كتب: رجل الأعمال “حسني بي”
يشهد الاقتصاد الليبي منذ عقود أو منذ عام 1982 تدهورًا متكررًا في قيمة الدينار، وارتفاعًا في الأسعار واتساعًا في الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، بالتزامن مع أزمة سيولة وارتفاع كلفة الحصول على النقد؛ المعروفة شعبيًا بـ“حرق الصكوك”.
ومع تصاعد النقاش العام حول “تعديل سعر الصرف” أو “فرض رسوم/ضرائب على بيع النقد الأجنبي”، أصبح من الضروري تقديم موقف محايد يضع المشكلة في إطارها الصحيح، بعيدًا عن التخوين أو التبرير.
أولًا: ما الذي نتفق عليه كتشخيص عام؟
الفجوة السعرية ليست مجرد رقم؛ هي آلية توزيع غير عادلة للثروة عندما يُباع الدولار بسعر مدعوم لفئات أو عبر قنوات محدودة ثم تُسعَّر السلع والخدمات على جميع الناس بسعر أعلى. النتيجة أن المواطن يدفع فرقًا كبيرًا في الأسعار، بينما يستفيد من الفرق من يمتلك قدرة الوصول أو رأس المال أو أدوات التحايل.
التضخم في ليبيا متعدد الأسباب، لكنه يرتبط بشكل وثيق بثلاث قنوات رئيسية:
الإنفاق العام إذا تجاوز الإيرادات وتم تمويله نقديًا (خلق نقود/توسع مصرفي) فيرفع الطلب ويضغط على الأسعار وعلى العملة الأجنبية.
الاعتماد العالي على الاستيراد يجعل أي تدهور في سعر الصرف ينتقل سريعًا لأسعار السلع والطلب على الدولار من أجل المضاربة والتهريب (تضخم مستورد و مضاربة ).
ضعف المنافسة والاحتكار والندرة يضخم أثر الصرف ويزيد من هامش الجشع التجاري في بيئة غير منضبطة.
أزمة السيولة وحرق الصكوك ليست ظاهرة طبيعية؛ هي “كلفة ثقة وسيولة” يدفعها المواطن بسبب اختلالات مصرفية ونقدية وتنظيمية، وتتحول عمليًا إلى ضريبة غير معلنة على الدخول الثابتة.
ثانيًا: هل تعديل سعر الصرف يختلف عن فرض ضريبة/رسم على بيع الدولار؟
من حيث الأثر المباشر على الأسعار، قد يرى المواطن أن الحالتين “زيادة تكلفة” ستنعكس على السوق. لكن الفارق الجوهري ليس في من يدفع فقط، بل في من يستفيد وكيف تُدار العوائد:
الضريبة/الرسم: تزيد سعر الدولار رسميًا لصالح الدولة والمركزي والشعب (نظريًا)، لكن نجاحها يتوقف على شفافية التحصيل وحسن توظيف العائد لصالح الشعب ومنع خلق امتيازات جديدة او بديلة او الاغراق بالافاق العام .
تعديل/توحيد سعر الصرف: قد يقلل مساحة الريع ويغلق باب السعرين وينهي المضاربة والتهريب، لكن تطبيقه دون شبكة حماية اجتماعية وضبط إنفاق وثقة مؤسسية قد يؤدي إلى صدمة أسعار وفقدان قبول شعبي ما لا نتمناه.
الخلاصة المحايدة: المواطن قد يدفع في الحالتين، لكن الفارق الحقيقي هو: هل تتحول الكلفة إلى إيراد شفاف يعود على الناس بخدمات/تعويضات، أم تبقى ريعًا يتجمع عند القلة عبر فجوة وتمييز في الوصول.
ثالثًا: أين تقع “الأغراض الشخصية” و“الاعتمادات” في المشكلة؟
أي نظام يتيح شراء عملة بسعر أقل من السوق 6.300 دينار لكل دولار مع وجود قيود وندرة، يخلق حافز “أربيتراج” (ربح مضمون)، ويؤدي إلى سوق ثانوي ووسطاء يتعدى 60% حاليا. لا يمكن الحكم على حجم تأثير “الأغراض الشخصية” أو “الاعتمادات” دون بيانات دقيقة، لكن المبدأ الاقتصادي واضح:
كلما اتسعت القيود وتعددت الأسعار، اتسعت فرص الريع والفساد والتحايل والتهريب لدول الجوار.
وكلما زادت شفافية التخصيص واتسع نطاق الوصول وفق قواعد عادلة، تقلصت الفجوة وتنتهي المضاربة.
رابعًا: النقطة السياسية والاجتماعية التي لا يجوز تجاهلها
حتى لو كان توحيد السعر أو الانتقال لسعر “أقرب للتوازن” خطوة صحيحة اقتصاديًا، فإن نجاحها يتطلب ثقة وقدرة تنفيذ. في بيئة انقسام وفقدان ثقة، أي قرار كبير قد يُفهم كتحميل جديد للمواطن، وقد يفشل اجتماعيًا ويُنتج نتائج عكسية لذلك على المركزي إعلان الأهداف والآليات بشفافية كاملة لإنهاء (تسارع دولرة، هلع تسعيري، توسع سوق موازية).
خامسًا: مبادئ عملية لأي حل مقبول وناجح
أي خيار؛ ضريبة على بيع العملة أو تعديل سعر الصرف أو نظام مزادات، ينجح مع حزمة متكاملة تقوم على:
سعر واحد أو مسار واضح لتقليص الفجوة ضمن جدول زمني ومعايير معلنة، مع تنظيم سوق الصرافة والرقابة الإلكترونية.
تعويض المواطن مباشرة عند أي رفع في التكلفة (علاوة معيشة/تحويل نقدي/سلة دعم ذكية)، بدل دعم سعر الدولار الذي يتحول غالبًا إلى ريع.
ضبط الإنفاق العام ووقف التمويل النقدي للعجز قدر الإمكان، لأن خلق النقود بلا غطاء يغذي التضخم ويضغط على الصرف.
شفافية كاملة في بيانات بيع العملة، الاعتمادات، وأوجه الإنفاق، وتوحيد عرض الأرقام بين الجهات، لأن الغموض هو البيئة المثالية للفجوة والاتهامات.
حل أزمة السيولة وحرق الصكوك كهدف موازٍ لتقليص الفجوة، لأن استمرار “سعرين للنقد” (رصيد/كاش) يُبقي الضريبة الخفية قائمة حتى لو انخفضت فجوة الدولار.
سادسًا: ما الرسالة للشارع؟
ليس الهدف تحميل المواطن صدمة جديدة، ولا الدفاع عن امتيازات قائمة، بل الوصول إلى معادلة عادلة:
إنهاء الريع والفجوة.
حماية القدرة الشرائية.
توفير العملة والسيولة بقواعد معلنة.
ومحاسبة من يستفيد من التشوهات بدل اتهام الناس بالجملة.
ختامًا
هذه ليست معركة “سعر رسمي ضد سعر موازي”، بل معركة عدالة وشفافية وحوكمة. وأي مسار إصلاحي يجب أن يبدأ من سؤال واحد يملكه الجميع:
كيف نمنع تحويل السياسة النقدية والمالية إلى ضرائب خفية يدفعها الشعب لصالح القلة؟