في حوار مع “تبادل”.. “الشلوي” يتحدث عن النموذج التمويلي للمؤسسة الوطنية للنفط بين الواقع والمأمول
في ظل التطورات الاقتصادية الأخيرة، وانخفاض سعر صرف الدينار، وما أُثير حول تعليمات ضبط الإنفاق نتيجة عدم تسييل الميزانيات لعامي 2024 و2025، يبرز سؤال جوهري: هل الإشكال مالي ظرفي؟ أم أن جذوره أعمق وتمس طبيعة النموذج التمويلي الذي يحكم عمل المؤسسة الوطنية للنفط؟
نطرح هذه التساؤلات على الخبير النفطي الاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” في قراءة موضوعية تستحضر المصلحة الوطنية بعيدًا عن أي تجاذبات..
بداية، هل ما يحدث اليوم مجرد أزمة سيولة عابرة أم انعكاس لخلل في النموذج التمويلي؟
ج/ من الإنصاف القول إن ما نراه اليوم ليس وليد لحظة، بل هو تراكم تاريخي في آلية تمويل القطاع، النموذج الأصلي الذي أنشئت عليه المؤسسة في السبعينيات كان نموذجًا تجاريًا واضح المعالم “تبيع النفط نيابة عن الدولة، وتخصم تكاليف الإنتاج وفق ميزانية معتمدة، ثم تورد صافي العائد للخزانة العامة”، على أن تتم التسويات عبر حسابات ختامية وفق الأصول التجارية..
هذا النموذج معمول به في أغلب الدول النفطية، لأنه يضمن استمرارية العمليات ويُبقي القرار التشغيلي بعيدًا عن التقلبات السياسية قصيرة الأجل، لكن ما حدث لاحقًا، بسبب العقوبات وتذبذب الأسعار وانعدام الثقة بين المؤسسات، أدى إلى انتقال تدريجي نحو مركزية كاملة للإيرادات في الخزانة العامة، مقابل تخصيص اعتمادات دورية، وهنا بدأ الخلل الهيكلي، لأن الصناعة النفطية بطبيعتها يفترض أنها لا تُدار بذهنية “الاعتماد الشهري”، بل بمنطق استثماري طويل الأمد.
هل تقصد أن المشكلة اليوم هي فقدان الاستقلال المالي للمؤسسة؟
ج/ ليست القضية استقلالًا مطلقًا، فالمؤسسة جزء من الدولة وليست دولة داخل الدولة، لكن الصناعة النفطية تحتاج إلى مرونة تمويلية منضبطة، لا إلى تمويل إداري متقطع، عندما لا تُسيَّل الميزانيات لعامين متتاليين، وتُصدر تعليمات بتقييد الإنفاق دون أفق زمني واضح، فإن الرسالة التي تصل إلى السوق والمستثمرين هي أن هناك ارتباكًا في الرؤية المالية، وهذا يرفع كلفة التوريد، ويؤثر على المخزون الاستراتيجي، ويزيد التكاليف التشغيلية بدل أن يخفضها..
التقشف في قطاع إنتاجي رأسمالي قد يحقق وفورات آنية، لكنه قد يضاعف الكلفة لاحقًا إذا أثر على كفاءة العمليات وسلاسل الإمداد.
هل توجد تجارب دولية يمكن الاستفادة منها؟
ج/ بالتأكيد؛ النرويج تعتمد نموذجًا يفصل بوضوح بين دور الدولة كمالك ودور الشركة كمشغل تجاري، مع رقابة صارمة وشفافية كاملة في الحسابات، والسعودية منحت “أرامكو” استقلالًا تشغيليًا واسعًا مع التزام محاسبي عالمي وإفصاح دوري، وماليزيا “بتروناس” تعمل وفق نموذج تجاري كامل مع خضوعها للتدقيق الدولي ونشر تقارير مفصلة..
القاسم المشترك في كل هذه النماذج ليس فقط الاستقلال، بل الشفافية والانضباط المحاسبي، والثقة تُبنى على أرقام منشورة ومدققة، لا على تصريحات أو تطمينات.
إذن هل المشكلة مالية أم مشكلة ثقة؟
ج/ في تقديري؛ جوهر المسألة هو الثقة.. الثقة بين المؤسسة والسلطة المالية، والثقة بين المؤسسة والرأي العام، والثقة بين الدولة وشركائها الدوليين..
عندما تتأخر الحسابات الختامية، وعندما لا تتوفر تقارير دورية توضح مسارات الإنفاق، تتآكل هذه الثقة تدريجيًا، وعندما تُعلن مستهدفات إنتاجية كبيرة دون بيان تفصيلي لكلفتها الزمنية والمالية، يصبح الفارق بين الطموح والواقع مصدرًا إضافيًا للتشكيك..
القطاع النفطي صناعة أرقام، وكل رقم يجب أن يكون قابلاً للتدقيق.
ما الذي يفترض إعادة النظر فيه تحديدًا في النموذج القائم؟
ج/ أرى أن المراجعة يجب أن تركز على أربعة محاور:
1/ إعادة تعريف آلية التمويل بحيث تضمن تدفقًا تشغيليًا مستقرًا لا يخضع للتجاذبات.
2/ إقفال الحسابات الختامية بانتظام وفق المعايير الدولية ونشر ملخصات واضحة للرأي العام.
3/ فصل التمويل التشغيلي عن الالتزامات السيادية الأخرى حتى لا يتحمل القطاع أعباء لا تخص نشاطه المباشر.
4/ وضع إطار قانوني يحمي النموذج المؤسسي ويمنع تسييسه أو إضعافه أمام الضغوط الظرفية.
هناك من يرى أن ضبط الإنفاق ضرورة لتجنب تراكم الديون.. كيف ترد؟
ج/ ضبط الإنفاق مطلوب، بل واجب، لكن الضبط لا يعني التجميد.. الفرق كبير بين ترشيد مدروس يستند إلى مراجعة فنية، وبين وقف شراء واسع قد يخل بتوازن سلسلة الإمداد..
التاريخ القريب يبيّن أن أي عطب في السلسلة التشغيلية يحتاج سنوات لإصلاحه، وتكلفته قد تفوق بكثير ما تم توفيره، والمعادلة الصحيحة هي: “انضباط مالي+ استقرار تشغيلي+ شفافية كاملة = ثقة مستدامة”.
كيف يمكن طمأنة المواطن بأن الإصلاح يخدمه أولًا؟
ج/ المواطن يريد أمريْن بسيطيْن؛ أن يعرف أين تذهب عوائد النفط، وأن يطمئن أن هذه الصناعة محمية ومستدامة..
عندما تُنشر بيانات مالية واضحة، وعندما يُشرح للرأي العام لماذا يحتاج الوصول إلى مليوني برميل يوميًا إلى خمس سنوات واستثمارات ضخمة، فإن التوقعات تصبح واقعية، ويختفي التضارب بين الوعود والنتائج..
الإصلاح ليس صراعًا بين مؤسسات، بل هو عملية تصحيح لضمان استمرار مصدر الدخل الرئيسي للبلاد، وأي طرح في هذا السياق يجب أن ينطلق من حماية الوطن وثروته، لا من تصفية حسابات.
في كلمة أخيرة، ما الرسالة التي تود توجيهها ؟
ج/ المؤسسة الوطنية للنفط ركيزة سيادية، وأي إضعاف لها ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني، لكن حمايتها لا تعني إعفاءها من التطوير والمساءلة، بل تعني دعمها بإطار تمويلي واضح وشفاف ومستقر..
إعادة النظر في النموذج التمويلي ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة استراتيجية، فالصناعة النفطية لا تنتظر، والأسواق لا ترحم، والثقة إن اهتزت يصعب ترميمها.. هدفنا جميعًا يجب أن يكون واحدًا: “نموذج تمويلي متوازن يحفظ للدولة سيادتها، وللمؤسسة مهنيتها، وللمواطن حقه في معرفة الحقيقة”.
