Skip to main content
|

“الهادي عبدالقادر”: الهشاشة ليست قدرًا.. ليبيا والفرصة التاريخية للتحوّل في عصر اللّا يقين العالمي

كتب: الهادي عبدالقادر- مستشار الشؤون العامة لوزارة الاستثمار بالحكومة الليبية

في عالم يتسم باضطراب اقتصادي غير مسبوق، حيث يشير تقرير صندوق النقد الدولي لشهر يناير 2026 إلى أن الهشاشة العالمية وصلت إلى مستويات حرجة، تظهر ليبيا كحالة تستحق الوقوف عندها. فبينما يتحدث التقرير عن تباطؤ النمو وارتفاع الديون وزيادة عدم اليقين السياسي والتجاري، فإنه يؤكد أيضًا أن “الهشاشة ليست قدرًا”، بل يمكن التغلب عليها من خلال سياسات واستراتيجيات مدروسة.

هذه الرسالة تتوافق تمامًا مع رؤية الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الذي دعا خلال فترته إلى تعزيز الاستقرار العالمي عبر خطط تنموية طويلة الأمد، وخاصة في المناطق الهشة. وتبقى ليبيا اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل التحديات إلى نقاط قوة، مستفيدة من الدروس العالمية والتوجيهات التي يقدمها تقرير الصندوق.

ليبيا في قلب الهشاشة العالمية
تعاني ليبيا، مثل العديد من الاقتصادات الهشة، من اعتماد أحادي الجانب على النفط، وضعف المؤسسات، وبيئة غير مستقرة سياسيًا. لكن هذه التحديات نفسها يمكن أن تكون محفزًا للإصلاح إذا ما أدركنا أن سياسات عدم اليقين العالمية ليست حاجزًا، بل فرصة لإعادة التشكيل.

فقد أشار التقرير العالمي إلى أن الاقتصادات التي تبنت قواعد مالية صارمة وحوكمة رشيدة، استطاعت أن تحقق استقرارًا ماليًا حتى في أصعب الأوقات. وهذا بالضبط ما تحتاجه ليبيا: إطار مؤسسي قوي، يضمن الشفافية ويكافح الفساد، ويبني ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.

الخطة العشرية: من الهشاشة إلى المرونة
لتحقيق ذلك، يجب أن تتبنى ليبيا خطة عشرية (2026–2036) ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. تعزيز الحوكمة والامتثال:
    لن يتحقق الاستقرار دون ضوابط حوكمة صارمة. يجب إنشاء هيئات رقابية مستقلة، واعتماد معايير دولية في الشفافية المالية والإدارية. كما أن تعزيز أخلاقيات العمل العام والخاص سيكون حجر الزاوية في بناء اقتصاد قائم على الثقة.
  2. التنويع الاقتصادي والتكامل الإقليمي:
    لا يمكن لليبيا أن تبقى رهينة تقلبات سوق النفط. يجب تطوير قطاعات الزراعة المتطورة، والسياحة الثقافية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية. كما أن الانخراط في اتفاقيات التجارة الحرة الإقليمية، مثل منطقة التجارة الحرة الأفريقية، سيفتح أسواقًا جديدة ويقلل من المخاطر الخارجية.
  3. الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا:
    وفقًا لتقرير الصندوق، فإن الاقتصادات التي استثمرت في رأس المال البشري والتحول الرقمي استطاعت أن تتكيف بسرعة مع الصدمات العالمية. لذلك، يجب أن تركز ليبيا على التعليم التقني، والابتكار، والبنية التحتية الرقمية، لخلق فرص عمل للشباب وبناء جيل منتج وقادر على المنافسة.

المخاطر والفرص في ظل سياسات عدم اليقين
نحن نعيش في عصر تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، وتتأثر القرارات المحلية بالتحولات الجيوسياسية العالمية. لكن هذه البيئة نفسها تخلق فرصًا للدول التي تستطيع أن تتحرك بذكاء وسرعة. فالاستفادة من الشراكات الدولية، وجذب الاستثمارات الموجهة نحو التنمية المستدامة، وبناء تحالفات إقليمية متينة، كلها خطوات يمكن أن تحول ليبيا من دولة هشة إلى لاعب فاعل في الاقتصاد العالمي.

الخلاصة
الهشاشة ليست قدرًا، بل هي اختبار لإرادة الأمم. ليبيا لديها كل المقومات الطبيعية والبشرية لتكون قصة نجاح في العقد القادم. ولكن النجاح يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية استراتيجية واضحة، والتزام عميق بمبادئ الحوكمة والنزاهة.

كمسؤولين ومستشارين، علينا أن نعمل معًا لتحويل هذه الرؤية إلى واقع، مستفيدين من التجارب العالمية والدروس التي يقدمها تقرير صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات الدولية. المستقبل يبدأ اليوم، وليبيا قادرة على كتابة فصل جديد في تاريخها، فصل يعتمد على الاستقرار والازدهار والاندماج الإيجابي في الاقتصاد العالمي.

مشاركة الخبر