“حسني بي”: المشكلة ليست في سعر الصرف الرسمي ولا مكاتب الصرافة بل في الدولار المدعوم وتعدد الأسعار والرسوم
كتب : رجل الأعمال “حسني بي”
المشكلة في ليبيا ليست في سعر الصرف الرسمي “6.300” وحده ولا “مكاتب الصرافة “7.400” وحدها، بل هيكل كامل متعدد الأسعار والرسوم والاستثناءات، خلق “أصلًا ماليًا” جديدًا اسمه حق الحصول على الدولار المدعوم… وهذا الحق صار قابلًا للبيع والشراء والمضاربة (مثل الكوبون/الرخصة)، وبالتالي صار يولّد فجوة سعرية وتضخمًا حتى لو كانت نية السياسة “تخفيف على المواطن”.
سأقسم التعليق إلى:
(1) تشخيص اقتصادي/نقدي.
(2) تفكيك آلية المضاربة بالأرقام التي ذكرتها.
(3) لماذا تنتقل الفجوة إلى تضخم.
(4) أين مسؤولية المركزي وأين مسؤولية السياسة العامة.
(5) حزمة سياسات نقدية/تنظيمية بدائل عملية لصالح الشعب.
(6) تعليق مهني على شائعة الإفلاس/الدولرة/قرض البنك الدولي.
ملاحظة توثيقية: سعر الصرف الرسمي المنشور لدى مصرف ليبيا المركزي ليوم الأحد 22-02-2026 يقارب 6.330 دينارلكل دولار. كما أن المركزي أعلن تخفيضات أو تعديلات بسعر الصرف خلال 2025 ويناير 2026 وفق تغطيات موثوقة، آخرها الدولار يعادل 6.330 دينار.
1) التشخيص: لماذا تعدد الأسعار والرسوم يخلق سوقًا سوداء “بقانون”
عندما يكون لديك:
- سعر رسمي/مصرفي (≈ 6.33)
مصرف ليبيا المركزي - “أغراض شخصية” بسعر أعلى
- (مثل 7.400 + عمولات)سلع ورسوم وشرائح (%2، %12، %20، %25، %35…)
- ومنح بالدولار/بسعر مدعوم (400$ لأرباب الأسر… إلخ)
عمليًا صنعنا :
- سعرًا رسميًا لا يعكس الندرة الحقيقية للعملة الصعبة لكل الاستخدامات.
- سعرًا موازيًا رسميّ المنشأ عبر الرسوم والعمولات والاستثناءات.
- سوق وسطاء مهمتها الوحيدة نقل “الحق” من مواطن إلى مضارب.
- تسعير تجاري على أساس أعلى سعر متاح فعليًا (لأن التاجر يهمه “دولاره الحقيقي” وليس الورقي).
النتيجة الطبيعية:
يتحوّل الدعم من حماية مواطن إلى دعم أربيتراج (Arbitrage) مضاربة :
- ربح مضمون بلا إنتاج للبعض ولا يشمل الجميع
2) آلية الأغراض الخاصة “2000 دولار” كمولّد للفجوة الاولى ويمكن تلخيصه اقتصاديًا كالتالي:
سلسلة العملية لغلق الفجوة الاولى من خلال 2000 دولار الاغراض الشخصية :
- المواطن يملك حق شراء 2000 دولار بسعر رسمي : 12,600 دينار (أي 6.3د.ل/ للدولار)
- المواطن يبيع “الحق” لمضارب مقابل ~ 2,000 د.ل
- المضارب الاول تصبح تكلفته الكلية: 14,600 د.ل
- ثم بسبب عمولات والشبكات والتاجر (تقريبًا 5%: 3% فيزا/ماستر + 2% نقطة بيع) يبقى صافي الدولار ≈ 1,900 دولار
- إذن سعر الدولار الفعلي للمضارب = 14,600 ÷ 1,900 = 7.684 د.ل/دولار
وهذا يعني أن “الحق” صنع تلقائيًا سعر ظل (Shadow Rate) يقارب 7.68، حتى لو الرسمي 6.33.
مصرف ليبيا المركزي
هذه النقطة المحورية الناتجة للفجوة :
- الفجوة لا تبدأ من “الصرافة”؛
- بل الفجوة نشأت من تصميم الحق نفسه لأنه قابل للتسييل والبيع خارج غايته الأصلية.
3) لماذا تتحول الفجوة إلى تضخم (حتى لو المواطن “ربح” 2000 د.ل)؟؟
في اقتصاد يعتمد على المستورد سواء كان خامات أو منتجات، مثل ليبيا، سعر الصرف ينتقل للأسعار بسرعة (pass-through) لأن:
- التاجر يدفع/يؤمّن عملته الصعبة بأسعار متعددة وعبر رسوم ومخاطر.
- فالتاجر يسعّر على أساس أعلى تكلفة متاحة + هامش أمان.
- ومع توقعات الناس (كلما زادت الفوضى) يحدث تسعير استباقي.
بالتالي، مكسب المواطن اللحظي من بيع الحق في 2000 دولار:
- يزيد طلبه الاسمي (يشتري أكثر للمضاربة)
- لكنه لا يزيد العرض الحقيقي (لا إنتاج ولا استيراد “إضافي” مضمون)، فيرتفع المستوى العام للأسعار
ومثالكم التوضيحي صحيح من حيث المنطق:
لو دخل 2000 د.ل شهريًا وتضخم 30% → خسارة قوة شرائية سنوية كبيرة قد تفوق مكسب بيع الحق.
الخلاصة لسياسة بيع الأغراض الشخصية أو أرباب الأسر:
السياسة تخلق “نشوة نقدية” قصيرة، ثم تسحبها من الجميع عبر ارتفاع الأسعار.
4) من المسؤول؟ المركزي وحده أم المنظومة؟
اتهام المركزي وحده عادةً تبسيط مخلّ، الواقع أن:
- السياسة النقدية وحدها لا تنجح دون انضباط مالي: إنفاق عام مرتفع، عجز/تمويل، وغياب موازنة موحدة يزيد الضغط على العملة. (هذا يظهر أيضًا في تغطيات موثوقة عن ضغوط الإنفاق والدين العام).
تعدد الرسوم والضرائب على الواردات (التي تُنتج طبقات أسعار) يفترض أن جزءًا كبيرًا منه قرار مالي/تشريعي وليس “أداة نقدية خالصة” او قرار نقدي .
دور المركزي الحقيقي هنا: تصميم نافذة العملة + الرقابة على المصارف/البطاقات + إدارة السيولة والتوقعات.
فإذا سمح التصميم بتحويل “الحق” إلى سلعة مضاربة، فهو يتحمّل جزءًا مهمًا من المسؤولية الفنية.
5) حزمة حلول “نقدية وتنظيمية” فاعلة لصالح الشعب (بدون شعبوية)
مستويين: سريع (0–3 أشهر) ثم هيكلي (3–18 شهرًا).
الفكرة: نغلق باب “الأربيتراج” المضاربة، ونحوّل الدعم إلى استهداف اجتماعي نقدي بدل دعم سعر الصرف لفئات واسعة.
- بديل “أكثر عدالة”: دعم الناس مباشرة بدل دعم الدولار.
- استبدال دعم سعر الصرف بتحويل نقدي بالدينار (Targeted Cash Transfer).
إذا كانت الدولة تريد حماية أرباب الأسر:
أعطِ دعمًا بالدينار موجّهًا (سلة دخل/عدد أفراد/حالة اجتماعية) بدل بيع دولار مدعوم.
ميزة حل الاستبدال النقدي للحق يتمثل في هذا الحل:
- لا يخلق “أربيتراج” دولاري.
- أسهل رقابة.
- يمكن ربطه بميزانية شفافة بدل نافذة عملة غامضة.
نعم: التحويلات النقدية قد تضغط على التضخم إذا كانت بلا تمويل سليم، لكن ضررها عادة أقل من “توزيع أربيتراج ومضاربة دولاري” لأنه لا يفتح باب المضاربة والتهريب بنفس السهولة.
إصلاح هيكلي: توحيد السعر وإدارة الانتقال بدون صدمة
خريطة طريق لتوحيد سعر الصرف (Managed Float)
ليس “8 للجميع غدًا” دفعة واحدة إن كان سيولد صدمة أسعار، بل:
توحيد تدريجي عبر نطاق (Band) يتحرك، مع مزادات/عطاءات شفافة للعملة.
الهدف: تقليل الفجوة حتى تصبح تكلفة المضاربة أقل عائدها.
- أداة تعقيم نقدي (Sterilization) لتخفيف أثر بيع العملة على السيولة.
- إصدار أدوات قصيرة الأجل (ودائع/أذونات) تمتص فائض الدينار الناتج عن مبيعات الدولار، حتى لا يتحول لضغط تضخمي مباشر.
تنسيق مالي–نقدي إلزامي
بدون إطار إنفاق واضح، سيظل الضغط على الدينار قائمًا. تغطيات موثوقة أشارت لأثر الانقسام والإنفاق والدين على قرار التخفيض.
هنا مطلوب سقف إنفاق، وقف التمويل بالعجز قدر الإمكان، وإدارة دين داخلي.
بخصوص الرسوم والشرائح على السلع (%…)
استبدال الرسوم المتعددة بنظام جمركي أبسط.
الشرائح الكثيرة تصنع “سوق استثناءات” وفساد تصنيفي (تصنيف السلعة لتقع في شريحة أقل).
خلاصة تنفيذية (بجملة واحدة)
أكبر مولّد للفجوة والتضخم بليبيا ليس السعر الرسمي بحد ذاته، بل “قابلية تداول حق الدولار المدعوم” + تعدد الأسعار والرسوم؛ والحل الفاعل هو قتل “الأربيتراج” بتقييد الاستخدام وتوحيد قنوات التسعير، ثم نقل الدعم من الدولار إلى المواطن مباشرة ضمن إطار مالي منضبط.