Skip to main content
|

“الهادي عبدالقادر” يقدم رؤية استشرافية للإصلاح الاقتصادي في ليبيا بناءً على “تجربة الجهيمي ورؤى أبوسنينة وحسني بي”

كتب: الهادي عبد القادر/ مستشار الشؤون العامة لوزارة الاستثمار بالحكومة الليبية

دعنا بداية نحلل النقاش الاقتصادي الحيوي بين الدكتور “محمد أبوسنينة” ورجل الأعمال “حسني بي” بشكل معمق واستشرافي، مع وضع آراء الطرفين في إطار السياسات النقدية التاريخية والحالية لمصرف ليبيا المركزي.

تحليل معمق للنقاش بين “أبوسنينة” و”حسني بي”

يمثل هذا النقاش تجسيدًا للصراع الكلاسيكي بين مدرستين اقتصاديتين: مدرسة الاستقرار والحذر (التي يمثلها الدكتور محمد أبوسنينة وتستند إلى إرث العنيزي والرمرام) ومدرسة الإصلاح والتغيير الجذري (التي يمثلها رجل الأعمال حسني بي).

1. تحليل موقف الدكتور محمد أبوسنينة (تمثيل سياسات المصرف المركزي التقليدية)

يدافع “أبوسنينة” عن سياسة سعر الصرف الثابت، وهو الموقف الرسمي التقليدي لمصرف ليبيا المركزي الذي أسس له الدكتور “علي نورالدين العنيزي” وطوره السيد “علي الرمرام”. يمكن تفكيك حجته على النحو التالي:

· أسس الحجة: تقوم حجته على مبدأ “استقرار الاستقرار” في بيئة غير مستقرة. وهو يرى أن النظام الحالي، رغم عيوبه، يمثل مرساة تمنع انهيارًا كاملاً في ظل غياب الشروط الأساسية للإصلاح.
· المخاوف الأساسية:
· فقدان السيطرة: يعتبر أن تعويم الدينار أو تفويض الأمر لشركات الصرافة سيفقد المصرف المركزي “زمام المبادرة” ويجعله رهينة لتقلبات السوق والمضاربة.
· تفاقم عدم الاستقرار: يرى أن أي تغيير في نظام الصرف في الوقت الراهن لن يكون “تعويمًا” بالمعنى الاقتصادي السليم، بل سيتحول إلى “انفلات” يؤدي إلى مزيد من التضخم وانهيار في القوة الشرائية للدينار، مما يضر بالمواطن العادي أولاً.
· الشروط المسبقة للإصلاح (الرؤية الاستشرافية): يقدم “أبوسنينة” رؤية واضحة للمرحلة التي يمكن فيها مراجعة نظام الصرف، وهي مرحلة الاستقرار المؤسسي والأمني والسياسي. بمعنى آخر، هو لا يرفض الإصلاح مطلقًا، بل يرفض توقيته الحالي. ويشترط:
1. وجود حكومة موحدة.
2. تحويل كامل إيرادات النفط إلى المصرف المركزي.
3. سيطرة تامة للمصرف على العملة الصعبة.
4. بيئة تشريعية مستقرة.
5. انضباط مالي (الإنفاق في حدود الموارد دون عجز).
· التقييم: موقفه حذر ومحافظ ويمثل النهج التقليدي في إدارة الأزمات: عدم المخاطرة بما تبقى من استقرار في ظل أوضاع هشة. وهو ينبع من خوف حقيقي من أن يؤدي أي خطأ إلى كارثة يصعب إصلاحها.

2. تحليل موقف رجل الأعمال حسني بي (تمثيل مدرسة الإصلاح الجذري)

يهاجم “حسني بي” النظام القائم هجومًا مباشرًا ويسلط الضوء على ثغراته الهيكلية، معتبرًا إياه “سرقة مشرعنة”. حجته قائمة على تحليل كمي وسرد مختلف تمامًا للقصة.

· أسس الحجة: تقوم حجته على الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وهو ينظر إلى نظام الصرف الثابت ليس كأداة للاستقرار، بل كأداة لإعادة توزيع الثروة بشكل غير عادل.
· التحليل الكمي (نموذج حسني بي): هذه هي القوة الرئيسية لحجته، حيث قدم أرقامًا مذهلة:
· الإيراد اليومي من النفط والغاز: 100 مليون دولار.
· عدد المستفيدين الفعليين من الدولار الرسمي: مليون ليبي (كحد أقصى، وهم عادةً من لديهم نفوذ أو علاقات).
· الإيراد بالدينار بالسعر الرسمي: 622 مليون د.ل (حسب سعره المفترض).
· القيمة الحقيقية للريع (بحساب الفارق مع السوق الموازي): 744 مليون د.ل.
· الخسارة/الغنيمة اليومية: 122 مليون د.ل.
· الغنيمة السنوية: 44.5 مليار د.ل.
· التفسير: يرى “بي” أن هذا الفارق الهائل هو “غنيمة” تُمنح لمتلقي الدولار بالسعر الرسمي (المستوردون الكبار، ذوو النفوذ) على حساب الشعب ككل (8.6 مليون نسمة) الذي يدفع لاحقًا ثمن البضائع المستوردة بناءً على القيمة الحقيقية للدولار.
· حلول مقترحة: لا يطالب بالتعويم الكامل فقط، بل يقدم خيارات مرنة مثل “سعر مدار” أو “سعر مدعوم جزئيًا” أو “نطاق تحرك”، مما يدل على فهمه لتعقيدات الموضوع وليس مجرد الدعوة لإلغاء النظام.
· التقييم: موقفه جذري وإصلاحي ويكشف عن خلل هيكلي فادح في النظام الحالي. هو لا يرى في المصرف المركزي حاميًا للاستقرار، بل مشغلًا لـ”لعبة” يتحكم بكل أوراقها ويصر على قاعدة (قواعد) فاشلة. نقده موجه للاقتصاد السياسي للنظام وليس للجوانب التقنية فحسب.

لماذا الابتعاد عن سياسات المصرف المركزي التقليدية؟ (رؤية استشرافية)

بناءً على هذا التحليل، يمكن طرح الحجج لصالح الابتعاد عن النموذج التقليدي الذي يمثله “أبوسنينة”:

1. الفشل في تحقيق الاستقرار الحقيقي: النظام الحالي لم يحقق الاستقرار إلا على الورق. لقد أنشأ اقتصادًا مزدوجًا: اقتصاد رسمي بأسعار وهمية واقتصاد موازي (السوق السوداء) يعكس القيمة الحقيقية. هذا الانفصام هو بحد ذاته أكبر مصدر لعدم الاستقرار والفساد.
2. استنزاف المالية العامة: نموذج “حسني بي” الكمي يظهر بشكل صارخ كيف أن النظام يستهلك مليارات الدينارات سنويًا كـ”فرق سعر” بدلاً من أن تذهب إلى الخزينة العامة لتمويل خدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية للشعب بكامله.
3. تغذية الفساد واقتصاد الريع: النظام الحالي هو البيئة المثالية لفساد “الريع”. فالحصول على دولار بسعر رسمي يصبح في حد ذاته مربحًا، مما يحول نشاط الطبقة التجارية من الإنتاج والابتكار إلى المضاربة والبحث عن ريع العملة.
4. فقدان السيادة النقدية فعليًا: على عكس حجة “أبوسنينة”، فإن الإصرار على ربط غير واقعي يفقد المصرف المركزي سيطرته الحقيقية على السياسة النقدية. يصبح دوره رد فعل (الدفاع عن سعر ثابت) بدلاً من فعل (توجيه الاقتصاد عبر أدوات نقدية فعالة مثل أسعار الفائدة).
5. العزلة عن الاقتصاد العالمي: يشوه سعر الصرف الثابت غير المناسب إشارات السوق، مما يؤدي إلى تشويهات كبيرة في الميزان التجاري (استيراد مفرط، وتثبيط للتصنيع المحلي والتصدير غير النفطي).

الخلاصة والرؤية الاستشرافية

النقاش ليس بين “صحيح” و “خاطئ” تمامًا. لكل طرف مبرراته في التوقيت الحالي.

· “أبوسنينة” محق في المخاطر قصيرة الأجل للتغيير في فراغ مؤسسي. تحذيره من انهيار سريع وقوعه ممكن.
· “حسني بي” محق في الآثار المدمرة طويلة الأجل واستحالة تحقيق تنمية حقيقية under the current system. كشفه للثمن الباهظ الذي يدفعه الاقتصاد والمجتمع هو الأهم.

الرؤية الاستشرافية: الطريق الأمثل هو مسار وسطي إصلاحي تدريجي، وليس القفز إلى تعويم كامل أو التمسك بالجمود. يمكن أن يشمل هذا المسار:

1. اعتماد سعر صرف مرن مدرج (Crawling Peg أو Managed Float) كمرحلة انتقالية، حيث يسمح للدينار بالتعديل تدريجيًا نحو قيمته الحقيقية تحت سيطرة المصرف المركزي، مما يقلص فارق السوق السوداء دون صدمة.
2. إصلاح نظام توزيع العملة لجعله أكثر شفافية وعدالة، ربما من خلال منصات إلكترونية تخفض الفساد وتوسع قاعدة المستفيدين.
3. ربط أي إصلاح نقدي بإصلاح مالي جذري (كما أشار أبوسنينة) لخفض العجز وضبط الإنفاق، لأن إصلاح سعر الصرف دون إصلاح مالي مصيره الفشل.
4. بناء الاحتياطيات الأجنبية في فترة سعر النفط المرتفع الحالية لخلق “وسادة” تحمي الاقتصاد أثناء فترة الانتقال.

في النهاية، إرث الدكتور “العنيزي” والسيد “الرمرام” كان مناسبًا لسياق زمني مختلف. التحدي الحالي هو “تطوير” هذا الإرث وليس التمسك الحرفي به. التغيير أصبح حتميًا، والسؤال ليس إذا يجب التغيير، بل كيف و متى يتم ذلك بطريقة تقليل المخاطر وتعظيم الفوائد للشعب الليبي ككل، وليس لفئة محدودة.

وهناك استدعاء تاريخي في غاية الأهمية. دعنا ندمج محاولة الدكتور “الطاهر الجهيمي” الإصلاحية في 2003 ضمن الإطار الشامل، لنبني رؤية استشرافية متكاملة تستفيد من دروس الماضي وتتطلع لمستقبل أفضل.

محاولة الدكتور الطاهر الجهيمي (2003): الدروس المستفادة

محاولة الجهيمي كانت جراحية وجريئة وتهدف إلى تصحيح التشوهات في نظام الصرف آنذاك. نقاطه الست (بما فيها القضاء على السوق الموازي) كانت تسعى لـ “تعويم مدروس” مبكر. فشلها يعلمنا درسين أساسيين:

1. الدرس الأول (مؤيد لأبوسنينة): الإصلاح النقدي المنعزل وغير المصحوب بإصلاحات مؤسسية وسياسية موازي (بالتوازي) محكوم عليه بالفشل. البيئة غير المستقرة تلتهم أي إصلاح جذري.
2. الدرس الثاني (مؤيد لحسني بي): التأخير في الإصلاح يزيد من تعمق التشوهات وتضخم “الغنيمة” (التي أصبحت 44.5 مليار دينار الآن مقابل رقم أقل في 2003)، مما يجعل عملية الإصلاح لاحقًا أكثر تعقيدًا وخطورة.

رؤية استشرافية متكاملة: إطار الإصلاح الوطني الشامل

بناءً على تجربة الجهيمي ورؤى أبوسنينة وحسني بي، يمكن صياغة رؤية على ثلاثة مستويات متكاملة:

المستوى 1: الإصلاح النقدي والمالي (الدمج بين الرؤيتين)

هذا هو المستوى التشغيلي، ويتم فيه تطبيق الجدول الزمني المرحلي المذكور سابقاً (التحضير، الانتقال التدريجي، التعويم المدار)، ولكن مع تعديل طموح الهدف النهائي:

· الهدف ليس “القضاء على السوق الموازي” (كما سعى الجهيمي) لأنه قد يكون طموحًا غير واقعي في بيئة مفتوحة.
· الهدف هو “توحيد سعر الصرف فعليًا” من خلال جعل السعر الرسمي جذابًا وقريبًا من السوق بحيث يفقد الأخير سببه للوجود، أو يصبح هامشيه ضئيلاً. السوق الموازي يموت وحده عندما يختفى سبب وجوده (الفارق الكبير بين السعرين).

المستوى 2: الإصلاح المؤسسي والحوكمة (شرط نجاح المستوى الأول)

هذا هو المستوى الذي غاب عن محاولة 2003 وهو جوهر رؤية أبوسنينة. لا معنى لأي إصلاح نقدي دون:

· حكومة موحدة ومشرعنة: لاتخاذ القرارات وتمرير القوانين.
· سيطرة كاملة على إيرادات النفط: كما طالب أبوسنينة، لضمان “الوسادة المالية”.
· استقلال حقيقي للمصرف المركزي: ليس استقلالاً عن السياسة فحسب، بل عن شبكات المصالح والفساد.
· منظومة رقابية قوية: (ديوان المحاسبة، الجهاز المركزي للرقابة المالية) لمراقبة توزيع العملة ومنع تحول الفارق إلى “غنيمة” مرة أخرى.

المستوى 3: الإصلاح الاقتصادي الهيكلي ( لتعظيم المكاسب للشعب)

هذا هو المستوى الذي يحقق رؤية “حسني بي” في تعظيم المكاسب وليس فقط منع الخسائر. الإصلاح النقدي الناجح يجب أن يفتح الباب أمام:

· تحويل “الغنيمة” المحولة (44.5 مليار دينار) إلى استثمارات منتجة: في البنية التحتية، الصحة، التعليم، والتمويل الأصغر للمشاريع الصغيرة. هذا هو “عائد السلامة” للشعب.
· تحفيز الاقتصاد الإنتاجي غير النفطي: سعر الصرف الواقعي يجعل التصدير والإنتاج المحلي مجديًا، فيتم إنشاء وظائف حقيقية بدلاً من اقتصاد الريع والمضاربة.
· خلق بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر: الاستقرار النقدي والمالي هو أهم عامل لجذب الاستثمارات التي تنقل التكنولوجيا وتخلق فرص العمل.

التوافق النهائي: تقليل المخاطر vs تعظيم المكاسب

عنصر الإصلاح كيف يقلل المخاطر (منظور أبوسنينة) كيف يعظم المكاسب (منظور حسني بي)
المرحلة التحضيرية (بناء الوسائد) يبني احتياطيات أجنبية وسيولة للتدخل وقت الأزمات. يحقق استقراراً مؤسسياً يمنع الانفلات. يخلق “رأس مال سياسي” وثقة عامة بجدية الإصلاح، مما يسهل قبول المراحل القادمة.
الإصلاح التدريجي (سعر مرن مدرج) يتجنب الصدمة المفاجئة للاقتصاد والمواطن، ويسمح بمراقبة الآثار وتعديل المسار. يبدأ فوراً في تقليص “فارق الغنيمة” ويوجه التدفقات تدريجياً نحو القنوات الرسمية الشفافة.
إصلاح نظام التوزيع (منصة إلكترونية) يمنع الفساد ويوفر بيانات دقيقة للمراقبة واتخاذ القرار (إدارة المخاطر بالبيانات). يضمن وصول العملة للمستحقين الحقيقيين (المستوردين للسلع الأساسية، المنتجين) وليس للمتلاعبين.
تحويل “الغنيمة” المحولة إلى استثمار يستثمر في تحسين مرونة المجتمع (صحة، تعليم) مما يجعله أكثر قدرة على امتصاص الصدمات المستقبلية. يحقق العدالة الاجتماعية المباشرة ويبني رأس المال البشري والمادي للجيل القادم، وهو أعظم مكسب.

الخلاصة: الرؤية الاستشرافية المتكاملة

الإصلاح الناجح هو عملية جراحية:

· تشخيص “حسني بي” هو الذي يحدد مكان المرض وضرورة العملية (الخلل الهيكلي وسرقة 44.5 مليار سنوياً).
· حكمة “أبوسنينة” هي التخدير الجراحي والمضادات الحيوية التي تمنع الصدمة والالتهاب (إدارة المخاطر والامتثال).
· مبادئ “الجهيمي” هي خطة العملية الجراحية الأولية التي قدمت خريطة طريق مبكرة.
· الرؤية المتكاملة هي فريق جراحي كامل ومستشفى مجهز (الإصلاح المؤسسي) لإجراء العملية في الوقت المناسب وبأقل مخاطر ممكنة.

النتيجة المتوقعة: وطن ذو “Z-Score” وطني مرتفع، يتمتع بسيادة نقدية حقيقية، واقتصاد منتج، ومجتمع عادل ومستقر، قادر على المشاركة الفاعلة في تنمية نفسه والإقليم من حوله. هذا هو أعلى درجات النضج الاقتصادي والسياسي.

مشاركة الخبر