Skip to main content
|

​”الشلوي”: أسعار النفط إلى أين حتى نهاية 2026؟ وما الذي ينبغي على ليبيا فعله؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي عبد المنصف الشلوي

تشهد أسواق النفط الدولية في هذه المرحلة حالة من عدم اليقين الاستثنائي، إذ لم تعد الأسعار تتحرك وفق معادلة العرض والطلب وحدها، بل أصبحت شديدة الارتباط بالتطورات العسكرية والجيوسياسية، وأمن الممرات البحرية، وقدرات التكرير، والسياسات النقدية العالمية، ومستوى النمو في الصين والاقتصادات الكبرى…

وقد اقترب خام برنت، خلال تعاملات 8 سبتمبر 2026، من مستوى 97 دولاراً للبرميل، مدفوعاً بتجدد الهجمات على منشآت الطاقة السعودية، واستمرار الاضطرابات في مضيق هرمز والبحر الأحمر، والمخاوف من امتداد الصراع إلى مزيد من منشآت الإنتاج والتصدير. وقبل اندلاع الأزمة الحالية كان نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، ولذلك فإن أي تهديد جدي ومستمر لهذا الممر يضيف علاوة مخاطر واضحة إلى السعر.

ومع ذلك، فإن بقاء برنت دون حاجز 100 دولار، رغم حجم المخاطر، يرجع إلى عدة عوامل موازنة؛ أهمها استمرار جزء من التدفقات النفطية عبر هرمز، واستخدام المنتجين الخليجيين مسارات وموانئ بديلة، وزيادة إنتاج دول من خارج أوبك، وعلى رأسها الولايات المتحدة وكندا وغيانا، بما يقارب 1.4 مليون برميل يومياً خلال هذا العام. كما أن ارتفاع الأسعار أدى إلى تراجع نسبي في الطلب، خصوصاً في الصين وقطاعات النقل والبتروكيماويات.

وبناءً على المعطيات الحالية، أرى أن المسار الأقرب لخام برنت حتى نهاية 2026 يمكن قراءته من خلال ثلاثة سيناريوهات:
​السيناريو المرجح: بقاء السعر في نطاق يتراوح تقريباً بين 85 و100 دولار للبرميل، مع تقلبات حادة مرتبطة بالأحداث الأمنية والسياسية. وهذا السيناريو يفترض استمرار التوتر دون وقوع توقف واسع وطويل للإمدادات.

السيناريو التصاعدي: ارتفاع برنت إلى نطاق 105–120 دولاراً، ولو لفترة مؤقتة، إذا اتسعت المواجهة أو تعرضت منشآت إنتاج وتصدير رئيسية لأضرار مؤثرة، أو تعطلت الملاحة بصورة أكبر في مضيق هرمز أو البحر الأحمر.

السيناريو الانخفاضي: تراجع السعر إلى نطاق 70–80 دولاراً إذا حدث انفراج سياسي حقيقي، وعادت الإمدادات الخليجية تدريجياً، وارتفع الإنتاج المتوقف، واستمرت مؤشرات ضعف الطلب العالمي. وكانت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قد توقعت، قبل التصعيد الأخير، متوسطاً يقارب 78 دولاراً لبرنت خلال الربع الرابع من 2026، بينما رفع بعض المصارف توقعاته لاحقاً؛ إذ يتوقع غولدمان ساكس نحو 85 دولاراً في ديسمبر، في حين يقدّر مورغان ستانلي متوسط الربع الأخير بحوالي 100 دولار. وهذا التباين يؤكد أن السوق تُسعّر المخاطر السياسية أكثر مما تُسعّر أساسيات العرض والطلب وحدها.

وعليه، فإن الحديث عن سعر واحد مؤكد في نهاية العام سيكون غير مهني. والأكثر واقعية هو اعتبار نطاق 85–100 دولار السيناريو الأساسي، مع بقاء احتمالات الصعود أو الهبوط مفتوحة بحسب مسار الصراعات والإمدادات والملاحة والطلب العالمي.

أما بالنسبة إلى ليبيا، فإن ارتفاع السعر يمثل فرصة مالية، لكنه لا يضمن تلقائياً تحسن الوضع الاقتصادي أو معيشة المواطن. فالعبرة ليست بسعر البرميل وحده، وإنما بعدد البراميل التي تستطيع البلاد إنتاجها وتصديرها بصورة مستقرة، وبقيمة ما يُستهلك أو يُستورد من وقود، وبكيفية إدارة الإيرادات وتوزيع الإنفاق العام.

ومن هذا المنطلق، أقترح أن تتعامل الدولة الليبية مع الفترة المتبقية من العام وفق الآتي:

أولاً: إعداد الموازنة والتقديرات المالية على سعر محافظ يتراوح بين 70 و75 دولاراً للبرميل، وليس على الأسعار المرتفعة الحالية. أما الإيرادات الناتجة عن تجاوز السعر الفعلي لهذا المستوى، فينبغي اعتبارها إيرادات استثنائية، لا أساساً لزيادة دائمة في المرتبات أو المصروفات الجارية.

ثانياً: تخصيص جزء واضح من الإيرادات الإضافية لسداد الالتزامات القائمة، وتكوين احتياطي مالي لمواجهة احتمالات انخفاض الأسعار أو توقف الإنتاج، وتمويل المشروعات النفطية ذات المردود السريع، وخاصة صيانة الآبار والمرافق وخطوط النقل والموانئ والخزانات.

ثالثاً: حماية استقرار الإنتاج والتصدير وإبعاد القطاع النفطي عن التجاذبات السياسية والإغلاقات. فخسارة مئة ألف برميل يومياً عند سعر 95 دولاراً تعني ضياع إيراد إجمالي يقترب من 9.5 ملايين دولار يومياً، قبل احتساب حصص الشركاء والتكاليف والالتزامات الأخرى.

رابعاً: منح المؤسسة الوطنية للنفط التمويل التشغيلي والاستثماري المنتظم الذي يمكّنها من المحافظة على الإنتاج وزيادته، مع إخضاع الإنفاق للرقابة والمراجعة المهنية. فمسؤولية المؤسسة فنية وتشغيلية وتجارية، بينما تبقى إدارة الموازنة والسيولة وسعر الصرف والإنفاق العام من مسؤوليات الحكومة ووزارة المالية والمصرف المركزي والجهات الرقابية المختصة.

خامساً: عدم النظر إلى ارتفاع الخام بمعزل عن ارتفاع أسعار المشتقات. فالأزمة الحالية أدت أيضاً إلى شح عالمي في الديزل وارتفاع تكاليف التكرير والنقل والتأمين؛ وبالتالي قد تحصل ليبيا على إيرادات أكبر من بيع الخام، لكنها في المقابل تدفع مبالغ أعلى لاستيراد البنزين والديزل وغيرهما من المنتجات… ولهذا فإن صافي الفائدة أقل من الانطباع الذي يعطيه ارتفاع سعر البرميل وحده.

سادساً: توجيه جزء من الإيرادات الاستثنائية إلى زيادة القدرة المحلية على التكرير والتخزين، واستكمال مشروعات الغاز وتقليل حرقه، والتوسع في إحلال الغاز محل الوقود السائل بمحطات الكهرباء، بما يقلل فاتورة الاستيراد ويحرر كميات أكبر للتصدير.

سابعاً: تجنب التوسع غير المنضبط في الإنفاق العام، لأن ضخ إيرادات نفطية كبيرة في اقتصاد محدود الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى زيادة التضخم وارتفاع أسعار السلع والعقارات وتراجع القوة الشرائية، بدلاً من تحقيق تحسن حقيقي في مستوى معيشة المواطن.

أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح ليبيا فرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس، لكنه يظل ارتفاعاً ناتجاً بدرجة كبيرة عن المخاطر والحروب واضطراب الإمدادات، وليس عن نمو اقتصادي عالمي مستدام. ولذلك يجب ألا نبني عليه التزامات مالية دائمة.

الخيار الأكثر حكمة هو أن تدير ليبيا مواردها وفق سعر محافظ، وتحمي الإنتاج، وتضبط الإنفاق، وتستثمر الفوائض المؤقتة في الأصول والبنية التحتية والطاقة والتنويع الاقتصادي.

فالدول لا تستفيد من ارتفاع النفط بمجرد تحصيل إيراداته، وإنما عندما تحول هذه الإيرادات المتقلبة إلى استقرار مالي وقدرة إنتاجية وتنمية مستدامة.

مشاركة الخبر