كتب: ربيع عمر الشتيوي – محلل بيانات مهتم بالشأن الاقتصادي
ما يحدث اليوم في ملف أسعار الصرف ليس مجرد خلل تقني أو سوء تنفيذ عابر، بل انعكاس مباشر لفراغ سياسي ومالي عميق يدار فوقه المصرف المركزي وكأنه صاحب القرار الوحيد.
لدينا سعر للاعتمادات وسعر للأغراض الشخصية، ماعدا سعرين السوق الموازية للكاش والصك بأسعار أعلى منهما، وبين هذه العوالم الثلاثة يقف المواطن والتاجر والدولة في حالة ارتباك دائم، بينما يطلب من المركزي أن يضبط المشهد دون أن تمنح له أدوات الضبط الحقيقية.
تعدد الأسعار لم يأتِ كخيار إصلاحي مدروس بل كحل ترقيعي لواقع أكثر تعقيدا، واقع إنفاق حكومتين بلا سقف واضح وبلا تنسيق وبلا سلطة تشريعية موحدة تقر ميزانية وتراقب تنفيذها.
الحكومتان تتصرفان وكأن الموارد لا تنضب، وكل طرف ينفق بمعزل عن الآخر، ثم حين تظهر آثار هذا الإنفاق على الاحتياطي وسعر الصرف والتضخم؛ ترمى الكرة في ملعب المصرف المركزي وكأن المشكلة نقدية بحتة وليست مالية وسياسية في أصلها.
المصرف المركزي في هذا السياق لا يملك قوة تحميه، لا قوة تنفيذية تفرض قراراته، ولا غطاء تشريعي يستند إليه، ولا توافق سياسي يحمي استقلاله، ومع ذلك يطلب منه أن يمول وأن يضبط وأن يحافظ على الاستقرار وأن يتحمل الكلفة السياسية لأي قرار يتخذه، إذا شدد الإجراءات مثل ما فعل “الكبير” أيام “السراج” قيل إنه يخنق الاقتصاد ويعقد حياة الناس، وإذا توسع في التمويل مثلما فعل بعد تعيين “الدبيبة” قيل إنه يدمر الدينار ويستنزف الاحتياطي، وإذا حاول التوازن عبر حلول وسط مثلما يحاول “ناجي عيسى” فعله الآن ينتهي بنا الأمر إلى مزيد من التشوهات وتوسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق.
استمرار هذا الوضع يعني أن المركزي سيبقى في موقع إدارة الأزمة وليس حلها، وسيظل يلجأ إلى تعدد الأسعار وتعقيد الإجراءات كوسيلة لشراء الوقت، لا كمسار إصلاحي حقيقي، ومع كل يوم يمر دون اتفاق واضح على سقف إنفاق موحد، تتآكل مصداقية السياسة النقدية أكثر، ويتحول سعر الصرف من أداة اقتصادية إلى مرآة لفشل الدولة في اتخاذ قرار مالي سيادي.
السيناريوهات أمام المصرف المركزي كلها صعبة؛ إما الاستمرار في التمويل دون سقف، وما يعنيه ذلك من ضغوط تضخمية وتآكل الاحتياطي، أو التشدد وتحمل تبعات اجتماعية وسياسية لا يملك أدوات حمايتها، أو البقاء في المنطقة الرمادية الحالية حيث لا استقرار حقيقي ولا إصلاح، فقط إدارة مؤقتة لفوضى مؤجلة في جميع الحالات، النتيجة واحدة للأسف طالما ظل أصل المشكلة قائما.
أزمة أسعار الصرف في ليبيا ليست أزمة سعر بل أزمة قرار، ليست أزمة مصرف مركزي بل أزمة دولة، وأي حديث عن تعديل السعر أو ضبط السوق دون معالجة الإنفاق غير المنضبط وغياب السلطة التشريعية سيبقى مجرد تغيير في الأرقام، لا في الواقع.
