، سواء 2% أو 4%، نشوء سعر فعلي آخر خارج الإطار الرسمي.
تخفيض سعر الصرف أو الضرائب
كما أن الفجوة السعرية بين الرسمي والسوق وحرق الصكوك تعتبر ضرائب مقنّعة، من منظور اقتصادي صرف يُعد تخفيض سعر الصرف شكل من أشكال الضرائب، كما تُعد الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وحرق الصكوك ضريبة مقنعة وغير معلنة.
الاختلاف الجوهري لا يكمن في الأثر، بل في الجهة التي تتحصل على العائد، ففي حالة الفجوة السعرية وحرق الصكوك، قد يكون المستفيد فردًا أو جماعة، خاصة كانت أم جهة عامة تحصلت على ملايين الدولارات، أو فردا حصل على تخصيص عملة أجنبية “2000 دولار”.
في حالة الرسم أو الضريبة الرسمية، يكون المستفيد هو الخزانة العامة ولكن جميعها لها تاثير سلبي وتضخمي، وفي كلتا الحالتين، يبقى المواطن هو الدافع النهائي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
الخلل في سعر الصرف.. نتيجة لا أصل الأزمة
إن اختلال سعر الصرف والفجوة السعرية ليست سبب الأزمة الاقتصادية، بل نتيجة مباشرة لاختلالات أعمق في السياسات المالية، وهيكل الإنفاق، ونمط تمويل العجز.
وما لم تتم معالجة هذه الجذور، فإن تغيير سعر الصرف، أو فرض رسوم إضافية، أو تعديل هوامش بيع، ستبقى جميعها إجراءات إدارية لإدارة الأزمة، لا حلولًا حقيقية لها.
خلاصة
إن تعديل سعر الصرف في ليبيا اليوم ليس إصلاحًا اقتصاديًا شاملًا، ولا يمثل حلًا جذريًا للأزمة، بل هو أداة اضطرارية فرضتها معادلة مالية ونقدية غير قابلة للاستمرار.
وطالما استمر الإنفاق العام المنفلت، والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات الدولارية، وتمويل العجز عبر خلق النقود، فإن أي كلفة جديدة ستُنقل حتمًا إلى المواطن، وسيبقى سعر الصرف مهما تغيّر مجرد مرآة تعكس اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد.
إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يتوازن الإنفاق مع الإيرادات الحقيقية، ويتوقف خلق النقود خارج الأطر السليمة، وتُدار الموارد العامة بسياسات واقعية لا شعاراتية، ويكون هدف السياسة الاقتصادية واضحًا ومحددًا في: تحقيق نمو اقتصادي حقيقي، واستقرار مالي ونقدي، وتحسين فعلي ومستدام لمعيشة المواطن.